ليت الموت يستأذن يا أبي

إلى لحظة السّكون والسكينة، وإلى التّلاشي نحو العدم. إلى الأرواح التي رافقتنا منذُ الولادة، للأيادي الحنونة التي مسحت لنا دموعنا وأخذتنا بين أضلعها بعناقٍ طويلٍ للغاية. ثمّ إلى الذكريات الجميلة التي جمعتنا، تلك اللّمة، والكثيرُ من الحب. نحو إعلاننا لعدم الاستسلام ورضوخنا للحقيقة. ثم إلى الفرح المُزيّف الذي كسّر نشوة عمياء لا تُفارقها أصواتٌ ما انفكت توغلت تبحث عن غذاءٍ لتلك اللاّنهاية وإلى الأبد.

 

إليكَ "والدي" من بين كل هذا سلامٌ مثخنٌ بالشوق الذي كبح جماح ألمي تجاهك. فإن المصائب الجديدة نكأٌ للجروح القديمة التي دفعتنا وجعلت المشاعر تتخبّط بين عدم النسيان والقبول بكل ما حدث مُرغمًا. ولكن أدركُ جيدا أن الطحالب العائمة لا تُوقف السفن الماخرة، كما أني أعي حق الوعي أني وقعتُ بين شِقي الرِّحى ورغم ذلك سينجلي غُبار التداخل والتصارع هذا يومًا ما ويمسح الرّان عن قلبي، ومن المستحيل أن أبرأ منك "أبي"، من الكذب أن ننسى من كانوا جزءًا منا، من ربونا وفعلوا لأجلنا الكثير.

 

يا صاحبي؛ نعم أنت رفيقُ دربي، قصتي النادرة، القصيدة التي أُحب. إني أراك عندما تمر فوق السماء غيمة، أذكُرك في أدق التفاصيل بين رفوف الكُتب، عندما أشتم عطرك، بين ثيابك وحين تُمطر. حاضرٌ معي في كوب قهوة، عندما يُرفع الأذان، عندما أغمض عيني ومع الشرود. لعلّي فقدت صبري، وربما فقدت إيماني بما حولي ومع كل هذا فقدت جميع مشاعري وتضاربت حياتي من بعدك وأُرهقت صدقًا وبات من الواضح أني غبتُ عن نفسي وانفصمتُ عني حين انفصلتَ عن حياتي وذهبتَ وتركتني هُنا.

  

الموت ليس هو الوحيد من عذبنا، حتى المرض نال من أجساد من نُحب إلى أن بعثرهم ومن ثم تركهم رهائن الفراش والقدر ولكن الموت كان الحل الأخير لينتهي العذاب الذي كنت تمر به

يا صاحبي؛ من سيعوضني عنك، ومن سيمنحني حنانك العظيم؟. لمن سأهرب حين أتألم، حين أفرح، حين أكون أنا… من سيفهمني غيرك، صدقني لا أحد. باب من سأطرق حين أحلم وحين أخطئ؟ ولمن سأخبر عن مخاوفي ومن سيربط على كتفي قُلي عندما أخاف؟ لقد كُنتَ كل شيء وبعدكَ أصبحتُ لا شيء، فالعلاقة التي جمعتنا لم تكن مجرّد علاقة أبٍ يُمارس مهامه كأب… لقد كُنتَ أمي، أخي، حبيبي، بيتَ سرّي والأمان كله.

  

حين انشق القمر في عينك، انشق الجرح في فؤادي وكسر ظهري تماما وهانت أمامي الدنيا إلى أن تفهت، أأخبرُك سرًا؟ لهذه اللّحظة أدخل المطبخ ليلاً ولي أملٌ أنك ستأتي كما السابق. حين كُنا نأكل في ساعة متأخرة من الليل ونتحدث للصباح دون أن نكلّ أو نمل.. وعلى ضوء كل هذا الاندثار الذي أتى في شكل كلمات تخرج منّي دون ترتيب يخالجني شعور أنّكَ هنا في مكان ما معي، بالأحرى بجانبي وربما جُننت، أبي؛ صدّقني لطالما انتظرتُ من "الموت" اعتذارًا لما سببه لنا من وجع لا يوصف. ليعتذر إلينا عن الفراق الذي يحدده هذا الموت، ليعتذر إلينا عن هذه الحرقة الملتهبة في قلوبنا، عن تركنا نتخبط بالخوف والمشاعر السلبية.. ليعتذر لأنه أخذك مني وأخذ الكثير من الأباء الرائعين والأمهات الطيبات.

