محاذير دخول الإسلاميين عالم التمثيل والدراما

FW: مادة/ لص بغداد.. معرض ملصقات لزمن السنيما الذهبي
حقل التمثيل والإنتاج مليء بالألغام التي قد تنفجر حتى ممن أو فيمن هم رواد هذه الصناعة (الجزيرة)

ما زلت أذكر كيف أخذ الأخ يلوم أبناء الاتجاه الإسلامي على تركهم حقل الصحافة والعلوم السياسية وملحقاتها، مما جعل العلمانيين وبعضهم يجاهر في إلحاده يحكمون قبضتهم عليها ويهيمنون على هذا الجانب الحيوي في التأثير على الناس.

وقد شجعني وقتها على دراسة أحد هذه المجالات، طبعا لم أستمع إلى نصيحته، ولكن هذا ما حصل مع كثير من أبناء التيار الإسلامي.

من العلوم التطبيقية والشرعية إلى السياسية

غلب على الإسلاميين على اختلاف وتنوع مدارسهم التوجه إلى دراسة العلوم التطبيقية المختلفة، لذا كثير منهم درسوا الطب أو الهندسة أو الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء أو غيرها من العلوم والتخصصات التي غالبا ما يكون الطالب فيها في المرحلة الثانوية في القسم العلمي، وهو القسم الذي يفترض -عربيا- أنه يحوي الفئة الطلابية ذات المستوى المتقدم في القدرات والذكاء على زملائهم في القسم الأدبي.

وحتى في الجامعات فإن غالبية طلبة القسم الأدبي في الثانوية يتوجهون إلى دراسة الآداب والعلوم الإنسانية بفروعها المختلفة بما فيها علوم السياسة.

ولذا تجد أبناء التيار الإسلامي يفوزون بسهولة نسبيا، في النقابات وممثليات الطلبة التي تتعلق بالعلوم التطبيقية لا النظرية، مثل نقابات الأطباء والمهندسين.

تنبه الإسلاميون إلى أن تركيزهم على دراسة العلوم التطبيقية وترك العلوم الإنسانية هو خطأ ينبغي تصحيحه، وهنا صار هناك نوع من (الزهد) في دراسة العلوم الشرعية، وعلوم الشريعة المختلفة، وقد كانت (تحصيل حاصل) من حصة التيار الإسلامي، بل وصل الحال ببعض أبناء التيار الإسلامي إلى السخرية من إخوانهم وزملائهم الذين درسوا الشريعة!

تخرج من أبناء التيار الإسلامي طابور طويل من حمَلة شهادات الصحافة والعلوم السياسية المختلفة من جامعات مختلفة محلية وعالمية.. فماذا كانت النتيجة؟

خسارة مركبة حقيقية، زهد وتراخي التيار الإسلامي في حقل ومجال كان ميدانه وشبه مسلّم به أنه رائده، أي علوم الشريعة، جعل آخرين يعبئون الفراغ، وهؤلاء عموما لهم موقف سلبي فيه روح معادية نافرة من الحركات الإسلامية، ومن ناحية أخرى لم يكن للحركة الإسلامية مؤسسات كافية ولو بالحد الأدنى لاستيعاب الخريجين والمختصين في علوم السياسة والإعلام والصحافة، وهي التي شجعتهم على دراسة هذه العلوم… فلا هم حافظوا على ما كان شبه مسجل باسمهم، ولا حازوا شيئا مما أدخلوا أنفسهم فيه بلا تخطيط.

فكانت النتيجة أن توجهوا إلى العمل والتوظيف في مؤسسات أو إمبراطوريات إعلامية أو ثقافية يملكها أو يديرها أناس، حتى لو لم يظهروا عداءً للتيار الإسلامي، بل لربما أبدوا تعاطفا معه في بعض المسائل، ولكنهم في سلوكهم ليسوا على درجة من الالتزام، والأخطر والأدهى أن لهم فهما خاصا للإسلام، يعتبر أن الإسلام إرث ثقافي مهم ولكن ليس منهج ونظام حياة.

وتخيل معي إسلاميا في هذا الجو، لقمة عيشه، وقد تكون راتبا مغريا، بيد أناس هكذا تفكيرهم، وحوله بيئة لا تقيم وزنا للفرائض أو السنن.. النتيجة الحتمية مع مرور الوقت، هي انهيار المقاومة والمناعة التي لدى هذا الإنسان وظهور التغيرات عليه.

ولهذا رأينا مؤخرا إسلاميا يعمل في تلك المؤسسات وقد صار يجاهر بعدم الإيمان بالله أو اليوم الآخر، أو يطرح تصورات عن القرآن والحديث، تحمل انحرافات عقدية وفكرية.

وصرنا نرى فتاة محجبة بعد مدة من الزمن، قد تكون المدة أقصر من زميلها الشاب لأن حصون المرأة عادة أضعف، تنزع حجابها، وتفاخر بذلك وتكرر العبارات المموجة حول كون التدين ليس بالمظهر، والدخول في جدل عقيم ينم عن سخافة عقل حول فريضة الحجاب!

