التجربة الإخوانية.. عندما تتناولها الأمزجة والأهواء

ميدان - شباب الإخوان 111
هجوم ناقد لا يخلو من تشف بالإخوان المسلمين سواء التنظيم الرسمي أو المدرسة المحسوبة عليه. (الجزيرة)

قبل نحو شهرين، تواصل معي مركز أبحاث ودراسات طالبا مني كتابة مادة عن مسألة تتعلق بالإخوان وتجربتهم السياسية، وبالطبع ضمن محددات تجتر قضايا نظرية وفلسفة غير واقعية، وتتوسل استرضاء الغرب والمجامع العلمانية ضمنا.

اعتذرت بنبرة فيها شدة، وأردفت الاعتذار بطلب أو نصيحة أو ملاحظة.. -لا يهم كيف اعتبروها- بشأن الكف عن هذا النوع من التنظير غير المجدي، الذي أضعنا في خضمه نحو ربع قرن من الزمان، وكانت النتيجة خسارة كبيرة ومضيعة للوقت والجهد.

قبل أكثر من 20 عاما، نشر الباحث الإيراني عباس خامة يار كتابه "إيران والإخوان المسلمين.. دراسة في عوامل الالتقاء والافتراق" الذي ترجم إلى العربية ولاقى وقتها اهتماما من المتابعين أمثالي، وخلاصة ما توصل له المؤلف أن سبب عدم نجاح الإخوان المسلمين في بناء دولة عصرية تقوم على أنقاض النظم العلمانية هو مرجعيتهم الفقهية السنية، وبالمناسبة المؤلف دبلوماسي ومن التيار الإصلاحي.

أيسر رد على هذا الاستنتاج الذي تجشّم صاحبه عناء تدبيج كتاب -سمعت أنه أطروحة لنيل شهادة دراسات عليا- أن المذهب الإمامي الجعفري الاثني عشري، الذي قدمه بطريقة توحي أنه ثوري في جوهره وطبيعته وسلوكه، مذهب انتهج الانتظارية والسكون عقيدة، وأن ما حدث فيه يعتبر طفرة ثورية، وأن كثيرا من الحركات ذات المرجعية السنية عبر تاريخ الأمة هي التي قادت التغيير القائم على الثورة والتمرد على الظلم، أو على ما رأته ظلما، ولا يمكن أن نقول أن تاريخ الثورات الإسلامية بدأ عام 1979 مع تقدير واعتبار أهمية الثورة الإيرانية ودور التجربة التي قادتها في الحكم في مسيرة الشيعة خاصة والمسلمين عامة، سواء من أيدها أو عارضها، فكلهم تأثروا بها وبنتائجها… ولو تحوّل الإخوان الآن إلى جعفرية إمامية فلن يتغير وضع الدول التي قمعتهم، فالمسألة أعمق من أطروحة عباس خامة يار بلا ريب.

بدأت بما جاء في السطور السابقة نظرا لما نراه اليوم من هجوم ناقد لا يخلو من تشف بالإخوان المسلمين سواء التنظيم الرسمي أو المدرسة المحسوبة عليه، ولا أعني هنا هجمة الخصوم والأعداء والمتربصين الحاقدين، بل مجموعات وأفراد من الإسلاميين بمن فيهم من هو "إخواني" بطريقة أو أخرى.

قبل مناقشة الهجوم وذخيرته، أؤكد أن تجربة الإخوان المسلمين السياسية عموما -وبعد الثورات العربية خصوصا- تحتاج من قادة الحركة ومفكريها إلى مراجعة جريئة تستدعي الأفعال أكثر من الكتب والمنشورات والندوات، لأن ثمة فشلا كبيرا قد حصل، وأعلم يقينا أن حركة عمرها يناهز قرنا من الزمان وامتدادها يصل إلى كل أرجاء المعمورة يصعب تغييرها أو ستكون حركة وعجلة التغيير فيها بطيئة، اللهم ما لم يكن هناك قادة لهم وضع استثنائي، مع توظيف ظروف العالم سريعة التبدل والتغير لصالح المشروع.

ولكن هذا لا يعني بحال أن تكون هذه الحركة وهذه التجربة خاضعة لأمزجة وانفعالات نشطاء على مواقع التواصل ممن يطلقون "توجيهات"، وأغلبيتهم عندهم نقص في المعلومات، وينطلقون من عواطف وانفعالات.

وفي السياق ذاته -وأعود إلى ما بدأت به- إن تضييع الوقت والجهد في مناقشات فلسفية، وتنظيرات سياسية غير واقعية ربما هو أول أمر يفترض بالقوم تركه بل نبذه نهائيا، على الأقل في هذه المرحلة وهذه الظروف.

كم سال من الحبر، وكم من الندوات والمحاضرات والكتب والنشرات والمقالات التي جوهرها وضع الحركات الإسلامية -التي تقبل خوض العمل السياسي العلني- في موضع "المتهم" المطلوب منه إثبات براءته أو المشكوك في نياته، وعليه تقديم صكوك حسن النيات ولو على حساب أهم مبادئه ومنطلقاته التي بذل من أجلها بحارا من الدم والعرق عبر عقود طويلة؟

فكم مرة على الإخوان أن يثبتوا (حسن) نياتهم تجاه المرأة وقبولهم توليها منصب الحاكم الأول في الدولة عبر صندوق الاقتراع، وكم مرة عليهم أن يقولوا: لا مانع لدينا من تولي غير المسلم المنصب ذاته بالطريقة ذاتها؟ وكم مرة عليهم أن يعلنوا أنهم يقبلون بمبدأ الشراكة السياسية والتداول السلمي للسلطة مع غيرهم.. إلى آخر تلك القضايا التي أكرر أن وقتا ثمينا وجهدا كبيرا ضاع في مناقشتها.