 

لكن الموت ليس هو الوحيد من عذبنا، حتى المرض نال من أجساد من نُحب إلى أن بعثرهم ومن ثم تركهم رهائن الفراش والقدر ولكن الموت كان الحل الأخير لينتهي العذاب الذي كنت تمر به. المشكلة أن المرض يؤلم صاحبَه وبدوره يجعلنا نحن عاجزين أمام ألمكم لا حول لنا ولا قوة غير العلاج والدعاء ووسط الدعاء ننتظر معجزة علّ وعسى تأتي.

 

إن هذه الأحاسيس تحرّك ما كان هاجعا من عاطفتي وكأنّها قوارع تطير لها القلوب. فقسوة الإحساس هذا قد صدّع العناد في داخلي ولنتُ ثم استسلمت. أيامٌ تمر رويدا رويدا، لحظات معها تعدو وتسابق سرعة الوقت وما زال الكلام ينزف وأمور كثيرة تتغيّر وتغيرنا. فالأفق المتلبّد بالسحب قد يتولد منه برق يضيء وهذا البرق قد يكون صعقَ ما تبقى.

 

أبي أيّها الوتين؛ لا أخدعُك وأنا بين يديك أكتب بجانب قبرك ولا أستطيع فعل ذلك. فلم تعلمني أن أكذب عليك أو أرواغ، أريد أن تعلم فعلا أنني أنزف من الداخل وكل شيء يدور بي، لا الأرض تحملني ولا السماء تريحُ داخلي. إن الذكريات لا تهوّن عليّ سفرك الأخير والنهائي بل ترعبني وتقهرني، في البداية، أي قبل عامين تذكُر حين كتبت عن الفقد؟ كتبت عن أختي رحمها اللّٰه، وجئتُ إليك وقلتُ لكَ ما كتبتُ، وحينها تحدثنا طويلا وهوّنت على قلبي وكنت مثل السلام ومرهمًا لجرحي. ماذا الآن؟ لم سأقرأ ومن سيفهم ما أمرُّ به؟.. لا أحد غيرك يفهم مروى.

 

حبيبي أبي؛ تألّمت من بعدك كثيرا وطلبت من اللّٰه أن يريحك من عذاب المرض، فاخترت الرفيق الأعلى ،ليتك صمدت أكثر، صارعت أكثر… علّك انتصرت

أبتِ يا حبيب قلبي؛ أتدري أنّك عظيم جدا، أجمل أب، أروع صديق. آن لي أن أُخبرك أن الأنثى بأبيها عاشقة إلا أنا بك مفتونة، لأنّك الوحيد على هذا الأرض تحمل قلبًا وروحًا لا يملكهما غيرك. لم يسبق لي أن جحدت هذا الكلام عنك وكنت تخبرني عن حبك لنا ولطالما أحببتُ الحبّ الذي جمعك مع أمي التي تذوق طعم المر بعدك رغم أننا نهون عليها المصيبة إلا أنها تذرف الدموع لأجلك، آن لي أن أنفّس عن شوقي الكبير هذا نحوك وأقول كلامي هذا عقدا نافذا لا لفظا فارغا "بابا"، وأكرّم روحك التي لا مثيل لها وتأكد أنني سأتخلى عن الهم والحزن من أجلنا جميعا لأنك ربيتنا على الفرح والوقوف رغم الكسر، لقد قلت لنا يوما "إذا كبر الحُب، صعُب الفُراق" وأنت تعلم جيدا أن الفراق طعمه مثل الحنظل ولكن الحب يخفف حدّة مذاق الفراق. فقد بات هذا الفراق مثل الكربة فوق قلبي لا يدعني أتنفس.

