مات كاسترو على فراشه كما يموت البعيــر، سيحتفظ الرجل بمكانة خاصة بين الشخصيات الأكثر جـدلاً في التاريخ الحديث؛ إبن مهاجـر إسباني ولد في مزرعــة لقصب السكر، يصبح محاميًا ثم يدخل في مقارعة النظام العسكري فينتهي به الأمر في السجن لسنوات، ويخرج بعدها ليستانف مشاكسته ويقـود حركة مسلحة تمكنــه من السيطرة على كــوبا عام 1959.
لسنا هنا بصدد سرد تاريخي لهـذه الأيقونة الثورية، ولكن نحاول معالجة بعض البصمات التاريخية التي تركها الرجل على شعبـه وغيره من الشعوب التي عاصرته. فشخصية كاسترو الجدلية تجــاوز صداها جغرافيا وتاريخيا حدود تلك الجزيرة الكاريبية الصغيرة حيث استطاع بخطاباته الملهمــة التأثير على قادة دول أخرى ونجح بشكل أو بآخـر في إحداث انعطفات تاريخية لعدة دول في مختلف أنحاء العالم، فماهــي خلاصة ماحققــه كاســــترو بعــد خمسة عقود من "الثـــــورة" ؟
حياة كاســترو المثيرة للجدل يمكن تلخيصهـا في ثلاث محاور جـوهرية وهي: محاربة الإمبريالية والهيمنة الأمريكية، ومبدأ تصدير الثورات ونصرة المستضعفين، وأخيرًا دور القـــائد الأب لشعبه.
| كــاسترو لم يكن سوى زعيمـا ملهمـا لظاهـــرة تاريخية سرقت من الشعوب عقـودا من عمرهــا وغامرت بمصيرها وثرواتها تحت شعارات محاربة الإمبريالية |
محاربة الإمبريالية تمثلت في علاقته المشحونة مع أمريكا والتي بلغت ذروتها في فضيحة خليج الخنازير حيث فشلت محاولة أمريكية عسكرية للإطاحة به مامنحه نصرًا معنويًا ليعلن كاسترو حربه ضد الإمبريالية وولائه الشيوعي.
إلا أنه وفي نهاية المطاف لم يدمر كاسـترو أمريكا بصواريخ نووية روسية كما كان يحلم، ولم يرم الولايات المتحــدة في قعر التاريخ، بل إن كاسترو لم يمثل لأمريكا سوى صداع مزمن تم التعايش معه ففرضت عليه حصارًا، مطبقًا فصارت كوبـا بمثابة تذكار يمثل حقبة الشيوعية على سواحلها الجنوبية.
أما من دفع الثمن فهــو الشعب الكوبي، فبعد حوالي نصف قرن من مقارعة الولايات المتحدة ونجاحه في الإفلات من محاولاتها الاستخباراتية للإطاحة به أو اغتياله، رحل كاسترو تاركـًا وراءه دولة صغيرة فقيرة على مرمى حجر من أغنى دول العالم وأكثرها تقدمًــا.
ما بالنسبة للـروس، فلم يكن كاستـرو سوى ورقــة ضغط ومساومة في حربها الباردة مع أمريكــا كما تبين عدة مرات حيث خذله الروس من وراء الكواليس في صفقات مباشرة مع الأمريكيين كما حدث في أزمة نشر الصواريخ النووية، كما تخلوا عنه اقتصادياً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات.
كاسترو نصب نفسه وصية على المستضعفين في العالم، ومن أمثلة ذلك دعمه للثورات وحركات التمرد في أمريكا الجنوبية وأفريقيا، وتعاطفه مع الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الاسرائيلي. ودعم الثورة الجزائرية ثم دعم جنرالات الجزائر في أزمة الصحراء االغربية.كما حاول قيادة كتلة ثالثة متمثلة في دول عدم الانحياز باعتبارها خطًا مستقلًا عن المعسكرين الشرقي والغربي.
