عقد على الربيع العربي.. فلسطين تنتفض!

فلسطين تنتفض.. وتويتر ينتفض معها (رويترز)
فلسطين تنتفض.. وتويتر ينتفض معها (رويترز)

 

قبل 38 عاما وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها آلاف من النساء والأطفال والشيوخ الفلسطينيين الذين حاصرتهم قوات الاحتلال الصهيوني بقيادة أرييل شارون في مخيم للاجئين ببيروت 3 أيام متتابعة، إذ كُلفت مليشيات تابعة للاحتلال الصهيوني بقيادة "أنطوان لحد" بقتل المدنيين وتعذيبهم في 16 سبتمبر/أيلول سنة 1982، على مرأى ومسمع من العالم الذي تناقلت وسائل إعلامه هول المجازر والإبادات الجماعية التي لم ينج منها إلا من شهد حقيقة المؤسسات الدولية التي قامت بتجريد الفلسطينيين من السلاح قبيل الحادثة. كانت صورة المرأة وهي تبكي ضحايا المجزرة وتلوم المقاومة والعرب على ترك المدنيين لمصيرهم المجهول تلحق اللعنات بالقوى الدولية الداعمة للحركة الصهيونية وعرابيها بالمنطقة العربية.

تلك الأيام الطوال المملوءة بالدم والعنف والإرهاب الصهيوني لم تغب عنها مشاهد بقر بطون الحوامل وكثرة الجثث الملقاة في شوارع العاصمة اللبنانية عن ذاكرة اللبنانيين والفلسطينيين وعن سائر شعوب العالم المتضامنة مع القضايا العادلة، بل إن الفلسطينيين ظلوا متمسكين بأن مصيرهم من مصير جيرانهم وأن استقلال أرضهم عن الاحتلال الصهيوني هو أمر لا مناص منه للحفاظ على وحدة الأمة العربية والإسلامية، إلا أن التغييرات التي فرضتها قواعد اللعبة السياسية بين أطراف النزاع جعلت المستعمِر الصهيوني ضحية للمستعمَر الذي لم يترك من يده غصن الزيتون طلبا للسلام، ظانًّا أن الحاضنة العربية لا يمكنها تسليم القضية الجوهرية للبقايا الاستعمارية الغربية بالمنطقة.

 

بين حلمين.. أسوار القدس تنتفض!

كانت فلسطين دائما ولا تزال إلى يومنا هذا امتحانا صعبا للأنظمة العربية والغربية على حد سواء منذ أن أُسس الكيان الإسرائيلي على عقيدة التخويف والإرهاب، ولولاها لظلت المنظومة العالمية المتمثلة في مواثيق حقوق الإنسان وقانون تجريم العنصرية وغيرها حبيسة الصورة الأخلاقية الموهمة لكثيرين ممن يطلبون الحق في الثروة والإنسانية، بل إن تلك الهيئات والمنظمات عززت قدرة التشريعات الدولية الكفيلة بتحسين صورة حقوق الإنسان كي تغدو أدوات استعمارية بيد الغرب، وأينما وقعت كارثة إنسانية بسبب تدخل المؤسسة الإمبريالية الغربية وكانت الصهيونية وراءها تنسج الخرائط الجديدة للمنطقة، تداعى المجتمع الدولي ومنظماته نحو مؤتمرات استثنائية همّها سلب الضحايا حقهم في التعبير عن معاناتهم وعذاباتهم، وتحميل وزر الغطرسة الصهيونية ووحشيتها المدنيين العزل والفرق الصحفية والمنظمات الإغاثية بفلسطين، وكان الخوف من سقوط فلسطين المحتلــة في دوامة انتفاضة ثالثة لا قبـــــــل للاحتلال الصهيوني بهـــا يحيي عمليــة السلام مع كل رشقة صاروخ من غزة أو خروج الشباب الفلسطيني رافضا الإجراءات العنصريــة لآلـــة القمع والتهجير الإسرائيلي، ليحول السلام المزعوم مع المحتل عن تشكل موجــة ثالثة للانتفاضة فلسطينية تزيح عن الشعب الفلسطيني وهن السلطة القابعة في دكاكين التنسيق الأمني، وترفع عن غزة حصارها الذي على ما يبدو لم يزد شعبها إلا لحمة وتمسكا بمبدأ المقاومــة.

