كتابنا لهذا الأسبوع هو رواية اسم الوردة أو "Il Nome Della Rosa" للفيلسوف والروائي والباحث التاريخي الإيطالي أمبرتو إيكو، والتي يعتبرها كثيرون -نقادا كانوا أو قراء- واحدة من أفضل الأعمال الروائية التي تركت بصمتها في أدب القرن العشرين، صدرت لأول مرة عام 1980 وترجمها للعربية أحمد الصمعي.
| أحدثت رواية "اسم الوردة" ضجة كبيرة فور صدورها في بداية الثمانينات، وترجمت لأزيد من 40 لغة، وكتب عنها ما لا يعد ولا يحصى من المقالات والدراسات النقدية. |
هذه الرواية هي الثالثة في سلسلة قراءاتي لعدد من الأعمال الروائية التي اعتمدت تقنية المخطوطة في حبكتها، بدأتها بعزازيل ليوسف زيدان، وأتبعتها بتغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية لعبد الرحيم لحبيبي -قد أتحدث عنهما في تدوينات قادمة-، وتنتظرني النبطي لزيدان نفسه، وربما أعمال أخرى..
تدور أحداث هذه الرواية داخل دير مسيحي إيطالي سنة 1327، حيث ترتكب سلسلة من الجرائم الغامضة يذهب ضحيتها عدد من الرهبان، وكل هذه الجرائم لها علاقة وثيقة بمكتبة الدير، فيتولى راهب فرانسيسكاني يدعى غوليالمو دي باسكرفيل رفقة تلميذه أدسو دي مالك (الراوي وكاتب المذكرات) مهمة التحقيق في هذه الجرائم، اعتمادا على ثقافته الواسعة وذكائه الحاد للتوصل في النهاية إلى القاتل الحقيقي.
أحدثت هذه الرواية ضجة كبيرة فور صدورها في بداية الثمانينات، وترجمت لأزيد من 40 لغة، وكتب عنها ما لا يعد ولا يحصى من المقالات والدراسات النقدية التي حاولت تشريح وفهم الأبعاد الحقيقية للعمل، فقد أبدع عالم السيميائيات المعروف أمبرتو إيكو في روايته الأولى هذه، وصنع مزيجا بوليسيا تاريخيا فلسفيا قلما تمكنت روايات أخرى من تحقيقه، فهذا العمل المميز زاخر بالنقاشات الفلسفية العميقة التي يستلزم فهمها بشكل واضح إعادة قراءتها مرات ومرات، وتتناول حقيقة الوجود الإنساني وخبايا النفس البشرية في أبرز تجلياتها، وطبيعة الصراع المحتدم بين الطوائف المسيحية المتقاتلة واتهام كل واحدة منها للأخرى بالهرطقة، وأيضا العلاقة المعقدة للسلطة الحاكمة برجال الدين، والتي تتراوح بين العداوة والتحالف حسب ما تقتضيه المصلحة السياسية، بالإضافة طبعا إلى التشويق البوليسي المرتبط بفك الرموز الغامضة المحيطة بمكتبة الدير وما ستكشفه من أسرار رهيبة عن حياة الرهبان والعلاقات المتشابكة بينهم.
الجميل في هذا العمل هو روحه التي لا تلتزم بمكان أو زمان معين، فالدير وسنة 1327 مجرد إطارات يمكن اعتبارها وهمية وخطوطها تتجاوز الحدود الزمكانية، وأي قارئ في هذا العالم مهما اختلفت الأجناس والديانات والمعتقدات سيجد أن هذه الرواية تخاطب جزءا من وجدانه وسيجزم بأنها إسقاط دقيق على حالته هو، وهذا ما جعل الآراء تختلف حول اسم الوردة، فعندما صدرت وأحدثت تلك الضجة في بداية الثمانينات جزم الإيطاليون بأنها إسقاط على الحالة السياسية في بلادهم.
