من محمود الصرخي؟ ولماذا أثار غضب شيعة العراق؟

الصرخي يعرف نفسه بأنه مرجع شيعي عراقي ينتمي إلى طائفة الشيعة الاثنا عشرية، ولديه أتباع يقدرون بعشرات الآلاف.

محمود الصرخي - مرجع شيعي
الصرخي معروف بآرائه المنتقدة للأحزاب السياسية في العراق (مواقع التواصل)

ما زالت دعوة خطيب صلاة الجمعة علي المسعودي التابع للمرجع الديني الشيعي محمود الصرخي إلى هدم المراقد والمزارات الدينية تتفاعل في الشارع العراقي، وأعلنت السلطات اعتقال المسعودي و29 من أتباع الصرخي في 9 محافظات وسطى وجنوبية.

وأمهل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الصرخي 3 أيام للتبرؤ من المسعودي، وإلا فإنه سيلجأ إلى الطرق القانونية والشرعية والعرفية، حسب تعبيره.

ملصق يظهر فيه الصرخي (وسط) في أحد المساجد التابعة لأنصاره في البصرة (رويترز)

من الصرخي؟

ولد الصرخي بمدينة الكاظمية في بغداد عام 1964، ودرس في مسقط رأسه، وتخرج من كلية الهندسة في جامعة بغداد عام 1987. يقال إن نسبه يرجع إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما)، ولم يدخل الحوزة الدينية في النجف إلا عام 1994، وكان من بين طلبة المرجع الشيعي الراحل محمد صادق الصدر الذي اغتيل عام 1999 في عهد الرئيس الراحل صدام حسين.

زادت شهرته وبات صوتا ومرجعية لدى بعض شيعة العراق بعد عام 2004، ويصف محمود الصرخي نفسه "بآية الله"، وهو أرفع الألقاب الشيعية التي لا تُمنح إلا لمن وصل درجة الاجتهاد، لكنه لم يحصل على هذا اللقب بالطرق التقليدية، حيث لم يمنحه أي مرجع شيعي شهادة الاجتهاد، ومعظم رجال الدين الشيعة في العراق يجمعون على أنه لا يملك صفة المرجعية التي تبيح للناس تقليده.

وحسب برقيات نشرتها ويكيليكس، انضم الصرخي لجيش المهدي (الذراع العسكرية للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر) في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

بعدها انفصل الصرخي عن تيار الصدر، ونفذ أنصاره عددا من العمليات ضد القوات الأميركية في جنوب العراق، كما كان أنصاره يخططون لشن هجوم على معتقل بوكا (جنوبي العراق)، ونظموا مظاهرة ضد إيران أمام القنصلية الإيرانية في كربلاء حسب البرقيات المسربة. ووصفت برقية أخرى تعود لعام 2006 الصرخي بأنه "رجل دين متشدد" والفصيل المسلح التابعة له (جيش الحسين) هو الأكثر عداء لإيران.

والصرخي معروف بآرائه المنتقدة للأحزاب التي حكمت بعد الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، ولديه مواقف رافضة لجميع مواقف المرجع الديني الشيعي الأعلى علي السيستاني الذي يعد المرجع الديني الأول لشيعة العراق، خاصة الفتوى التي أطلقها وتضمنت إعلان الجهاد ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي احتل مساحات واسعة من شمال وشمال غربي العراق عام 2014. ودعا الصرخي إلى الحوار مع تنظيم الدولة وليس "الجهاد" ضده، لأن ذلك سيشعل حربا أهلية ويؤجج النعرات الطائفية في العراق.

وأثار ذلك غضب حكومة نوري المالكي آنذاك وقَصَفت قوات الأمن مقر الصرخي في كربلاء، وقُتل العشرات من أتباعه، ومنذ ذلك الحين ابتعد الصرخي عن الأنظار، ولم يظهر إلى العلن.

قوات الأمن قصفت مقر الصرخي في كربلاء وقُتل العشرات من أتباعه عام 2014 (رويترز)

وقالت الحكومة العراقية وقتها إن أتباع الصرخي كانوا يخططون للسيطرة على مرقد الإمام الحسين في مدينة كربلاء (جنوب بغداد)، وهو ما نفاه أنصار الصرخي الذين أوضحوا أن الاشتباكات اندلعت بسبب محاولة قوات الأمن إلقاء القبض على الصرخي.