 

حبيبي أبي؛ تألّمت من بعدك كثيرا وطلبت من اللّٰه أن يريحك من عذاب المرض، فاخترت الرفيق الأعلى ،ليتك صمدت أكثر، صارعت أكثر… علّك انتصرت، ماذا أفعل بي، ها أنا اليوم أحن إليك حنينا لاذعًا، أريد عناقا منك لا ينتهي. ماذا أفعل بي، والشوق يأكلني من الداخل جدا وغصّ الكلام في داخلي ولم أنسَ يوم رحيلك عنا. ماذا أفعل قل لي أبي ولا تسكت؟ إني أمام امتحان شاقٍ، تيقظت عليه مشاعري، وشرعتُ أقلّبُ الماضي -على عجل- الذي كنا معا فيه ولكن ماذا تفعل صيحات الطيش إزاء الحقائق المكتسحة؟ لا شيء أفعل… لا شيء غير التذكر، لتمضي إذًا الأحزان في طريق اللاعودة إلى المرحلة الأخيرة، ومهما عضّنا فقر الألم بتائه.

 

أبي يا قلبي؛ أشكرك على الحب، الوفاء الذي زرعته فينا، لسنوات الكفاح من أجل راحتنا، لسهر الليالي، لتربيتنا التي لم تقصر فيها يوما. عن حبك الشديد لأمي، للنبل، للحرية التي تركتنا نمارسها، لأنك كنت صديقنا الذي تسمع مشاكلنا وأحاسيسنا دون أن تقحم نفسك بالقوة في اختياراتنا، شكرا من أعماق الأعماق؛ لأنك لم تكن ذاك الشيخ المتشدد على صفاره، بل تركتنا نختار مانريده ونتعلم من أخطائنا دون أن توبخنا وإن فعلت كان من أجلنا، شكرا يا روحي؛ على الأيام الحلوة التي جمعتنا، لتلك المشاعر التي سلمتها لنا، لعطفك ولأنك زرعت فينا القناعة والبساطة، لأنني بسببك أشبه نفسي كما أريد، لتلك الهدايا والكتب النادرة جدا التي قدمتها لي. لأنك علمتنا وزرعت فينا حب العلم والتفاني فيما نريد ولأنك أوصلتنا إلى أحلامنا ولم تسخر منا يومًا.

  

أبتِ الميتُ الحيُّ في داخلي وفي قلبي إلى أن تحترق النجوم ونلتقي، أقولها دوما لك الجنة يا شيخي ولي أنا نار الفراق في هذه الدنيا. أعتذر منك إذا اغضبتُك يوما، لو قصرت في حقك، لو تجاوزت حدي… أعتذر على عنادي وعلى الأيام التي فرقتنا فيها الدراسة ولم نجلس معًا كما السابق وإن قلّت الجلسات لكنها لم تنعدم فأنت الصدر الذي كان الوطن.

 

أبي؛ لن أنساك، سأبقى أتحدث عنك لكل من يدخل حياتي، سأبقى أحبك إلى أن أُقبض. لروحك السّلام ولتعلم أن روحي للأبد الخالد فداء لك. ستبقى حاضرا معي في كل نفس أتنفسه، ستبقى الصديق الوحيد ووطني المثالي، أبي؛ لتعلم أنك أكبر من الكلمات التي أكتبها الآن، أكبر من الأبجدية وأكبر من التعبير. لتعلم أنني الآن اجلس بجانب قبرك وقبر أختي وأحس بكما بقوة وأحس بالحنان يلتف حولي وأن ريح الجنة منبعث من تحت التراب الذي يغطي جسديكما الطاهرين، ليست النهاية أبي؛ فالبداية أنت وستبقى خالدا في قلبي لن تخرج منه إلا حين تخرج روحي لتلقاك عند رب واسع الرحمة. أحبك باسم الله الذي لا يموت يا "شيخي".



حول هذه القصة

كانت الأم طيبة رحيمة سمحة وعلى الفطرة، حملت هم الأولاد -مع الأب -وبذلت ما في وسعها من جهد لأجل راحتهم وتعليمهم، وضغطت على نفسها وراحتها حتى أصابها المرض مبكرا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة