عن البطولة المظلومة لأهالي مجزرة "دير ياسين"

blogs مجزرة دير ياسين

يوافق اليوم في الذكرى 69 مجزرة دير ياسين، التي حدثت في 9 نيسان (أبريل) 1948. القرية التي دخلت التاريخ في يوم إبادتها وتفريغها من أهلها. وستبدأ الكتابات والخطابات البكائية عن الوحشية الصهيونية ضد المواطنين العزّل. في تلك الليلة الشهيرة التي قيل أن عدد ضحاياها 254 شهيداً.  ولكن، يجهل الكثيرون، وكنتُ منهم، أن لدير ياسين صورة مقاومة مشرفة، تمثلت في القتال حتى نفاد الذخيرة، ورفض الاستسلام حتى تفجير البيوت على المقاتلين. إذا اكتسبت دير ياسين رمز الضحية، فإن ذلك لا يقل عن رمزيتها كمقاومة، إذ على الرغم من عنصر المفاجأة وعدم وصول نجدات إليهم، قاوم أهاليها بإمكاناتهم المحدودة جداً..

لم تكن مجزرة دير ياسين هي الأولى من سلسلة المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، فقد سبقتها إلى ذلك جرائم عديدة ومجازر وحشية أكبر، إلا أن هذه المجزرة تميزت بأن القرية قريبة من العاصمة القدس، ودخلها مندوبو الصليب الأحمر ونقلوا شهاداتهم على العالم، قبل إخفاء معالم الجريمة، وقد نقل المعتدون في مساء ذلك اليوم (الجمعة 9/4/1948) 150 أسيراً من الشيوخ والأطفال والنساء في شاحنات وطافوا بهم في "موكب نصر" في الأحياء اليهودية ثم ألقوا بهم على الحدود مع العرب. كما أن قادة المنظمتين عقدوا مؤتمراً صحافياً دعوا إليه ممثلي الصحف والإذاعات الأمريكية وتباهوا بنصرهم "العسكري". وقد ظهر الإحراج على قادة العدو، واضطروا إلى تكذيب اشتراك قواتهم في الهجوم.. غير أن البلماح والهاغاناه دمروا مئات القرى دون أن يعلنوا ذلك أو يفخروا به، وكانوا يفهمون اللعبة الإعلامية وشبكة العلاقات العامة وقنوات الضخ للرأي العام..

قبل هجوم المجزرة، صدّ حراس القرية أكثر من هجوم فردي. وشارك اثنا عشر رجلاً من القرية بمعركة القسطل، وجُرح أربعة منهم وهم يساعدون في حمل جثمان عبد القادر ووضعه في المصفحة التي حملته إلى القدس

الذخيرة
رغم ما كان بين مختار دير ياسين ومستعمرة جفعات شاؤول من اتفاق عدم اعتداء، إلا أن أهالي دير ياسين لم يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه المعارك المصيرية التي كانت تحدث في أنحاء فلسطين، وأحس وجهاء القرية بالخطر يقترب من منطقتهم فقرروا تشكيل لجنة طوارئ للدفاع عن القرية، وشملت تدابير الدفاع إرسال وفد إلى مصر لشراء السلاح من الصحراء الغربية من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وتدريب الشبان على استخدام السلاح، وإقامة الاستحكامات في المواقع الاستراتيجية في القرية، ونظام حراسة ليلية وتفتيش على الحراس.

وكان من أهم قرارات اللجنة حفر خندق يقطع الطريق الرئيسية إلى مستعمرة جفعات شاؤول لعرقلة تقدُّم المصفحات اليهودية، وكان عرض الخندق مترين وعمقه كذلك، وتم تمويه الخندق بالأغصان وتم تغطية الأغصان بطبقة ترابية.. وقام المشاركون في ثورة 1936-1939 بتدريب الشباب على استعمال السلاح.

وذهب الوفد إلى مصر، حاملاً معه 1000 جنيه فلسطيني (استرليني)، واتصل بالسماسرة واشترى عشر بنادق مع ذخيرتها، لكن الاستخبارات المصرية اعتقلته وصادرت السلاح والذخيرة. ثم أعيد الإفراج عنه ووصل إلى دير ياسين بطريقة ماراثونية (على الدواب)، ووصل سعر البندقية يومها إلى 55 جنيه (وهو ما يعادل راتب شهر لكبار موظفي حكومة الانتداب)، والمخزن المؤلف من خمس رصاصات بلغ 50 قرشاً (وهو ما يعادل أجرة يوم كامل للعامل العادي)، وقد تم جمع معظم المبلغ من تبرعات نساء القرية بالحليّ.