ويعرف نفسه بأنه مرجع شيعي عراقي ينتمي إلى طائفة الشيعة الاثنا عشرية، ولديه اتباع يقدرون بعشرات الآلاف، ويقيمون في محافظات عراقية مختلفة، أبرزها بابل وكربلاء والناصرية والديوانية والبصرة.

أسباب الخلاف

وينتمي الصرخي إلى مدرسة المرجع الشيعي محمد باقر الصدر التي تتميز بالشمول والعمق والسعة، وهي المدرسة الشيعية الكبيرة المقابلة لمدرسة المرجع أبو القاسم الخوئي التي تتميز بالتوضيح والتبسيط.

ويرى الصرخي أن مفهوم "الأعلم" لا بد أن يثبت من خلال الاجتهاد، ويتبنى آراء تختلف عن مواقف بقية علماء الدين، ويقول عن نفسه إنه يتبع المدرسة العلمية التجديدية أي مدرسة الصدريْن (محمد باقر الصدر الذي أُعدم عام 1980، ومحمد صادق الصدر الذي اغتيل عام 1999).

وتشير مصادر شيعية إلى أن الخلاف بين الصرخي وعدد من المرجعيات الشيعية يمثل استمرارا للخلاف بين هذه المرجعيات والمرجع محمد محمد صادق الصدر. وتتهم هذه الجهات -ومن ضمنها مرجعيات شيعية- الصرخي بعدم صحة اجتهاده وعلميته، لعدم امتلاكه شهادة معترفا بها من الحوزة؛ ويعني هذا أنه غير مؤهل لأن يكون مرجعا.

ويشكل موقف الصرخي المناهض لإيران، ومهاجمة أتباعه عام 2006 مقر القنصلية الإيرانية في البصرة، ثم لاحقا مناهضتهم النفوذ الإيراني؛ سببا آخر من أسباب الخلاف بينه وبين عدد من رجال الدين الشيعة والتنظيمات السياسية.

ومن أبرز مؤلفات الصرخي "الفكر المتين (المدخل) وهو على 4 أجزاء، والفكر المتين (بحوث أصولية عالية) على 8 أجزاء، ومبحث الضد (مطبوع)، وحالات خاصة للأمر، ومباحث الأصول العملية (مباحث الألفاظ، ومباحث الحجج، ومباحث الأصول العملية) (مخطوط)، والرسالة العملية (المنهاج الواضح).

Shi'ite Muslims visit the Imam Ali shrine during the holy month of Ramadan, following the outbreak of the coronavirus disease (COVID-19), in the holy city of Najaf
مرقد الإمام علي بن أبي طالب في النجف (رويترز)

أصل دعوة هدم المراقد

ويستند أتباع الصرخي في الدعوة إلى هدم المراقد الدينية بوصفها مخالفة للدين الإسلامي إلى حديث مروي عن الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) رابع الخلفاء الراشدين، ورواه مسلم (969) عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ (أَلا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ).

وتنقل كتب شيعية وسنية هذا الحديث بصيغ مختلفة، ويستدل به عدد من المذاهب الإسلامية على حرمة بناء القبور المرتفعة.

لكن مراجع وباحثين شيعة يقولون إن المراقد ليست قبورا، وإنما القبر موجود وهو لا يمثل الارتفاع الذي تحدثوا عن هدمه، أما المباني فهي لا تمثل القبر كالصندوق الخشبي أو الشباك أو الغرفة أو الضريح، ويستشهدون على ذلك بكون النبي محمد صلى الله عليه وسلم دفن في منزله، ومثله فعل عدد من الأئمة الشيعة.

لكن هذه قد تكون "المرة الأولى التي يظهر فيها تيار شيعي يطالب بهدم المراقد الدينية". ويزور ملايين الشيعة سنويا وفي مناسبات متعددة المراقد الدينية في العراق.

المصدر : الجزيرة + وكالات + مواقع التواصل الاجتماعي