تتحمل الحركة الإسلامية جزءا من إثم هؤلاء، لأنها سلّمتهم أو اضطرتهم إلى بيئة وأجواء كهذه، ولم يكن لديها مؤسسات فكرية وإعلامية وثقافية تستوعبهم.

صحيح أنه لا طاقة استيعابية كبيرة لهذه الأعداد حتى لو وجدت هكذا مؤسسات، ولكن وجود هذه المؤسسات يعطي نوعا من الدافع المعنوي، ولا يشعر القائمين على المؤسسات والامبراطوريات الأخرى أنهم يستفردون بالإسلامي ويمكنهم إعادة تشكيل أفكاره.

وحتى حين يعمل الإسلاميون في مؤسسات ليست لهم ولا تتبنى أفكارهم، فإنهم سيكونون في حالة دفاع نفسي كون تيارهم له مؤسسات أخرى ولو بإمكانيات أقل.

السينما والإخراج

تحدثت في المقال السابق عن ضعف بل غياب الإسلاميين عن عالم التمثيل، وقد أدركوا مؤخرا أهمية الأمر.

والآن من درسوا وسيدرسون من أبناء وبنات التيار الإسلامي هذه التخصصات (إخراج، تمثيل، إنتاج.. إلخ) كيف سيكون حالهم؟ وأين سيعملون؟ وهل الأجواء التي سيعملون بها ستكون مناسبة لهم؟ هي أسئلة مهمة في هذا النقاش، ولهذا ضربت المثل الحيّ عن موضوع دراسة الإعلام والعلوم السياسية، وكيف آل حال الإسلاميين فيه!

وحقل التمثيل والإنتاج مليء بالألغام التي قد تنفجر حتى ممن أو فيمن هم رواد هذه الصناعة ولهم فيها سنوات طويلة ويعرفون خباياها وأسرارها واعتادوا عليها.

فإذا دخل التيار الإسلامي على حقل التمثيل التلفزيوني أو السينمائي، فماذا سيكون نصيبه؟

فالأمر يحتاج إلى التمويل والمادة الجيدة التي تقبل فضائيات شراءها، علما بأن من يملك الفضائيات غالبا يعادون الإسلاميين، وتحتاج إلى كادر مهني، وأمور أخرى كثيرة ربما دارت في تفكير أصحاب القرار عند الإسلاميين، فقرروا في أنفسهم: صحيح أن التمثيل مهم وخطأ الابتعاد عنه طوال العقود الماضية، ولكن لا طاقة لنا بهذا، لأن (الصناعة) هذه مغلقة وتكاد تكون حكرا على فئات بعينها.

هذا الاستسلام أيضا خطأ، وليبدأ الدخول إلى هذا العالم بحذر، وليس شرطا أن يكون من سيدخله من صلب أبناء الحركة الإسلامية، يكفي أن يكون متعاطفا معهم، أو تتقاطع أفكاره مع أفكارهم.

ويمكن عمل تجارب عبر إنتاج كارتوني أو أعمال على يوتيوب، وترك الجمهور والناقدين يقيّمونها، ومواصلة التجارب، قبل انطلاقة حقيقية اختراقية واثقة لهذا المجال.

فالإسلاميون لا ينقصهم أصحاب المواهب الواعدة، ولا من لديه حسّ الإبداع، والتمويل الذي قد يكون العقدة الكبرى المستعصية، يمكن أن يتوفر مع الزمن، بل قد تجد من يتبرعون لإنجاز عمل جيد، بعد أن يروا تجارب و(بروفات) لأعمال تكلفتها بسيطة.. والتوكل على الله قبل كل شيء.

وأنا أرى حاليا أن جو المنافسة والاحتكار، من بعض جوانبه يخدم الإسلاميين إذا رغبوا وسعوا في اختراق هذا العالم، فنحن أمام بحر من القنوات الفضائية، ولم يعد النظام يملك قناة التلفزة الوحيدة التي سيجبر المواطن على متابعتها لأنه لا بديل لها، ناهيك عن شبكة الإنترنت وخدماتها المختلفة مثل (البودكاست) وما شابه.

وأيضا عليهم الحرص ألا يكون ما يقدمونه وعظا مباشرا، لأن الدراما بنظر الجمهور هي وسيلة ترفيه قبل كل شيء، وأن لا يحاولوا تقليد غيرهم، وأعلم أن هذه مهمة صعبة؛ فالمتوقع أن الإسلامي سيقدم عملا تلفزيونيا أو سينمائيا يحمل رسائل وعظية مباشرة، أو أفكارا فاقعة (هكذا يتوقع عامة الناس) أو سيحاول تقليد الآخرين مع تغيير المظهر أو محاكاة غيره.

فكيف سيمكن الخروج من هذين الخيارين؟ سؤال لا أملك إجابة أوتوماتيكية عنه، ولكنه مفتاح دخول ونجاح للتيار الإسلامي في عالم الدراما الذي كان لفترة طويلة سلاحا ضدهم، ويمكنهم استخدامه ضد أعدائهم وخصومهم، بعد الأخذ بالأسباب.