كنتُ في زيارةٍ لبيت صديق عزيز، أذّن المغرب، فدعاني للصلاة في مسجد الحيّ، صلينا في الصفّ الأوّل، ثم بقينا نتحدّث بعد الصلاة، كان كلامُنا عن الشيخ أحمد ياسين -رحمه الله-، التفت إلينا الإمام ذو اللحية المبعثرة والسحنة المتجهمة، كره أن يقول لنا: إنّه كان يسترقُ السمع لحديثنا بينما يتظاهرُ بالتسبيح! قال لنا: لقد وهبني الله عزّ وجلّ قدرةً سمعية خارقةً، وسمعتُ -دون قصدٍ- حديثكما، وأحبّ أن أعلّق على هذا الرجل الذي ذكرتموه، إنّ أحمد ياسين هذا الذي تعظمونه هو رجل فاسد العقيدة! قلت: أف! أحمد ياسين فاسد العقيدة! أجابني: نعم، إنه يقول: إن صراعنا مع "إسرائيل" صراع أرض، لا صراع عقيدة!
كنتُ صغيرًا ولم أفهم كلامه، لكنه دفعني إلى البحث والاستفسار، هل صراعنا مع الاحتلال صراع أرض أم صراع عقيدة؟! ما معنى هذا السؤال أصلًا! وما الذي يقوله الشيخ فعلًا. انطلقتُ في السؤال والبحث، حتى أجابني بعض الفضلاء، بسؤال لطيف، قال لي: هل نقاتل الصهاينة من أجل استرداد أرضنا التي سرقوها؟ أم من أجل أنهم يهود فنقاتلهم ليتحولوا إلى الإسلام! قلت له: إن شاء الله عمرهم ما أسلموا! إنما نقاتلهم دفاعًا عن أرضنا! قال: وهذا ما يقوله الشيخ ياسين! وهو الحق والمنطق والواقع!
ثمة فيديو مرئيّ للشيخ أحمد ياسين، لعله سُجّل في التسعينيات، يقول فيه بصراحة: نحن لا مشكلة لنا مع اليهود، لقد عاشوا بيننا زمنًا طويلًا، وكانت علاقتنا بهم طيبة جدًا، وبلغ بعضهم مناصب كبيرة في الدولة، ولم يكن بيننا وبينهم إلا كل خير، وما زلنا لا نكرههم لأنهم يهود، بل نتمنى لليهود ولكل الناس كل خير. مشكلتنا هي مع الذين سلبونا أرضنا، أخذوا بلادنا وطردونا، لو أنّ أخي ابن أمي وأبي، وعلى مثل ديني، أخذ بيتي وطردني منه أقاتله على حقي!
كان هذا كلام الشيخ رحمه الله، وهو مؤسس حماس، وأبوها الروحيّ، وواضع أساساتها الفكرية والمنهجية ومربّي أجيالها جيلًا فجيلا! كان الشيخ -رحمه الله- شيخ أبناء المقاومة الإسلامية جميعًا، لا أبناء حماس فقط، فمؤسسو الجهاد الإسلاميّ أيضًا من تلامذته، وعلى هذا تربّوا في محاضنهم الفكرية والتربوية: إنّنا أبناء الفلاحين الذين كانوا في غفلةٍ عن الدنيا كلّها، مشتغلين بأراضيهم ومزارعهم، منذ نحو سبعين سنة فقط، جاءهم غرباء فقالوا لهم: إننا وجدنا في كتبنا المقدّسة، أن أرضكم هذه لنا، وفي نسختنا من كتاب التاريخ، أن أجدادنا -في الديانة لا الدم- كانوا هنا قبل آلاف السنين، ثم قتلوا رجالنا وهجّروا نساءنا وصغارنا! نحن أبناء هؤلاء، ونريد أن نعود إلى مزارعنا حيثُ قتلوا وهجّروا!

