لا ثواني كبيسة بعد اليوم.. لماذا قرر العلماء تغيير توقيت العالم؟

حفظ

صورة تعبيرية تجمع بين المزولة الشمسية والساعة الذرية، وخلفهما مدينة أوروبية وكوكب الأرض، لتجسد تطور قياس الزمن من حركة الشمس إلى دقة الذرة. (تصميم بالذكاء الاصطناعي)
صورة تعبيرية تجمع بين المزولة الشمسية والساعة الذرية وكوكب الأرض، لتجسد تطور قياس الزمن من حركة الشمس إلى دقة الذرة (مصممة بالذكاء الاصطناعي)

قبل نحو قرنين، كان المسافر الذي يغادر لندن متجها إلى مدينة بريطانية أخرى قد يضطر إلى تعديل ساعته عند الوصول، ليس بسبب اختلاف المنطقة الزمنية كما يحدث اليوم بين الدول، بل لأن كل مدينة كانت تضبط وقتها وفقا لموقع الشمس في سمائها.

وحين ظهرت القطارات، أصبح هذا الاختلاف مشكلة حقيقية، فالقطار الذي يغادر مدينة في ساعة معينة قد يصل إلى أخرى تختلف ساعتها المحلية بعدة دقائق، مما يربك مواعيد الرحلات ويصعب تنظيم حركة القطارات.

What’s railway time and how did it help standardise time around the world more than 180 years ago?It’s the standardisation of time across the railway in Britain, from November 1840. Before railway time, Victorian train drivers had to constantly adjust to different time zones when they pulled into stations. That’s because local time can differ by about 10 minutes from Greenwich Mean Time. Local time is based on solar time, which can vary significantly depending on a place’s latitude and the time of year. Drivers kept finding themselves in slightly different local time zones when their trains arrived at railway stations. Imagine adjusting your watch every time you pull into another town or city – and the problems that could cause for the timetable and passengers.
توسع السكك الحديدية في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر أسهم في توحيد مواعيد المدن، بعدما كانت كل مدينة تعتمد توقيتها الشمسي (شبكة السكك الحديدية البريطانية)

لم يكن أحد يتخيل آنذاك أن العالم سيصل إلى مرحلة تصبح فيها الثانية الواحدة، التي اعتاد الإنسان إضافتها إلى التوقيت العالمي لتصحيح اختلاف دوران الأرض، مصدر قلق لشبكات الاتصالات والأقمار الصناعية والأنظمة الرقمية. لكن هذا ما حدث بالفعل.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ففي 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، اتخذ ممثلو الدول الأعضاء في المؤتمر العام للأوزان والمقاييس، المنعقد في مدينة فرساي الفرنسية، قرارا يقضي بجعل التوقيت العالمي المنسق (Coordinated Universal Time – UTC) مستمرا اعتبارا من 20 مايو/أيار 2027، دون الحاجة إلى إضافة الثواني الكبيسة أو حذفها.

وبذلك تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ قياس الزمن، قد تستمر قرونا قبل أن تستدعي إعادة النظر في العلاقة بين الوقت الذي تقيسه الذرات والوقت الذي تحدده حركة الأرض.

حين كانت الشمس ساعة كل مدينة

قبل اختراع الساعات الحديثة، كانت الشمس المرجع الطبيعي للوقت، فقد عرف الإنسان تعاقب الليل والنهار، ثم تعلم قياس مرور الساعات من تغير طول الظلال واتجاهها.

واستخدم المصريون القدماء ساعات شمسية، ثم ظهرت الساعات المائية التي تقيس الزمن من خلال تدفق الماء بمعدل منتظم نسبيا. وكانت لهذه الوسائل حدود واضحة؛ فالساعة الشمسية لا تعمل ليلا أو عندما تحجب الغيوم الشمس، بينما تتأثر الساعات المائية بدرجة الحرارة وانتظام التدفق.

Qu'est-ce que l'horloge de Shepherd Gate ?L'Observatoire royal de Greenwich abrite l'horloge de la porte de Shepherd, une pièce importante dans l'histoire de la mesure du temps. Cette horloge était révolutionnaire pour l'époque, car elle était la première à afficher le temps moyen de Greenwich (GMT) au public. Notamment, son cadran affiche 24 heures au lieu des 12 heures conventionnelles, un design qui reflète la précision et l'importance du GMT. À midi, contrairement aux horloges traditionnelles, l'aiguille des heures est orientée vers le bas, une caractéristique unique qui fascine les visiteurs depuis des années.
ساعة بوابة شيبرد التاريخية في مرصد غرينتش الملكي بلندن، أول ساعة تعرض توقيت غرينتش للجمهور بقرص من 24 ساعة (المرصد الملكي غرينتش)

وفي أوروبا خلال العصور الوسطى، بدأت الساعات الميكانيكية تنتشر في الأبراج والكنائس، وكانت تعتمد على الأثقال والتروس وآليات تنظم حركتها، لكنها لم تكن دقيقة بما يكفي لتحديد الثواني.