فيما اعتبر الإيرلنديون أنها ترمز للصراع المحتدم آنذاك بين الكاثوليك والبروتيستانت وعلاقته بالتدخل البريطاني في بلادهم، وأكد الألمان على أنها تحاكي واقعهم المنقسم بين المعسكرين الشرقي والغربي قبل سقوط جدار برلين وتوحيد شطري البلاد فيما بعد، كما أدلى العرب بدلوهم في الموضوع معتبرين أن هذه الرواية تجسد حالة التشرذم التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط والتوظيف السياسي الخطير للانقسام الطائفي بين الشيعة والسنة، وعموما فقد تناسى الجميع بأن هذه الرواية ببساطة شديدة لا تخاطب سوى: الإنسان! كيفما كان جنسه أو معتقده أو طائفته..
| الرواية كانت ومازالت في نظري مزيجا محكما بين المتعة والإفادة، إن تم تجاهل أحدهما اختل توازن العمل ككل وفقد بعضا من روحه. |
لا أتفق مع الرأي القائل بأن يوسف زيدان قد "سرق" اسم الوردة عند كتابته لعزازيل، فهذا مبالغ فيه في نظري، وزيدان له مكانته وتميزه الواضح في مشروعه الأدبي، لكن أوجه التشابه بين عزازيل واسم الوردة واضحة في بعض النقاط، وأهمها استخدام تقنية المخطوطة، والتطرق لموضوع الصراعات بين الكنائس والطوائف المسيحية، وعلاقتها بالدولة، رغم اختلاف الحقب التاريخية المعالجة، ويكمن الإختلاف في توظيف زيدان للغة الراقية الجميلة، واعتماد إيكو على التشويق البوليسي والإبداع في فك الرموز والعرض التاريخي وبعض التفاصيل الأخرى.
بالإضافة لكل ما سبق، فقد أحببت هذه الرواية لأنني أصلا من عشاق الرواية التاريخية، كما أنني من أنصار ما يمكن تسميتها بالرواية "المعلوماتية" التي تحدثت عنها في تدوينة سابقة، وأقصد بها الرواية التي تقدم لك إلى جانب حبكتها المتقنة ولغتها الجميلة رصيدا معرفيا مهما، تاريخيا كان أو علميا أو طبيا أو دينيا، فالرواية كانت ومازالت في نظري مزيجا محكما بين المتعة والإفادة، إن تم تجاهل أحدهما اختل توازن العمل ككل وفقد بعضا من روحه، وقد أثبتت اسم الوردة تفوقها في هذا الصدد عن جدارة واستحقاق.
تجدر الإشارة إلى أن الرواية قد تحولت إلى فيلم سينمائي من إنتاج عام 1986 وبطولة الممثل البريطاني المعروف شون كونري بطل سلسلة أفلام جيمس بوند الشهيرة في بداياتها.
نقطة أخيرة تتعلق بالنفس الطويل، يقول إيكو عن هذه النوعية من الأعمال الروائية أنها تتطلب صبرا من نوع خاص لأنها ليست سهلة الهضم، ولا تصلح بالتالي للقراء المبتدئين، وشبه الأمور بصعود الجبل والمشاق المرافقة له، وعليه فنصيحتي لمن يعتزم قراءة هذه الرواية أن يكون صبورا على صعوبة بعض حواراتها الفلسفية العميقة، وأن يبدأ القراءة بإعادة رسم لخريطة الدير المرفقة بالكتاب حتى يضع نفسه في الصورة الكاملة للوصف، وأن يدون أسماء الأبطال الرئيسيين حتى لا يتوه بين مختلف الشخصيات التي غص بها العمل إلى جانب البطلين الرئيسيين غوليالمو دي باسكرفيل وأدسو دي مالك.
هي إذن رواية ضخمة وعميقة تعتبر من بين أهم ما كتب في جنس الرواية في القرن العشرين، ولا داعي للقول بأنها تستحق مكانتها المتميزة في مكتبة كل قارئ مخضرم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