كانت هذه رؤية الشيخ -رحمه الله- للصراع مع العدوّ، أما في المدافعة الداخليّة، فله حوارات كثيرة قد تجعله الأكثر تقدميّة لا بين الإسلاميين، بل ربّما بين القادة الفلسطينيين أو السياسيين العرب عمومًا، وهو الذي يعني ما يقول، ولا يتاجر بما يقول!
سئل ذات مرّة: ولكن الشعب الفلسطيني يريد دولة ديمقراطية.. وأنت لماذا تعانده؟ فأجاب: وأنا أيضاً أريد دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب، والســـلطة فيها لمن يفوز في الانتخابات! سؤال: لو فاز الحزب الشيوعي، فماذا سيكون موقفك؟ أجاب الشيخ: حتى ولو فاز الحزب الشيوعي فسأحترم رغبة الشعب الفلسطيني! سؤال: إذا ما تبين من الانتخابات أن الشعب الفلسطيني يريد دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب، فماذا سيكون موقفك حينئذٍ؟ فردّ الشيخ ياسين غاضباً: والله نحن شعب له كرامته وله حقوق، إذا ما أعرب الشعب الفلسطيني عن رفضه للدولة الإسلامية، فأنا أحترم وأقدس رغبته وإرادته! فمن من الساسة العرب يقول هذه الكلمة، ويستعدّ أن يسلم زمام البلاد لخصومه الأيديولوجيين، وفوق ذلك يكون بالصدق الذي عُرف به أحمد ياسين!
يُفترض بهذه المواقف التي ذكرت عن الشيخ، وتسببت في تكفيره من قبل بعض الجهاديين، أن تكون عمدةً في بيان رؤية حركات المقاومة الإسلامية الفلسطينية لطبيعة الصراع، ولطريقة التدافع المثلى عندها في استحقاق الشرعية وتمثيل الشعب وقيادته، لكن أكثر من كتبوا عن القضية وأسلمتها أغفلوا هذه المواقف، رغم أن بعضها محفوظ بالصوت والصورة، لأنّهم لا يريدون أن يعرفوا الموقف الحقيقيّ لحركات المقاومة الإسلامية في فلسطين، بقدر ما يريدون ترديد وهم كاذبٍ عن أسلمة القضية، ثم اتخاذ ذلك الوهم سبيلًا للتخلّي عنها، وتشويهها والتخذيل عن نصرتها، وتحميل مسئولية ذلك لطرفٍ فلسطينيّ، ليقال: لوموا أنفسكم أيها الفلسطينيون ولا تلومونا!
ورغم أن مواقف الشيخ الواضحة، كافيةٌ في الردّ على هذا الزعم المتخاذل، فإنّ الإنصاف يقتضي أن لا نغفل البُعد الدينيّ للصراع، والذي لا يعيبه ولا ينقص منه، ولا يصلحُ سُبّةً ترفع في وجوه أبنائه. إنّ فلسطين لها قيمةٌ كبيرةٌ في الإسلام، الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، وجعلها موطن الأنبياء الذين يعظمهم كلّ مسلم، ومسرى محمّد صلى الله عليه وسلم، وقبلته الأولى التي صلى إليها أكثر مما صلّى إلى مكة، فهل ندفنُ عقائدنا وتاريخنا وتراثنا في التراب حتى يرتاح مجاذيب الإسلاموفوبيا وكارهو رائحة الدين!

بل إنّ إلغاء البُعد الإسلاميّ وتضييعه هو أكبرُ إضرارٍ بالقضية الفلسطينية، وإنّ غير العرب من المسلمين لأكثر حماسةً من كثيرٍ من العرب، فبالله عليكم ما الذي يربط الترك والفرس والماليز والهنود والباكستان والإندونيسيين، وكثير من الأفارقة بفلسطين وقضيتها سوى الإسلام الذي يجمعهم بأهلها، والمسجد الأقصى الذي دعاهم نبيهم لشدّ الرحال إليه، وإسراج قناديله! بل حتى أكثر العرب لا ينفكون يرتبطون بفلسطين من جهة القدس والأقصى، لا من جهة مظلومية أهلها فحسب، وخاصة أهلنا في المغرب العربيّ، أتراهم نسوا ما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من أخبار تقديس الحجّ (أي: المرور على القدس بعد الحجّ)، وكان عندهم كالفرض لشدة حرصهم عليه، ونسوا أحياءهم ومدافن شهدائهم في الحروب الصليبية.
ويحضر الدين ثانيةً في التعبئة المعنوية للجنود والجماهير، فهل يُعاب على مقاتلٍ أن يجعل المصحف رفيقه في معركته، أو أن يمنّي نفسه بركعتين في المسجد الأقصى، وهذه أمم الأرض كلها يعلّق جنودها في رقابهم صُلبانها أو معبودها أيًّا كان قبيل المعركة، بل إنّ عدوّنا نفسه لا يسمّي حروبه الظالمة إلا بأسماء توراتية مثل "عمود السحاب"، و"الجرف الصامد"، بل قد سمّى دولته "إسرائيل"، وبرلمانه "الكنيست" بغير نكيرٍ من أحد!

لا عيب في التعبئة الدينية للجند، بل هي رأس مالهم إذا حمي الرصاص فوق رؤوسهم، إنما العيبُ فيما يفعله العدوّ من احتلال وإجرام، ثم إلباسه لباس الدين، العيبُ في فتاوى الحاخامات بإباحة دماء الأطفال والنساء، بل والتصريح بجواز اغتصاب نساء العدوّ في الحرب! وفي وصفهم العرب بالصراصير والجرذان، ثم لا تجدُ هذه التصريحات من هؤلاء الذين يدّعون على فلسطين ومقاومتها حرف الصراع أدنى نظرٍ ولا اهتمام، بل يسارعون في التطبيع مع هؤلاء الذين وصفوهم -من منطلق ديني صرف- بأقذع الأوصاف!
تصاعدت في الآونة الأخيرة ادعاءات تنالُ من القضية الفلسطينية، بدعوى تحوّلها إلى قضية دينية على يد حركات المقاومة الإسلامية! الحقيقة أن الفلسطينيين ملّوا أكاذيبَ الخونة والمطبّعين، سئموا من فرية "بيعهم أراضيهم لليهود"، وليسوا في سعةٍ لقبول كذبةٍ جديدةٍ، مثل "أسلمة الصراع"! بل يقولون بملء الفم لعرب الخيانة والتطبيع: إن شئتم خونوا وطبّعوا! لكن دعوكم منّا، لا تفتروا علينا لتبرروا ما تصنعون!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

