للقصة بقية 

غزة وجنين وسوريا واليمن.. جروح نفسية لا تنتهي بانتهاء القصف

تلاحق آثار الحروب والصدمات النفسية الناجين في مناطق عدة من الشرق الأوسط، حيث لا تنتهي المعاناة بالنجاة من القصف أو فقدان المنازل والأحبة، بل تستمر في صورة ذكريات مؤلمة وخوف متكرر واضطرابات نفسية.

وسلط برنامج "للقصة بقية" على الجزيرة، بتاريخ (2026/10/26)، الضوء على هذه التداعيات، مستعرضا شهادات من غزة وجنين وسوريا، وآراء مختصين بشأن أعراض اضطراب كرب ما بعد الصدمة وسبل العلاج ومخاطر امتداد آثاره إلى الأجيال المقبلة.

وعرض تقرير خلال البرنامج قصة الطفلة الفلسطينية لانا، التي تغير لون جزء من شعرها للون الأبيض، عقب تعرضها لصدمة خلال قصف منزل مجاور للمكان الذي كانت تنام فيه. وتقول إنها تستيقظ على أصوات الطائرات والقصف، وتستعيد مشاهد الدمار كلما رأت البيوت المقصوفة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ولم تقتصر معاناتها على الخوف، إذ تعرضت للتنمر من أقرانها الذين ينادونها بالعجوز ويرفضون اللعب معها، ما دفعها إلى الانطواء والتوقف عن الذهاب إلى المدرسة في مخيم النزوح. وأصبحت كل آمالها أن تسافر للعلاج ثم تعود للعب مع أقرانها كما كانت سابقا.

كما تناول التقرير قصة دلال، وهي أم فلسطينية فقدت منزلها وابنها بعد اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي منزلها في مخيم جنين وهدمه. وقالت إنها تعيش في ذكريات المخيم وحياتها السابقة، وإن فقدان ابنها أفقدها الشعور بمعنى الحياة. وترى أن خسارة المنزل لا تعني فقدان المأوى فحسب، بل أيضا التفاصيل والعلاقات والذكريات المرتبطة به.

وتطرّق التقرير إلى ناجين من الحرب السورية، لا تزال مشاهد القصف وفقدان الأصدقاء وإصابة أفراد الأسرة تطاردهم. وأشار إلى دراسة نُشرت عام 2025 أظهرت أعراض اضطراب ما بعد الصدمة لدى 53.5% من المشاركين في غزة، فيما بلغت النسبة 63.6% في دراسة شملت 7 مخيمات للاجئين بالضفة الغربية.

اضطراب ما بعد الصدمة.. معاناة غير مرئية

وبحسب مختصين تحدثوا لـ"القصة بقية" فإن اضطراب كرب ما بعد الصدمة قد ينشأ بعد التعرض لحدث صادم أو مشاهدته، وتتمثل أبرز أعراضه في استعادة الحدث وكأنه يحدث مجددا، والكوابيس والقلق والغضب والفزع، والشعور بالعجز وفقدان الأمل وصعوبة العودة إلى الحياة الطبيعية.

وحذر أستاذ علم النفس واستشاري الصحة النفسية بجامعة طرابلس الدكتور عادل البهي من أن الأعراض قد لا تظهر مباشرة، بل بعد أشهر، مؤكدا ضرورة التدخل المبكر. وشدد على أن ضحايا الحروب لا يقتصرون على المصابين جسديا، بل يشملون فئات لا تظهر معاناتها للعيان، مثل الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة.

من جانبه، قال أخصائي الصحة النفسية بمؤسسة حمد الطبية الدكتور يحيى البوبلي إن الأطفال الصغار قد يعبّرون عن الصدمة سلوكيا، عبر الالتصاق الشديد بالوالدين والخوف من الانفصال والتبول اللاإرادي، أو إعادة تمثيل الأحداث المؤلمة باللعب والرسم. أما الأكبر سنا فقد يعانون صعوبات التعلم والخوف من فقدان الأهل، فيما قد يظهر لدى المراهقين الغضب والعزلة وفقدان الأمل.

وأشار البوبلي إلى مسح شمل نحو 350 طفلا ومراهقا من غزة في قطر، أظهر أن أعراض القلق تجاوزت 70%، والاكتئاب 50%، فيما اقتربت أعراض اضطراب ما بعد الصدمة من 50%. وذكر أن نسبة الحالات المشخصة بالاضطراب تراوحت بين 15% و20%.

صدمات قد تمتد إلى الأجيال المقبلة

وأوضح البوبلي أن البقاء في مناطق الحرب يزيد صعوبة التعافي بسبب تتابع الصدمات وفقدان الأقارب والمنازل والأمان، مضيفا أن الإجلاء لا ينهي المعاناة بالضرورة، إذ يستمر القلق على الأقارب الذين بقوا في مناطق الخطر.

كما تناول البرنامج احتمال انتقال آثار الصدمات بين الأجيال، من خلال أنماط السلوك والتعامل مع الخوف والضغط داخل الأسرة، إلى جانب أبحاث تدرس الآثار البيولوجية المحتملة للصدمات عبر التغيرات المرتبطة بالتعبير الجيني.

وأكد المختصون أن العلاج يتطلب توفير بيئة آمنة والاستماع إلى المتضررين ومنحهم مساحة للتعبير عن الحزن والفقدان دون إجبارهم على سرد تفاصيل التجربة. وتشمل الأساليب العلاجية العلاج السلوكي المعرفي وتقنية إزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين.

وشدد البوبلي على أهمية طمأنة المتضرر وربطه بأسرته وتوفير احتياجاته الأساسية والحفاظ على روتينه اليومي، فيما دعا البهي إلى نشر الوعي بالصحة النفسية ومواجهة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعلاج.

المصدر: الجزيرة