إعلان

وجاء تحول كبير في القرن السابع عشر عندما ابتكر العالم الهولندي كريستيان هوغنز الساعة البندولية عام 1656، واستخدم البندول لتنظيم حركة التروس، مما حسن دقة قياس الوقت بدرجة كبيرة.

المزولة، أداة فلكية استعملها الناس حتى وقت اختراع الساعة الميكانيكية
المزولة، أداة فلكية استعملها الناس حتى وقت اختراع الساعة الميكانيكية (هاني الضليع)

أما الساعة الميكانيكية، سواء كانت تعمل بالأثقال أو النوابض، فهي تقيس الزمن من خلال حركة منتظمة نسبيا ينظمها جهاز ميكانيكي. ومع ذلك، تظل عرضة لتأثير الاحتكاك وتغير الحرارة والجاذبية، بخلاف الساعات الذرية التي تستند إلى ترددات طبيعية أكثر ثباتا.

القطارات توحد الوقت.. وغرينتش يصبح مرجع العالم

كانت المدن البريطانية تضبط ساعاتها وفقا للوقت الشمسي المحلي، الذي يختلف باختلاف خطوط الطول، وكل درجة من خطوط الطول تقابل نحو أربع دقائق من الزمن، لأن الأرض تكمل دورة مقدارها 360 درجة خلال نحو 24 ساعة.

ولهذا كان وقت الظهيرة في مدينة تقع غرب لندن يأتي بعد وقت الظهيرة في العاصمة.

SundialMike Duffie (active 1990) and John Chitty (1916–1992) and Edwin Russell (1939–2013) Wakefield Gardens, Tower HamletsA large sundial with elaborate gnomon, and dial set on the ground. The surround of the sundial gives a chronological history of London, from 43 AD, Roman conquest, to 1992. When building the new station entrance at Tower Hill Underground in the early 1990s, London Underground Ltd were left with the problem of what to do with the flat area outside the station. There were problems involving the sightlines of neighbouring buildings and erecting anything there which may have affected these was a sensitive issue. The idea of producing a garden area was decided upon and John Chitty, a landscape architect, was commissioned for the job, in the course of which the idea of a sundial in the centre of the garden came to him. This was developed jointly by Chitty, the landscape architect, and Edwin Russell as sculptor.
ساعة شمسية ضخمة في حدائق ويكفيلد بلندن، تحيط بها نقوش تستعرض تاريخ المدينة ومنها قصة القطارات (مايك دافي وجون تشيتي وإدوين راسل)

ومع توسع شبكة السكك الحديدية، لم يعد هذا الاختلاف مقبولا، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1840، بدأت شركة السكك الحديدية الغربية الكبرى في بريطانيا اعتماد توقيت موحد لمحطاتها، بدلا من استخدام التوقيت المحلي لكل مدينة.

وتكشف جداول القطارات القديمة حجم المشكلة؛ فقد كان توقيت مدينة باث يختلف عن توقيت لندن بنحو 11 دقيقة، بينما يصل الفرق في بريدجووتر إلى نحو 14 دقيقة.

ولم تكن هذه الفروق الصغيرة مشكلة للناس عندما كانت الرحلات تستغرق أياما، لكنها أصبحت مهمة عندما بدأت القطارات تنقل المسافرين بسرعة بين المدن.

This historic photograph shows the delegates of the International Meridian Conference gathered in Washington, D.C., in October 1884.
صورة تاريخية لمندوبي المؤتمر الدولي لخط الطول في واشنطن عام 1884، أمام مبنى الخارجية والحرب والبحرية الأمريكي (قيادة التاريخ والتراث البحري الأمريكية)

بحلول أربعينيات القرن التاسع عشر، كانت معظم شركات السكك الحديدية البريطانية قد اعتمدت توقيت غرينتش المتوسط (GMT)، الذي يستند إلى متوسط الحركة الظاهرية للشمس عند خط الطول المار بالمرصد الملكي في غرينتش.