ليس الفلسطينيون وحدهم اليوم من يتذوقون مكر وخديعة المنظومة الدولية فحسب، فشعوب المنطقة العربية بعد حركة الربيع العربي واجهت أدوات غربية متعددة من حكام مستبدين ومنظمات إرهابية مثل تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية وحركات الانفصال والتمرد والديمقراطية الشوفينية، كي يتشتت حلم الحرية لديها ضمن مشاريع عدة لا قبــــــل لها بواحد.

وبعد مذبحـــة صبرا وشاتيلا توالت المجازر على المنطقة العربيـــة يدفع بعضها جرم بعض، جراء التخاذل العربي إزاء قضايا شعوب المنطقة المنتفضة، ولعل اليوم الذي وقفت فيه العجوز تنادي العرب كي يصونوا عرضها ويحفظوا كرامتها أسمع صوتها الحقيقة التاريخية القائلة إن الأنظمة العربية ما هي إلا نتاج مرحلة استعمارية لا تختلف عن الكيان الذي خلقته الإمبراطورية البريطانية حينئذ في أسباب استمرارية حكمها وسطوتها على مقدرات شعوبها وحلمها في التغيير، تلك الأنظمة المتحاملــة على كل ما هو إنساني لا يمكنها أن تحقق طموحات شعوبها الراغبة في الحرية والعدالة والكرامة.

إننا نرى اليوم مدى التهافت العربي على التطبيع مع العدو والمحتل الصهيوني بغير سبب أو حتى دون فرض قواعد جديدة لتناقضات الحرب والسلام، بل هو استسلام وإذعان لإرادة الإدارة الأميركية التي يقودها متصهينون متدينون عنصريون، إيمانهم الوحيد يتمثل في الاستيلاء على التاريخ والحضارة والإنسان، ولو على جماجم ضحايا التمييز العنصري والتطرف الغربي. استطاعت الولايات المتحدة الأميركية جرّ عدد من أنظمة الثورات المضادة نحو حظيرة التطبيع والانبطاح لتصفية المسألة الفلسطينية، وهي بذلك إنما تمنح الكيان الصهيوني الضوء الأخضر لنهب ما تبقى من الأراضي والثروات العربية، وباسم السلام انضوى تحت لواء الصهيونية كثير ممن دفع بالسلام والحلم العربي نحو حتفه الأخير، فلا سلام حقيقي والحرية مقبورة بين زنازين الغدر والخداع العالمي.

وتمثل القضية الفلسطينية إلى اليوم رمز النضال والتضحية الإنسانية في طلب الحرية والكرامة، فهي وإن تهافت العالم الغربي على تصفيتها والقضاء على حلم الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة، فإن روح التحرير تسري في عروق أمتنا وفي شعوب العالم المساندة لقضايا الإنسانية والتحرر، وإن بدت مسارعة بعض من بني جلدتنا للاعتراف بالكيان الصهيوني وتخوين المقاومة الفلسطينية والتنازل عن الحق الشرعي والتاريخي للإنسان الفلسطيني في أن يحيا على أرض آبائه وأجداده التي بها أحجار يفوق عمرها عمر دول العالم قاطبة.

 

الطبـــــع يغلب التطبيع.. لا غصن زيتون للاحتلال

وصف المفكر الإيراني حميد دباشي موجة الربيع العربي بانتفاضة فلسطينية ثالثــة رسمت ملامح شرق أوسط جديد يأبى الانصياع والإذعان للإمبريالية الغربية وأداتها إسرائيل، التي وقفت مع أطرافها بالمنطقة لوأد الاحتجاجات المناهضة للاستبداد الداخلي، لتجد الشعوب العربية نفسها أمام أعداء حميمين تحالفوا لسحق تطلعات الشعوب إلى الحرية والكرامة.

