هل شيعت الجاموسة صاحبها حقا؟.. التفكيك العلمي للرواية الشائعة في مصر

حفظ

An African Buffalo Bull. Photographed at Mabula Game Reserve, South Africa. Paul M Rae - Self-published work by Paul M Rae CC BY 2.5 File:African Buffalo.JPG Created: 6 September 2004 Uploaded: 1 August 2013
دراسات سلوك الحيوان تقدم أساسا علميا يمكن الاستناد إليه (بول راي)

بينما يحمل المشيعون نعش أحد المتوفين من أهالي قرية مصرية في محافظة الفيوم، كانت تسير وراءهم جاموسة -كان يمتلكها المتوفى- وتصدر أصواتا أشبه بالنحيب والبكاء عليه.

تباينت ردود الأفعال حيال هذه المشاهد التي نقلتها مواقع إخبارية مصرية وحظيت بتداول على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي المصرية، بين من يراها مفتعلة، ومن وصفوها بأنها "وفاء ليس غريبا من الحيوان تم توثيقه في حالات سابقة".

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وذهب المشككون إلى استحالة حدوث ذلك وعدم منطقيته، فهل هناك تأييد علمي لوجهة نظرهم أم أن حدوث ذلك وارد؟

وجهت "الجزيرة نت" هذا السؤال مباشرة إلى الدكتور رضا سكر، الرئيس التنفيذي لمزارع "وفرة" للإنتاج الحيواني التابعة لبنك الطعام المصري، والذي أجاب بشكل قاطع وبدون تردد: "لا تستبعد ذلك، فالجاموس والأبقار ترتبط عاطفيا بمربيها، وهي علاقة أثبتتها كثير من الدراسات العلمية".

ويستطرد: "لمست هذه العلاقة خلال تعاملي اليومي مع الحيوانات بالمزرعة، فهي تعرف من يعتني بها، وترتبك عندما يدخل إلى المكان وجه غير مألوف".

دلائل علمية يمكن الاستناد إليها

ورغم أن المتاح من الدراسات لم يتطرق إلى حالة الوفاة تحديدا، ومدى إدراك الجاموس لمعنى وفاة صاحبه بالشكل الذي يدركه البشر، فإن رضا يرى أن الدراسات الأخرى تقدم أساسا علميا يمكن الاستناد إليه، ويقول إن "إحدى الدراسات أثبتت أن الأبقار والجاموس لا تستطيع فقط التمييز بصريا بين الأشخاص الذين تعرفهم والغرباء، كما نلحظ يوميا خلال عملنا بالمزرعة، بل يمكنها أيضا الربط بين وجه الإنسان وصوته".

ويرى رضا في تلك الدراسة المنشورة بدورية "بلوس وان" دليلا على امتلاك الأبقار والجاموس "ذاكرة متعددة الحواس"، إذ لا تكتفي بالتمييز بين البشر اعتمادا على مظهرهم، بل تستطيع أيضا تكوين تمثيلات ذهنية تربط بين وجوه الأشخاص وأصواتهم، ويعني ذلك أنها قادرة على الاحتفاظ بمعلومات عن هوية الإنسان عبر أكثر من حاسة، وهو ما يفسر، في رأيه، ارتباط تلك الحيوانات بأصحابها، لدرجة لا تجعلنا نستبعد شعورها بالحزن على فراقهم.

غياب الدراسات لا ينفي السلوك

وإذا كانت الأبحاث لم تتناول تحديدا سلوك البقر والجاموس عند فراق أصحابها، فإن الدراسات التي أجريت على الحيوانات الأليفة يمكن أن تقدم أساسا علميا يجعلنا لا نستبعد وجود المشاعر نفسها عند غيرها من الحيوانات.

إعلان

وفي هذا السياق، تشير أحدث الدراسات المنشورة بدورية "أبلايد أنيمال بِهيفيار ساينس" إلى أن الكلاب والقطط قد تُظهر تغيرات سلوكية ملحوظة بعد وفاة شخص كان يعتني بها داخل المنزل، تشمل انخفاض الأكل والنوم واللعب، إلى جانب قضاء وقت أطول في البحث عن الشخص الغائب والاختباء.

الجاموس العراقي ثروة وطنية مهددة بالانقراض (الجزيرة نت)
كثير من الحيوانات أظهرت عواطف الحزن والأسى في التجارب (الجزيرة نت)

ويقول رضا: "أتصور أن إجراء هذه الدراسة وغيرها من الدراسات، بل والأفلام السينمائية التي وثقت حزن الحيوانات الأليفة على فراق أصحابها، يعود إلى أن المجتمعات التي أجريت فيها هذه الدراسات تُعامل الكلاب والقطط بوصفها رفقاء تعيش داخل الأسرة، ومن ثم تعنيها دراسة ما يحدث لها بعد وفاة أصحابها، ولو أعملنا المبدأ نفسه، فإن هذه الحيوانات الكبيرة من الجاموس والأبقار أيضا رفقاء داخل المنازل الريفية في القرى المصرية".

ويستند إلى التقارير التي وثقت حالة الجاموسة في القرية المصرية، إذ نقلت المواقع الصحفية عن الأهالي قولهم إنه كان هناك ارتباط غير طبيعي بين المتوفى وجاموسته دام لأكثر من 10 سنوات، حتى إنه كان يصحبها معه في كل مكان، وكأنها صديقه.

ويقفز إلى ذهن رضا مقترح بحثي، وهو متابعة إنتاج هذه الجاموسة في الألبان بعد وفاة صاحبها، ويقول: "أكاد أجزم بأن تغييرا ملموسا سيحدث، فما لا يعرفه كثيرون أن إنتاج الأبقار والجاموس يتأثر بالضغط النفسي، لذلك أجريت أبحاث أثبتت أن استماعها للموسيقى يؤدي إلى إدرار أفضل للألبان، وقد استفدنا من نتائج هذه الأبحاث المنشورة في دورية ’أنيمال بِهيفيار آند وِلفير‘ في مزرعتنا، ولمسنا الدور الذي تلعبه الموسيقى الهادئة عند تشغيلها في إنتاج الألبان".

قصص شائعة بدون توثيق

ويخرج رضا من حديث الدراسات والبحث العلمي إلى القصص الشائعة عن العلاقات التي قد تربط تلك الحيوانات بأصحابها، والتي كان شاهدا على إحداها في قريته عندما تعرض مزارع لأزمة مالية وأراد حلها ببيع جاموسته، فأبت أن تذهب مع المشتري وأخذت تقوم بحركات استعطاف لصاحبها الذي بكى وتراجع عن البيع.

ويقول: "لم تحفز مثل هذه القصص وغيرها على إجراء دراسات أعمق في العلاقة بين البشر وحيوانات المزرعة، مثلما حدث مع الحيوانات الأليفة، وظلت تروى من دون سند علمي، ولعل واقعة محافظة الفيوم تكون دافعا لإجراء دراسة علمية تدرس ظاهرة الحزن على المربي عند الأبقار والجاموس".

المصدر: الجزيرة

إعلان