ثم ساعد التلغراف على إرسال إشارات الوقت إلى المحطات، وأصبح ضبط الساعات أكثر انتظاما.

وفي عام 1884، اجتمع ممثلو دول في واشنطن خلال المؤتمر الدولي لخط الطول، واختاروا خط غرينتش مرجعا رئيسيا لقياس خطوط الطول، وأوصوا باعتماد يوم عالمي يبدأ عند منتصف الليل في غرينتش.

رسم توضيحي يبيّن ارتباط خطوط الطول باختلاف التوقيت المحلي بين المدن الأوروبية، وتأثير ذلك في جداول القطارات قبل اعتماد التوقيت الموحد. (إنشاء بالذكاء الاصطناعي)
رسم توضيحي يبيّن ارتباط خطوط الطول باختلاف التوقيت المحلي بين المدن الأوروبية، وتأثير ذلك في جداول القطارات قبل اعتماد التوقيت الموحد (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ومع انتشار نظام المناطق الزمنية، أصبح من الممكن تقسيم العالم نظريا إلى 24 منطقة، يفصل بين كل منها نحو 15 درجة من خطوط الطول، أي ساعة واحدة.

لكن الحدود الفعلية للمناطق الزمنية أصبحت تحددها الدول وفقا لاعتبارات جغرافية وسياسية واقتصادية، ولذلك لا تتبع جميعها خطوط الطول بصورة منتظمة.

عندما اكتشف العلماء أن الأرض ليست ساعة مثالية

رغم نجاح توحيد التوقيت، ظهرت مشكلة علمية جديدة، هي أن الأرض نفسها لا تدور بسرعة ثابتة تماما. فمدة دوران الكوكب حول محوره تتغير بمقادير صغيرة نتيجة عوامل متعددة، بينها حركة الغلاف الجوي والمحيطات، والتفاعلات داخل الأرض، وتوزيع الكتل على سطحها وفي باطنها.

إعلان

وتؤدي قوى المد والجزر الناتجة أساسا عن جاذبية القمر، وبدرجة أقل الشمس، إلى تباطؤ دوران الأرض على المدى الطويل، لأن الاحتكاك المرتبط بحركة مياه المحيطات ينقل جزءا من الزخم الزاوي لدوران الأرض إلى الحركة المدارية للقمر.

رسم توضيحي لتأثير جاذبية القمر والمد والجزر في تباطؤ دوران الأرض تدريجيا وإطالة اليوم على المدى الطويل. (ناسا)
رسم توضيحي لتأثير جاذبية القمر والمد والجزر في تباطؤ دوران الأرض تدريجيا وإطالة اليوم على المدى الطويل (ناسا)

لكن هذا التباطؤ ليس منتظما؛ فقد تدور الأرض أسرع قليلا في بعض السنوات وأبطأ في سنوات أخرى. ولهذا فإن اليوم الشمسي، الذي نعده 24 ساعة، ليس معيارا مثاليا لتعريف الثانية بدقة شديدة. وكان الحل أن يبحث العلماء عن ظاهرة طبيعية أكثر انتظاما من دوران الأرض.

الساعة الذرية.. عندما أصبحت الثانية داخل الذرة

في منتصف القرن العشرين، بدأت الساعات الذرية تقدم بديلا أكثر دقة من الساعات الميكانيكية والفلكية. والساعة الذرية لا تحتوي على ذرة تدور داخلها مثل عقارب الساعة، بل تستخدم انتقالات محددة بين مستويات الطاقة في الذرات.

فعندما تتعرض ذرات عنصر معين لإشعاع كهرومغناطيسي بتردد مناسب، يحدث انتقال بين حالتين من حالات الطاقة. ويمكن للأجهزة الإلكترونية ضبط تردد الإشعاع بحيث يطابق التردد الطبيعي لهذا الانتقال، ثم استخدامه مرجعا شديد الانتظام لقياس الزمن.

Lindell Williams (left) and Grant Brodnik align an optical fiber with the edge of an integrated photonics chip. Optical fibers act as pipes for light, enabling the light generated on these chips to be collected and routed off the chip for use in experiments and applications.Credit: R. Jacobson/NIST
الساعات الذرية تستخدم انتقالات محددة في ذرات السيزيوم، وهي أساس تعريف الثانية المعتمد عالميا (المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا)

وفي عام 1967، اعتمد المؤتمر العام للأوزان والمقاييس تعريفا جديدا للثانية يستند إلى ذرة السيزيوم-133، وأصبحت الثانية تساوي المدة التي تستغرقها 9,192,631,770  دورة من الإشعاع الموافق لانتقال ذري محدد في السيزيوم.