هذه الأطروحات كانت تفترض سلفا وتلقائيا سلامة طويّة خصوم الإسلاميين وإيمانهم بالاحتكام إلى صندوق الاقتراع وتقبلهم المخالف معهم، وأن المشكلة فقط عند الإسلاميين "الأشرار" الذين ينتحلون "التقية" ويريدون الانتخابات مرة واحدة ثم يتفردون بالحكم، ويفرضون على الناس نمطا اجتماعيا معينا، وسيغلقون الخمارات ويفرضون على النساء الحجاب، وكأننا نعيش في مجتمع من السكارى ومهمة العلمانيين الحفاظ على "حقوقهم".

ولكن تبين بسرعة -بعيد الثورات العربية- أن العلمانيين هم من يرفضون الاحتكام إلى ما جعلوه أيقونة مقدسة (صندوق الاقتراع) إذا جاء بمن لا تهواه أنفسهم، أو أنفس الحلفاء أو الأصدقاء أو المشغلين وراء البحار، وأن مصير التجارب (الديمقراطية) هو الانقلابات الفجة واستخدام قوى الجيش والأمن لفرض نظام يستدعي وينتهج أبشع وأقذر أدوات الإقصاء والاستئصال، ويدوس ما تغنوا به من مبادئ الحرية وحقوق الإنسان، ويعزف على لحن ممجوج هو محاربة الإرهاب والظلامية والفكر المتطرف…

هنا، لا لوم على الإخوان أو أي حركة إسلامية انخرطت في تلك التنظيرات وقدمت بالقول والفعل ما يثبت قبولها بشروط المشاركة في الحكم، فقد كان الجوّ العام يبشّر بإمكانية الدخول في مرحلة جديدة، ولكن تبين بوضوح نقض الطرف الآخر ما تم التوافق عليه، واستمرار الإسلاميين في هذه التنظيرات العقيمة حرث في الماء.

ويفترض عدم البكاء على أطلال تلك التوافقات، لأن الآخر يقول -ويصرخ- إنه لا يؤمن إلا بجنازير الدبابات وبسطار العسكر، ولتذهب كل النظريات التي كان يروج لها ويتخذها حجة ضد الإسلاميين إلى "الأرشيف".

هذه أول وأهم خطوة -برأيي- يجب على الإسلاميين القيام بها؛ التحلل من انشغال بأشياء سقط أصحابها في ميدان الاختبار الفعلي.

أما من نيتهم سليمة وعملوا على جمع الإسلاميين وخصومهم تحت قبة واحدة من أجل التوافق لما فيه مصلحة الأوطان، فعليهم الآن الكف عن طلب تنازلات أو "مرونة" من الإسلاميين وليتحلوا بشيء من شجاعة الإشارة بإصبع الاتهام لمن خرّب ودمر ما تم التوافق عليه عبر سنوات طويلة!

أما مقارنة إفشال محاولة الانقلاب في تركيا صيف 2016 بانقلاب مصر 2013 وما جرى في تونس، فيجب التذكير أن من يوصف بأنه أستاذ الرئيس أردوغان -أي رئيس الوزراء التركي السابق نجم الدين أربكان، رحمه الله- قد تعرض لانقلاب قبل أكثر من 20 سنة، ولم يخرج متظاهرون ولا كانت هناك أصوات في الجيش والأمن تحتج وتعترض، ناهيك عن انقلابات سابقة في تركيا مرت بنجاح.

لقد احتاجت تركيا سنوات طويلة حتى وصلت إلى المشاهد التي أبهجتنا ليلة الانقلاب الفاشل، وأيضا لولا وجود قطاعات من الأمن والجيش في تركيا قاومت الانقلاب بحزم وشدّة، لمرّ الانقلاب ولتم اعتقال الرئيس أردوغان ليكون مصيره الزجّ في السجون، ولكان مصير المتظاهرين مثل إخوانهم في ميدان رابعة العدوية، بل بالفعل قتل الانقلابيون وجرحوا المئات في شوارع المدن التركية بلا رحمة.

وللتذكير فإن تركيا الحالية ورثت إمبراطورية عمّرت قرونا وكانت في فترة ما أقوى دولة في المعمورة، ولم تتعرض بعد التفكك والهزيمة على يد الغرب إلى احتلال مباشر، ومع ذلك فإن الأتراك أنفسهم عرضوا مسلسل "وادي الذئاب" الذي أظهر للمشاهد -سواء أتابعه كله أو مقتطفات منه- حجم الاختراق والنفوذ الأجنبي في مؤسسات الدولة التركية؛ فما قولكم يا سادة في أقطار عربية خضعت لاحتلال أوروبي مباشر سنوات طويلة، وحينما انسحب هذا الاحتلال حرص على أن يبني مؤسسات هذه الدول وفق مصالحه، والأهم وفق ما لا يزعج إسرائيل التي تعتبر كلمة السر فيما جرى ويجري من أحداث. وهذه حقيقة يتناساها أو يتجاهلها كثير ممن يعلق على الأحداث ويحللها.

وللحديث بقية، إن شاء الله.