لا أريد أن أقدم طرحا عاطفيا يستدعي مشاعر الشفقة نحو القطاعات الأفقر والأكثر احتياجا في المجتمع المصري، كما أنني لا أريد أن أقدم صورة وردية رومانسية يوتوبية عن عالم العشوائي والمهمش في عمران مصر.
ولذا يبقى محور تركيزي، هو مدى إمكانية استيعاب العشوائي كقيمة يمكن تحليلها والتعلم منها. ونتساءل: هل كل ما تقدمه الجماعة الإنسأنية الشعبية سلبي فوضوي غير قانوني؟ وعلى الجانب الآخر، ألا يقدم الرسمي أطروحات عشوائية بامتياز؟
لا يقف ارتباك مشهد فهم معنى وقيمة العشوائية في عمران وحياة المجتمع المصري عند ممارسات محددة، ولكن يمتد إلى مشروعات كبرى مثل أهمية الاحتياج إلى عاصمة جديدة أو مشروع تطوير مثلث ماسبيرو الذي عقد من أجله مسابقة تخطيطية عالمية. ولذا تأتي أهمية رصد واختبار ما يمكن وصفه بالملامح العشوائية الشعبوية الإيجابية وبالملامح العشوائية الرسمية السلبية.
| الكباري المعدنية عفوية التصميم، بدائية التصنيع، ذاتية التمويل والمخالفة في نظر الحي، هي الوسيلة الوحيدة لربط مجتمع إنساني مصري مهمش ومنسي. |
وقد يكون من الملائم أن نعيد تعريف أبعاد علاقتنا كمجتمع بما يوصف بالعشوائي. ومن خلال إعادة تعريف وفهم هذه العلاقة، لا يرفض العشوائي كل الرفض ولا يقبل كل القبول، ولكن المهم ألا يتحول إلى لعبة أو موضة أو أداة للتهكم. ودفع نحو مزيد من العزلة والتهميش للفقير والعفوي والتلقائي بل والإيجابي في خلق حلول لمشاكل تجاهلتها الحكومات أو أفلست في تقديم حلول لها.
المشهد المعاصر
يمكن رصد ملامح عشوائية في التفكير أو القرار التنفيذي الرسمي كما يرصد فعل إيجابي لا رسمي في عدة مستويات أبرزها ثلاث يركز عليهم المقال. وهذه المستويات تبدأ من رصد ما يمكن أن يسمى "العشوائية الرسمية" ثم "عشوائية العقل والانتقاء" مبلورة في أطروحات استشاريين عالميين، وأخيرا "العشوائية الإيجابية" التي تطرحها الجماعات الإنسانية المهمشة الخارجة عن الإطار الفكري والتنموي للدولة.
ملامح العشوائية الرسمية
نعني بالعشوائية الرسمية نوعية الأفعال والتوجهات التي يصعب تفسير منطقها، كما يصعب تتبع مراحل اتخاذ قرارات لتفعيلها. تبرز في الخمس سنوات الأخيرة حالة ميدان التحرير، ومحيطه الأكبر للدلالة على حالة عشوائية رسمية بامتياز.
لاحظ بداية عشوائية وسذاجة التعامل مع ميدان التحرير وخاصة فراغه الأوسط عندما بني على عجل ما سمي بالنصب التذكاري لشهداء 25 يناير و 30 يونيو. تصميم ساذج وسطحي التعبير ينفذ في ساعات وعندما ينقد من أهالي الشهداء وخبراء العمران وتنسيق المواقع، تفسره المحافظة بأنه ليس نصبا تذكاريا ولكنه حجر أساس لنا سيكون لاحقا نصبا تذكاريا.
ننتقل من دائرة الميدان إلى محيطه العمراني، تأمل هدم مبنى المقر القديم للحزب الوطني دون تحديد رؤية واضحة لأسباب الهدم أو ما سيتم عمله في موقع المقر بعد هدمه. ثم هدم أحد أهم مباني الجامعة الامريكية وهدم السور الخارجي للجامعة المطل على الميدان بتوثيقه الجرافيكي لشهداء ثورة 25 يناير.
تأمل أيضا دعوة محافظ القاهرة في بداية يناير 2016 لإخلاء مجمع التحرير، وكذلك لاحظ ضمور دور مسجد عمر مكرم والموت الكامل لمسابقة تطوير الميدان التي تبلورت بعد الثورة. كل هذه المشاهد توثق غموض وعشوائية مصير الميدان وسياقه العمراني.
ملامح العشوائية الاستشارية: عشوائية العقل والانتقاء
مسابقة ماسبيرو: توابل عشوائية معمارية
نلمح في سردية هذا المشروع ملمحين جديرين بالطرح، الأول وتظهر فيه بوضوح معاني أعلى درجات العشوائية الرسمية عندما يتقدم وزير الإسكان المصري بتصريح غير قابل للتحقيق يعد فيه بأن التطوير الجديد للمنطقة لن يضر ولو حتى مواطن واحد.