وهذا لا يعني أن ذرة السيزيوم تهتز ميكانيكيا أكثر من تسعة مليارات مرة في الثانية، بل إن العلماء يستخدمون تردد الإشعاع الكهرومغناطيسي المرتبط بالانتقال بين مستويين من الطاقة.

وكانت تلك نقطة تحول تاريخية؛ فلم تعد الثانية تعتمد في تعريفها على دوران الأرض أو حركة الشمس، بل على خاصية فيزيائية للذرات. ومع تطور هذه الساعات، أصبحت دقتها ضرورية لتحديد المواقع باستخدام الأقمار الصناعية، وتنظيم شبكات الاتصالات، ومزامنة العمليات المصرفية وأنظمة الحاسوب.

الثانية الكبيسة.. محاولة للتوفيق بين الأرض والذرة

ظهرت بعد ذلك مشكلة جديدة؛ إذا كانت الساعات الذرية تقيس الوقت بانتظام شديد، بينما يتغير دوران الأرض، فلا بد أن ينشأ فرق تدريجي بين التوقيتين. ولحل المشكلة، اعتمد المجتمع الدولي عام 1972  نظام الثانية الكبيسة.

وكان الهدف المحافظة على فارق يقل عن 0.9 ثانية بين التوقيت العالمي المنسق (UTC)، المستند إلى الساعات الذرية، والتوقيت الفلكي المعروف باسم (UT1)، الذي يعكس دوران الأرض الفعلي. وعندما يقترب الفرق من الحد المسموح، تضاف ثانية إلى التوقيت العالمي المنسق.

وبدلا من الانتقال مباشرة من الساعة 23:59:59 إلى منتصف الليل، تصبح هناك لحظة إضافية تحمل التوقيت 23:59:60، ثم يبدأ اليوم التالي. ومنذ عام 1972، أضيفت 27 ثانية كبيسة، كانت آخرها في 31 ديسمبر/كانون الأول 2016.

الوقت الذري متقدم على الوقت العالمي المنسق بـ37 ثانية، فماذا لو ألغيت هذه الثواني جميعا؟
الوقت الذري متقدم على الوقت العالمي المنسق بـ37 ثانية، فماذا لو ألغيت هذه الثواني جميعا؟ (الجزيرة)

ولم تكن الإضافة تحدث كل سنة ونصف أو ثلاث سنوات وفق جدول ثابت، بل بحسب قياسات دوران الأرض، فقد شهدت بعض الفترات إضافات متقاربة، بينما مرت سنوات طويلة دون إضافة أي ثانية.

وكانت مهمة مراقبة دوران الأرض وتحديد الحاجة إلى هذه التعديلات تقع على عاتق الخدمة الدولية لدوران الأرض والنظم المرجعية (International Earth Rotation and Reference Systems Service- IERS).

وتزداد المشكلة تعقيدا لأن تسارع دوران الأرض في بعض الفترات قد يستدعي مستقبلا حذف ثانية بدلا من إضافتها، وهي عملية لم يسبق تنفيذها في نظام التوقيت العالمي المنسق.

لماذا قرر العلماء التخلي عنها؟

قد تبدو إضافة ثانية واحدة أمرا لا يستحق كل هذا الاهتمام، لكنها ليست بسيطة بالنسبة إلى عالم يعتمد على أنظمة رقمية متصلة تعمل على مدار الساعة.

إعلان

فأنظمة الاتصالات والأقمار الصناعية وشبكات الطاقة والحواسيب تحتاج إلى ترتيب الأحداث بدقة، وقد يؤدي إدخال ثانية إضافية إلى اضطراب بعض البرامج التي تفترض أن كل دقيقة تتكون من 60 ثانية.

كما أن المؤسسات التقنية لا تستخدم جميعها الطريقة نفسها للتعامل مع الثانية الكبيسة؛ فبعضها يضيفها مباشرة، بينما يوزعها بعضها الآخر تدريجيا على فترة زمنية، مما قد يؤدي إلى اختلاف مؤقت بين الأنظمة.

وتزداد المخاوف عند الحديث عن ثانية كبيسة سالبة، تتطلب الانتقال من الثانية 58 مباشرة إلى الدقيقة التالية، دون المرور بالثانية 59.