وفي هذا السياق يحلينا البروفيسور الجزائري وحيد بن بوعزيز أستاذ الأدب المقارن والدراسات الثقافية، في تغريدة عبر حسابه بتويتر، إلى أن تاريخ الشعوب المستعمــــرة هو تاريخ من أشكال المقاومــة، وكلما اعتقد المعمّـــــر أن الخيول الأصيلــة روّضت يُفاجأ بثورتها المستدامة، تلك الخيول التي لم يكن لديها شيء لتخسره سوى أنهــا انصاعت لطبيعتها كونها توّاقـة إلى الحرية.

لم تتوقف إسرائيل منذ قيامها ككيان وريث للاستعمار عن ترسيخ صورة مطابقة للفاشية الغربية بالمنطقة، حيث أمست سياساتها الاستيطانية ظلا فاضحا لوجه الاستعمار الأوروبي والإمبريالية الأميركية وجدارا صلبا في وجه المساعي الحثيثة للمؤسسات الدوليــة المعارضة لــها لفضح صورتها المتمثلة بمحتل يقف في وجه أي مشروع يجرّه نحو المحاكم الدوليـة.

وبسبب النكبة التي تعيشها أمتنا اليوم جراء مشاريع التطبيع، وما يحدث اليوم في فلسطين من تهجير وإبــادة يضع جميع السرديات الإنسانيــة أمام مأزق أخلاقي. يقول البروفيسور لونيس بن علي:

"وعلى ما يبدو فإن مركزية القضية الفلسطينية بدأت تعود لجذورها الأولى كونها قضية الشعب الفلسطيني بالدرجة الأولى بعيدا عن المزايدات القومية والشعارات الدينية والتضامن المزعوم، فمهما اعترف العالم بالاحتلال وأسس له المعاهدات والمواثيق فإن جرائمه بحق الفلسطينيين في الداخل وخارج المكان، لا يمكن للسلام المزعوم أن يمحو آثارها وآلامها، فالمؤسسة الصهيونية مهما بلغت من النفوذ والسطو العالمي على الهيئات الدولية والمؤسسات الأممية فإن عنصريتها وفاشيتها تظهران كلما أوقد الاحتلال الإسرائيلي حربا أو شنّ غارات أو قام باغتيال، ففي إسرائيل لا سياسة من دون دم، ولا دولة من دون إبادة شعب، ولا هوية لإسرائيل بلا عنصرية".

وشرعيــة الاحتلال الصهيوني اقترنت برضوخ السلطة الفلسطينية للتدخلات العربية من جهة، وإملاءات أميركا الداعم الأول للتنمر الإسرائيلي، إلا أن الوقائع المتتالية منذ الانتكاسة حملت تغييرا جذريا في مكونات المشروع الفلسطيني الرامي إلى تأسيس دولــة ذات سيادة  مطلقة، وما كان على أوراق الاتفاقيات والملتقيات الدولية مجرد وهم تتهاوى صفحاته على أرض الواقع.

كانت الانتفاضــة الفلسطينية الأولى والثانية تبشر بأمل قيام دولــــة فلسطينية معلومة الحدود ومكتملة السيادة، فبعد اغتيال الرئيس الفلسطيني "ياسر عرفات" باتت السلطة في دائرة ضيقة وظيفتها الأساسية التنسيق الأمني والاستخباراتي مع الاحتلال، والعمل على تشتيت الحاضنة الداخلية لانتفاضة فلسطينية من شأنها تحريك الشارع الفلسطيني ليواجه الإرهاب الصهيوني، ومع شرعيــة الاحتلال المعترف بهــا من طرف البرجوازيات الحاكمة بالمنطقة، باتت المسألــة الفلسطينية أكثر وضوحا وتمايزا من ذي قبل، وأصبح العمل على تفعيل الإرادة الداخليــة للشعب الفلسطيني كافــة نحو حفظ ما تبقى من حقوق لم يكن بمقدور السلطــة أن يستعيد منهــا غصن زيتون أبى الاحتلال أن يتركــه في حلّ منه، وطوال 10 سنوات عاشت شعوبنا العربية هي الأخرى ويلات التخاذل العالمي على أمل أن تروّضها الاستعمارية الجديدة ضمن صفقات القرن، إلا أن نبضها الثوري لا يزال مرتبطــا بوجه وثيق بالقضية الإنسانية الأولى.. فلسطين.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة