تتجاوز مجلة "شعر" كونها مجلة أدبية إلى كونها حركة شعرية حاولت التأثير في مسيرة الأدب العربي من خلال دعوتها لهدم الثوابت الثقافية والانفتاح على الثقافة الغربية والعالمية.

حلقة (2019/6/23) من برنامج "خارج النص" سلطت الضوء على الجدل الصاخب الذي أحدثته مجلة "شعر" داخل وخارج الأوساط الأدبية، والتي أسسها الشاعر اللبناني يوسف الخال، واشترك فيها شعراء من سوريا ولبنان والعراق، لتبليغ الرأي العام بنتاجهم الثقافي.

وصدر أول عدد لمجلة "شعر" في 1957 تزامنا مع ازدهار فكرة القومية العربية آنذاك في الشارع العربي واستهجان الفكر الغربي وخاصة الأميركي، مما جعل الحكومات العربية مثل سوريا والعراق تمنع دخولها.

ورجح الشاعر والأستاذ بجامعة سوسة المنصف الوهايبي أن سبب منع دخول تلك المجلة هو أنها لا تحمل منحى قوميا أو اشتراكيا اتسمت به تلك الحقبة الزمنية.

ورأى أن المجلة لم تتجرأ فحسب على الثقافة، بل على المعتقدات الدينية أيضا عبر طرح الكثير من الأسئلة التي تزعج العربي المسلم في قناعاته الدينية أو القومية.

وبحسب الوهايبي فإن المجلة اتهمت بـ"التغريب"، لأن البعض رأى أنها تتسبب بقطع الصلة بين الأدب العربي الحديث والأدب العربي القديم.

من جهته، اعتبر أحد مؤسسي مجلة "شعر" شوقي أبي شقرا أن المجلة كانت بمثابة انتقال إلى الروح الجديدة في القصيدة العربية وكانت "مركبا لبلوغ شاطئ آخر لها".

في حين رأت أستاذة النقد بالجامعة الأردنية بلقيس الكركي أن المجلة هدفت للتحرر من العقل العربي القائم على التلقين، والتحول إلى العقل الغربي المتفتح.

غير أن الكركي رأت أن مجلة "شعر" أفسدت في الذاكرة أكثر مما أضافت، وقالت إنه طالما ابتعدت كلمات القصيدة الشعرية الحداثية عن القصيدة التراثية العربية فإنها تسبب حالة من الإفساد في الذائقة العربية.

كما ذهبت إلى أن المجلة شجعت على خروج خواطر نثرية لا تمت للقصيدة الشعرية بشيء ونسبتها لتلك الحركة الشعرية "الحداثية".

إيجابيات المجلة
وفي المقابل لم ينكر الوهايبي فضل الحركة الشعرية التي مثلتها المجلة في توجيه الشعراء إلى نموذج جديد من الشعر القريب من الشعر الغربي، وكذلك إلى اللغة العربية الجديدة التي تلهج بها ألسنتنا.

وأشار إلى أنه منذ انطلاق مجلة "شعر" التف حولها الكثير من الشعراء والكتاب الذين كانت لهم تجاربهم الخاصة والمميزة أمثال يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط وغيرهم، الأمر الذي ساهم في انتشار المجلة بشكل واسع في الوطن العربي.

ورأى شقرا أن سبب التفاف هؤلاء الشعراء حول مشروع تلك المجلة هو كونها حملت روحا أخرى ونظرة أخرى للشعر العربي.

ولفت إلى أن المجلة واجهت إلى جانب المراقبة الدولية معارضة شعبية لا تقل ضراوة عن الأولى، حيث اتهمت من قبل قطاع عريض من الرأي العام باستنساخ تجربة أجنبية لا تتشابه في مضمونها مع الواقع العربي.

وأمام هذا الواقع لم تستطع المجلة مواجهة المد العربي الصاخب، الذي نجح في تعطيل عجلة المجلة وإغلاقها جزئيا بين عامي 1964 و1967 بعد نشاط دام نحو 8 سنوات، ثم انطلقت من جديد إلا أنها توقفت بشكل نهائي في خريف 1970.