منذ عام 1972، أضيفت 27 ثانية كبيسة، كانت آخرها في 31 ديسمبر/كانون الأول 2016
منذ عام 1972، أضيفت 27 ثانية كبيسة، كانت آخرها في 31 ديسمبر/كانون الأول 2016 (المكتب الدولي للأوزان والمقاييس)

ولهذا قرر المؤتمر العام للأوزان والمقاييس في اجتماعه السابع والعشرين عام 2022 السماح مستقبلا بتوسيع الفارق بين التوقيت الذري والتوقيت الفلكي، على أن ينفذ التغيير بحلول عام 2035 أو قبله.

وفي اجتماعه الثامن والعشرين، المنعقد في فرساي بين 13 و15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حدد المؤتمر موعد التنفيذ في 20 مايو/أيار 2027، ورفع الحد الأقصى المسموح به للفارق إلى 3600 ثانية، أي ساعة واحدة.

وهذا لا يعني أن ساعة ستضاف أو تحذف في عام 2027، ولا أن العالم سيحتاج قريبا إلى تصحيح قدره ساعة؛ بل إن القرار يسمح للتوقيت العالمي بالاستمرار دون قفزات مفاجئة، بينما يتراكم الفارق مع دوران الأرض ببطء شديد، وقد يستغرق بلوغ ساعة واحدة قرونا.

هل يهدد القرار دقة الملاحة بالأقمار الصناعية؟

يثير التخلي عن الثانية الكبيسة سؤالا مهما: إذا كان دوران الأرض يتغير باستمرار، بينما تقيس الأقمار الصناعية الزمن باستخدام ساعات ذرية منتظمة، فهل يؤدي تراكم الفارق بين التوقيتين إلى أخطاء في تحديد المواقع؟

والجواب أن أنظمة الملاحة الفضائية لا تعتمد على تطابق الساعة الذرية مع دوران الأرض. فنظام تحديد المواقع العالمي "جي بي إس " (GPS)، مثلا، يستخدم توقيتا ذريا مستمرا لا تُضاف إليه الثواني الكبيسة أصلا، ويختلف حاليا عن التوقيت العالمي المنسق بـ18 ثانية، دون أن يؤثر ذلك في دقة الملاحة.

The GPS satellites revolves around the Earth. https://www.rewiresecurity.co.uk/blog/gps-global-positioning-system-satellites
شبكة الأقمار الصناعية المخصصة لتحديد المواقع تعمل بالساعات الذرية (ريواير سكيوريتي)

ويكمن السر في الفصل بين قياس الزمن وتحديد اتجاه الأرض في الفضاء. فبينما توفر الساعات الذرية مرجعا منتظما لحساب زمن انتقال الإشارات، تتولى الخدمة الدولية لدوران الأرض والنظم المرجعية (IERS) قياس التغيرات الفعلية في دوران الكوكب ونشرها، لتستخدمها الجهات العلمية والفضائية في تحويل الإحداثيات وحساباتها الدقيقة.

ولهذا، فإن إلغاء الثانية الكبيسة لا يعني تجاهل حركة الأرض، بل يعني الاستغناء عن تعديل التوقيت العالمي لمجاراتها. وستظل قياسات دوران الأرض ضرورية لتوجيه المركبات الفضائية والتلسكوبات وحساب الإحداثيات، حتى لو تراكم الفرق بين الزمن الذري والزمن الفلكي إلى دقائق مستقبلا.

من هؤلاء الذين يقررون توقيت العالم؟

لا يتخذ القرار مجموعة من العلماء اجتمعوا بمبادرة شخصية، بل يصدر عن هيئة دولية أنشئت بموجب اتفاقية المتر، التي وقعتها 17 دولة في باريس يوم 20 مايو/أيار 1875.

وأدت الاتفاقية إلى إنشاء المكتب الدولي للأوزان والمقاييس (BIPM)، الذي يعمل على توحيد معايير القياس بين الدول، بما فيها المتر والكيلوغرام والثانية.

ويعد المؤتمر العام للأوزان والمقاييس (Comité International des Poids et Mesures- CGPM) أعلى سلطة في هذه المنظمة، ويتكون من وفود رسمية تمثل الدول الأعضاء في الاتفاقية، ينتخبون لجنة دولية تضم 18 خبيرا، لتتولى الإشراف على أعمال المكتب الدولي للأوزان والمقاييس، ومتابعة توحيد معايير القياس عالميا، بما فيها قياس الزمن.