كاسترو وإن بــدا مناصرًا لقضايا الشعوب والأقليات في صراعها نحو التحرر، إلا أن منهجه الدوغمائي المعادي للإمبريالية وتطرفه المناصر للفكر الشيوعي أضفى نوعـًا من الشك حول صدق نواياه وإيمانه بقضايا تلك الشعوب. فلم يكن سوى مخلبـًا للشيوعية يحاول نشرها بين شعوب العالم المستضعفة باسم تحرير الشعوب، كما أن جيل الثورات التي روج لهـا ودعمها كاسترو لم تكن سوى انقلابات عسكرية عنيفة تنتهي بتنصيب حكام شموليين أو دعمهم.
لاشك أنه كانت لشخصية كاسترو خصائص ملهمــة لغيره من الشخصيات التي عاصرته، فلازلت أتذكر جـيدًا عندما زار كاسترو ليبيــا للمرة الأولى عام 1976 في فترة عاصرت حركت تململ شعبي و ثورة طلابية ضد القـذافي، فقام القذافي بقمعها دمــويًا في عمليات الإعدامات الجماعية في الشوارع ولأول مـرة، ويقال إن كاستـرو كان من أوحى للقـذافي بالفكرة كأساس هام لإحكام قبضته على الحكم وقيادة الشعب الذي لايعرف مصلحته.
رغم نمطه الثوري إلا أن كاسترو تقمص دور الأب فعامل شعبــه وكأنه بضع ركاب في قاطرته الخلفيــة يقودهم حيث يشـاء، ويسلك لهم طرق يختارها حسب مايمليه عليه مزاجه وفكــره، فجعل من كوبــا حقل تجارب كبيــر يمارس عليه سياساته وإيديولوجياته ونزواته المتقلبة.
| النزوات الثــورية الملتهبــة عـادة ما تنتهي بشعوب تتضور جوعًــا وفقرًا بعد رحيــل أولئـــك القــادة |
كان كاسترو أخر قناديل الشيوعية التي أوقدت بـزيت ماركسي أصيل، فقد كان عاشقًا للشيوعية أكثر من الشيوعيين أنفسهم، بل أنه تمسك بها حتى بعد أن سقطت في عقر دارها في تسعينيات القرن الماضي. صِدْق كاسترو في ولائه للنظرية الماركسية جعل منها منهجًا مقدسًا يجب على الكوبيين اعتناقه.
ورغم أنه نجح في توفيــر عناية صحية ونظام تعليم فعالين لكل المواطنين الكوبيين، حيث تقل نسبة الأمية عن %2، إلا أن سياسة الشخص الواحـد والحزب الواحـد أنتجت شعبًا فقيـرًا محتاجًا ومعزولًا عن العالــــم. فحربه المستمرة ضد قوى الإمبريالية حتمت على الكوبيين دفع ثمنهـا بالالتفاف حـوله وربط الأحزمة على بطونهم لكي يهزم كاسترو أعدائه كلاميــًا وهـو يدخن سيجاره.
كــاسترو لم يكن سوى زعيمـا ملهمـا لظاهـــرة تاريخية سرقت من الشعوب عقـودا من عمرهــا وغامرت بمصيرها وثرواتها تحت شعارات محاربة الإمبريالية وراهنت على الجواد السوفياتي الخاسر فشحنت شعوبها وعبأتهــا بخطب رنانة لمعركـــة لم يكن في نيَّتِهـا ولا في إمكانهــا أن تخوضهــا.
ظاهرة "القــائد الثائر" التي جسدها كاسترو وتقمصها من بعده عبدالناصر، والأسد والقـذافي وتشافيز وغيرهم خلصـــت إلى نتيجة واحــدة، هي أن هـذه النزوات الثــورية الملتهبــة عـادة ما تنتهي بشعوب تتضور جوعًــا وفقرًا بعد رحيــل أولئـــك القــادة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