في الوقت ذاته فإن المكاتب الاستشارية اشتركت بصورة واعية أو لا واعية في تقديم تصورات معمارية وعمرانية تستغل فيها البعد الإنساني للمواطن المصري البسيط المهمش بصورة هزلية أو ساخرة أو سطحية، وهذا هو الملمح الثأني الجدير بالنقاش.
تأمل مثلا تصورات نورمان فوستر والتي استخدمت فيها صورة لمصري من أصول ريفية بجلبابه البسيط، وهو يعد الشاي على سطح أحد الأبنية التي يقترحها الاستشاري. أو تأمل طرح راسم بدران الذي صاغ غابة من الأعمدة الخرسانية والطوب الأحمر المكشوف وكأنه يردد ما يرتكب من جرائم حول القاهرة تغتال جمالها وإنسانيتها.
طرح نقدي من بدران ولكنه سطحي لأنه لا يمكن أن نقدم نقدا تحذيرا من خلال طرح معماري عمراني هزلي دون أن نعي أن هذا المشروع يؤثر في حياة عشرات بل مئات الألوف. لا يمكن أن نستخدم حياة الألوف في تجربة نقدية تشكيلية. العقل الواعي الناقد يفرق بعمق ما بين سياقات النقد التنظيري وبين سياقات التطبيق والتنفيذ لمشروعات حقيقية تبقى في النسيج العمراني والاجتماعي والبصري والاقتصادي للمدينة لعقود طويلة.
ملامح العشوائية الإيجابية
من لحظة امتلاك الشعب المصري لميدان التحرير في ثورة 25 يناير، تولدت حالة فريدة في العلاقة بين المجتمع والفراغ العمراني والاحتياج الإنساني. هذا التداخل أنتج مجموعة من الإنساق العمرانية الاجتماعية اللارسمية الفريدة التي أثرت الحياة، وعوضت الناس عن عقود من التهميش.
تأمل مثلا حلقات الشاي على كباري مصر التي تطورت إلى جلسات متكاملة تعوض المصريين عن فقد الفراغ العام من منظومة المدينة العمرانية والإنسانية. نرصد أيضا جاليريهات الحوائط التي تستوعب إبداعات فنانين متواضعين لا تتسع صالات العرض الأنيقة في المتاحف لمثل هؤلاء أو لأعمالهم.
| ترحيل بعض المصريين من مكان وجودهم لعقود، يمزق النسيج البشري، ويؤكد غياب مفاهيم العدالة ويخلق بيئة خصبة للحقد بل والإرهاب. |
تأمل تجمعات تجار الشوارع وأصحاب عربات المأكولات لخلق أسواق صغيرة مفعمة بالحياة تستجيب بأجوائها وأسعارها لقطاع كبير من المجتمع لا ينتمي للكافيه أو للمول. ونتوقف أمام الوصلات الحياتية مثل الكباري المعدنية التي شارك المجتمع في تمويلها وبنائها حتى يتمكن الأهالي من العبور إلى الأحياء السكنية المهمشة التي نمت على أطراف الطرق الدائرية.
تأمل هذا الفعل الذي نسميه عشوائي ولكنه في الواقع يعبر عن احتياج مجتمعي. هذه الكباري المعدنية عفوية التصميم، بدائية التصنيع، ذاتية التمويل والمخالفة في نظر الحي والمحافظة، هي الوسيلة الوحيدة لربط مجتمع إنساني مصري مهمش ومنسي مع محاور الحركة التي سيجد عليها وسائل المواصلات اللارسمية التي ستذهب به إلى مقر عمله أو دراسته.
يبدو أن التعامل مع المناطق المهمشة لا يمكن أن ينجح من خلال اتباع نفس منهجية وميكانيكية التعامل مع مناطق التطوير العقاري المتكررة. إن ما وثق من خلال تجارب أمريكا اللاتينية أو جنوب إفريقيا يبلور أهمية وجود مدخل مبتكر لا يعتمد على فوقية الدولة والاستشاري وتعاليهم وأنفصالهم عن المجتمع المحلي.
لقد ثبت أن المسابقات المعمارية والعمرانية لا تصلح بسبب قصور علاقتها مع المجتمع في بلورة حلول عادلة. لقد ثبت أن المدخل الأفضل إذا كان هناك حرص حقيقي على المجتمع، يعتمد على المشاركة الكاملة ومصداقية الحرص على استمرار المجتمع في نطاقه وبيئته ونسيجه المكاني.
إن ترحيل بعض المصريين من مكان وجودهم لعقود، يمزق النسيج البشري والعاطفي والمجتمعي ولا يعوضه صرف تعويضات الحكومة الهزيلة، بل إنه يؤكد غياب مفاهيم العدالة في العمران ويخلق بيئة خصبة للحقد بل والإرهاب.
لن تقدم صورة الفلاح الذي يعد الشاي على سطح عمارة في رسومات نورمان فوستر أو حوائط الطوب الأحمر في مجسمات راسم بدران عزاءا للألاف بل الملايين الذين سندفعهم دفعا إلى أطراف الصحراء يهيمون على وجوههم في أشباه أماكن وأشباه مجتمعات وأشباه حياة ثم نلومهم ونعاقبهم حضوريا وغيابيا على حقدهم وعدوانيتهم وتطرفهم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