On October 12, 2026, an open discussion was organized ahead of the upcoming 28th General Conference on Weights and Measures (CGPM) at the headquarters of the International Bureau of Weights and Measures (BIPM) in Sèvres, France.
جلسة نقاش مفتوحة في فرنسا تحضيرا للمؤتمر العام الـ28 للأوزان والمقاييس (المكتب الدولي للأوزان والمقاييس)

وتستند القرارات إلى سنوات من الأبحاث والمشاورات العلمية، تشارك فيها المعاهد الوطنية للقياس، واللجان الاستشارية المتخصصة، ومنظمات دولية مثل الاتحاد الدولي للاتصالات والاتحاد الفلكي الدولي.

أما التوقيت العالمي المنسق نفسه، فيحسبه المكتب الدولي للأوزان والمقاييس اعتمادا على بيانات ساعات ذرية موزعة في مختبرات ومعاهد قياس حول العالم.

وبذلك لا تملك دولة واحدة ساعة العالم، ولا يستطيع مرصد غرينتش وحده تحديدها، بل تنتج من تعاون علمي دولي تشارك فيه مؤسسات عديدة.

هل انتهى توقيت غرينتش فعلا؟

هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرا ما تختلط في الاستخدام اليومي. فتوقيت غرينتش المتوسط (GMT)  نشأ تاريخيا بوصفه توقيتا يعتمد على متوسط الحركة الظاهرية للشمس عند خط غرينتش.

إعلان

أما التوقيت العالمي المنسق (UTC)، فهو المعيار الدولي الحديث الذي يستند إلى الساعات الذرية، وكان يحافظ على تقاربه الشديد مع التوقيت المستند إلى دوران الأرض بفضل الثواني الكبيسة.

وأما خطوط الطول، فهي نظام جغرافي لتحديد المواقع على سطح الأرض، ولا تعتمد في وجودها على نوع الساعة المستخدمة. ولهذا لا يوجد تعارض في أن يظل خط غرينتش خط الطول المرجعي، بينما يستخدم العالم توقيتا ذريا لتحديد الثواني.

Royal Observatory Greenwich is famous around the world as the home of the historic Prime Meridian.Just as the equator separates the northern and southern hemispheres, the Prime Meridian separates the eastern and western hemispheres. When you stand across the line, you have one foot in the east and one in the west. But what exactly is a meridian, and why is the Prime Meridian in Greenwich? What does all this have to do with latitude, longitude and working out where you are? Discover more about the historic Prime Meridian of the world below, then visit the Royal Observatory to find your own place in the history of time and space.
خط غرينتش التاريخي عند خط الطول صفر درجة في المرصد الملكي بلندن، وزائر يقف بقدم في الشرق وأخرى في الغرب (المرصد الملكي غرينتش)

وفي الاستعمال المدني المعتاد، يتطابق توقيت غرينتش والتوقيت العالمي المنسق في قراءة الساعة، لكنهما يختلفان في الأساس العلمي والتعريف الدقيق. فغرينتش لم يفقد مكانته الجغرافية، ولم يُلغَ تاريخه بوصفه نقطة انطلاق التوقيت العالمي، وإنما انتقلت مسؤولية تحديد الوقت بدقة من رصد حركة الشمس إلى منظومة عالمية من الساعات الذرية.

والقرار الجديد لا يغير المناطق الزمنية للدول؛ فالدولة التي تعتمد توقيتا يزيد ثلاث ساعات على التوقيت العالمي المنسق ستظل تعتمد هذا الفرق، ما لم تتخذ سلطاتها قرارا محليا بتغييره.

وهكذا تنتهي إحدى أكثر المحاولات إثارة للتوفيق بين حركة الأرض ودقة الذرات، بعدما ظلت الثانية الكبيسة تربط التوقيتين لأكثر من نصف قرن.

لكن القصة لا تنتهي هنا؛ فالعلماء يعملون بالفعل على تطوير ساعات ذرية بصرية أكثر دقة، قد تمهد لإعادة تعريف الثانية مستقبلا، كما يبحثون إنشاء مرجع زمني خاص بالقمر، حيث تختلف معدلات مرور الزمن قليلا عن الأرض بفعل اختلاف الجاذبية والحركة.

ومن ظل الشمس الذي راقبه الإنسان قبل آلاف السنين، إلى ذرة السيزيوم التي تحدد الثانية اليوم، يبدو أن تاريخ قياس الزمن ليس مجرد تاريخ للساعات، بل قصة سعي الإنسان إلى تنظيم حياته وفهم الكون بدقة متزايدة.

المصدر: الجزيرة + وكالات

إعلان