الإنسان المهزوم

النازية، الفاشية، الصهيونية، الداعشية، وغيرها من الحركات الشمولية، تُعتبر ميكروبات فكرية تسبب ما أسميه أنفلونزا الأيديولوجيا، وهو بالفعل مرض فكري يصيب الإنسان فيجعله كائنا مشوها جاهزا لتدمير البشرية، ومن أعراض هذا المرض، الحماسة الزائدة وفقدان الاتزان العقلي، والمنطق والتفكير النقدي. وبالتالي تكون البشرية مهزومة أمام هذا المرض الفكري، لأنه سيخلف دمارا ورعبا على الكروة الأرضية، ويترك جماهير متحمسة مثل جماهير زومبي كما في فيلم WWZ. 
الأيديولوجيا كما في قاموس العلوم الاجتماعية "ناتج عن نسق فكري عام يفسر الطبيعة والمجتمع والفرد، وتطبق عليه بصفة دائمة" وأول من ابتكر هذا المصطلح هو الفيلسوف الفرنسي ديستوت دي تراسي Destutt De Tracy، ليشير إلى علم جديد اسمه علم الأفكار، إلا أنه سرعان ما اكتسبت الأيديولوجيا نفسها مفاهيم سلبية.

تطور مفهوم الأيديولوجيا بكونها أفكار صلبة نتيجة الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المعقد التي يعيشها المجتمع البشري، وبالتالي فهي محاولة في تفسير هذا الواقع المعقد واختزاله في قالب معين، ولهذا اكتسبت الأيديولوجيا شحنات عاطفية خطيرة، إذ إنها جمعت بين الفكرة والعاطفة من جهة وبين الحقيقة وتفسيرها من جهة أخرى، حيث تضعه في قالب واحد.

إن هدف الأيديولوجيا هو تحقيق السيطرة، لتحويل الأفراد إلى مؤيدين، من خلال إمدادهم بالمفاهيم والصور المترابطة التي تساعدهم في فهم العالم والظواهر المحيطة بهم. وعلاوة على ذلك فإن الأفكار الجاهزة المركبة يسهل اعتناقها، لأن الفكرة والعاطفة بينهما علاقة قوية، وهذا ما يجعل الأيديولوجيا مصطلحا معقدا بالفعل.

الأيديولوجيا تشوه الطبيعة البشرية، حيث تنتج بشرا همجيين، متحمسين إلى حد الهستيريا، مستعدين لتدمير الكرة الأرضية ومن فيها إذا سنحت لهم الفرصة. وخلال هذه الحماسة الهستيرية، يتم إعادة صياغة المفاهيم الأخلاقية والقيم، مما يؤثر في السلوك الاجتماعي للجماهير.

الفكر الإنساني بطبيعته نتج عن الشعور الأنطولوجي في فهم الواقع وسيطرته، لأن الإنسان لا يمكنه استيعاب هذا الكم الهائل من المعلومات المتجسدة في الطبيعة، لذلك يحاول تحويل الأشياء إلى مادة فكرية. وفي الواقع نحن كبشر هناك حد مفروض على تفكيرنا يمنعنا أن نكون كليّي العلم، ويجعل منا بصفة آلية كائنات اعتقادية، فعلاقتنا مع العالم تكون: إما اعتقادية وإما معرفية، لذلك فإن المعرفة غير متوفرة، وفي طبيعة الحال سنظل كائنات اعتقادية. في تلك الحالة تكتسب الأيديولوجيا بكونها نسق فكري، شحنات عاطفية حادة، حيث تخلق جماهير مثل جماهير زومبي، متحمسة لحد الهستيريا، يمكن لهم تدمير الكرة الأرضية.

الحماسة والشعور العاطفي التي تحملها الأفكار الأيديولوجية لا تقل خطورة عن أسلحة الدمار، لأنها تخلق سلوكا شرسا يسعى إلى تدمير البشرية كما حدث بالفعل أثناء الحرب العالمية الثانية. ولا تتوقف الأيديولوجيا عن تدمير الآخرين، بل تدمر المؤدلج بحد ذاته، لأن الإنسان عندما يؤذي أخاه الإنسان، فإنه بالفعل يؤذي نفسه من حيث لا يدرك. وكما هو مسطور في تاريخ الأيديولوجيا أنها تشوه الطبيعة البشرية، حيث تنتج بشرا همجيين، متحمسين لحد الهستيريا، مستعدين لتدمير الكرة الأرضية ومن فيها إذا سنحت لهم الفرصة. وخلال هذه الحماسة الهستيرية، يتم إعادة صياغة المفاهيم الأخلاقية والقيم، مما يؤثر في السلوك الاجتماعي للجماهير. فيتحول الشر إلى خير، والقتل والدمار إلى فعل نبيل، وبالتالي يفقد الإنسان الإنسانية، ويتحول إلى آلة قاتلة.

لكي نواجه معضلة الايديولوجيا ينبغى علينا أن ندعو إلى التفكير النسبي، الذي يترك مساحة معقولة بين الأفكار وبين الحقيقة، مما يقلل الحماسة والشعور العاطفي الحاد، لأننا لا ننكر أن كل فكرة تحمل عاطفتها، لذلك هناك فرق بين العاطفة الحادة التي تكونت بصورة صلبة، وبين تلك التي تكونت بصورة سائلة، لذلك يخلق التفكير النسبي عاطفة سائلة لا تحتكر الصواب والحقيقة ولا تتمركز في الذات، على عكس الأيديولوجيا التي تحتكر الحقيقة وتعظم الذات أكثر، لهذا من المستحيل هذه الفكرة أن تصنع إنسان سليماً.

إن مقولة الإمام الشافعي التي تقول "رأي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" تعتبر نهاية للتعصب الفكري، ولاسيما التحيز الأيديولوجي وعدم الانقياد إلى القوى اللاعقلية التي تدمر البشرية وتشوه الطبيعة الإنسانية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ألقيت قنبلة صوتية على مسجد وأطلق مجهولون النار باتجاه مسجد آخر اليوم في قرية المغار العربية داخل الخط الأخضر، وتشهد القرية توترا بين سكانها من المسلمين والدروز.

قضت محكمة أمن الدولة الأردنية اليوم بالأشغال الشاقة مدى الحياة على الجندي معارك التوايهة مطلق النار بحادثة الجفر التي قتل فيها العام الماضي ثلاثة عسكريين أميركيين.

الأكثر قراءة