المقاومة
قبل هجوم المجزرة، صدّ حراس القرية أكثر من هجوم فردي. وشارك اثنا عشر رجلاً من القرية بمعركة القسطل، وجُرح أربعة منهم وهم يساعدون في حمل جثمان عبد القادر ووضعه في المصفحة التي حملته إلى القدس. ورغم أن الهجوم حصل في أثناء مشاركة مقاتلي القرية في جنازة القائد عبد القادر الحسيني في القدس، فقد شهدت أطراف القرية في لبلة المجزرة معارك عنيفة تنقلت من بيت لبيت، ودافع أهل القرية دفاعاً مشهوداً، وبدأ المهاجمون من عصابات الأرغون وشتيرن يتكبدون الخسائر الجسيمة، ويتراجعون.. وقد قُتل عدد كبير من المهاجمين، بينهم قائد الحملة الملقّب "يفتاح"، وتراجع المهاجمون أكثر من مرة عن أهدافهم بسبب المقاومة العنيفة ببنادق شخصية لدى أصحاب البيوت..

بيد أن المعركة كانت قد تحولت لمصلحة المهاجمين منذ تدخُّل البلماح (القوة الضاربة للهاغاناه)، وتزامن ذلك مع شحّ متزايد في الذخيرة لدى المدافعين حتى نفدت. وتكفي قصة مقاومة علي قاسم وحسن رضوان الذي خاض معركة على جبهة واحدة مع شراذم المهاجمين دامت المعركة من الشروق حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً. دون أن يتراجع شبراً واحداً. وانضم إليه عند السابعة جمعة زهران ثم خليل سمّور وثم عبد المجيد سمّور أخوه عبد الحميد.. وتستمر المعركة طوال النهار ويصدون المهاجمين أكثر من مرة حتى أدخلوا اليأس إلى قلوبهم.

حق لدير ياسين أن تخرج من قالب المجزرة السهلة إلى فضاء البطولة والمقاومة، ونقول كفى نواحاً على المجزرة، لأنها تستحق الاعتزاز أيضاً، وقد بكيناها 69 عاماً، دون أن نخلّد ذكرى الأبطال الذين دافعوا عنها

عدد القتلى
حول عدد القتلى شاع أنهم بلغوا 250 عربياً، منهم 25 امرأة حبلى بقرت بطونهنّ وهن على قيد الحياة برؤوس الحراب، و52 طفلاً قطعت أوصالهم أمام أمهاتهم وستون امرأة وفتاة أخرى. رغم اتفاق كل المصادر الشفوية والدولية والصهيونية وحتى العربية على أن عدد شهداء دير ياسين هم 254، إلا أن الإحصاء الميداني الذي توجه إلى الناجين من وجهاء القرية عدّ حوالي مائة قتيل و15 جريحاً. والحقيقة أن مصدر الرقم 254 هو موردخاي رعنان (الذي تحدث في المؤتمر الصحفي)، الذي قال لاحقاً أنه تقصّد تضخيم الرقم لإلقاء الرعب في قلوب العرب، وقد نجح في ذلك.

كفى نواحاً
يحق لدير ياسين أن تخرج من قالب المجزرة السهلة إلى فضاء البطولة والمقاومة، ونقول كفى نواحاً على المجزرة، لأنها تستحق الاعتزاز أيضاً، وقد بكيناها 69 عاماً، دون أن نخلّد ذكرى الأبطال الذين دافعوا عنها.. إن صورة دير ياسين يجب أن تتغير في وجداننا وفهمنا، ولا نبرّئ اليد الصهيونية من المجزرة وعقلية التطهير العرقي والمفاهيم العنصرية وخطط الترحيل القسري، فالمجزرة حصلت مع سبق الإصرار والتخطيط. ولكننا نظلم دير ياسين إذا لم نضئ على مقاومتها ونسجنها في زنزانة الضحية وندفنها في قبر المجزرة، وعلى مثل شهداء دير ياسين تبكي العيون والقلوب، فقد مات رجالها واقفين، ولم يذبحوا كالنعاج.