في ذكرى عيدها.. ماذا بقي من قيم الجمهورية الفرنسية؟

عبد المجيد دقنيش
باريس – أحيت فرنسا، الأربعاء، ذكرى عيدها الوطني الذي يوافق 14 يوليو/تموز من كل عام، تحت شعار "كسب المستقبل" بعرض عسكري ضخم حضره الرئيس إيمانويل ماكرون، ورئيس أركان الجيش الجنرال فرانسوا لوكوانتر وجمع كبير من المسؤولين والضيوف.
وشارك في العرض نحو 5 آلاف شخص بينهم 4300 عسكري سيرا على الأقدام و71 طائرة و25 مروحية و221 آلية و257 حصانا من الحرس الجمهوري.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوكرمت خلال العرض الوحدات الأوروبية "قوة تاكوبا" في منطقة الساحل التي تخطط باريس إلى تقليص وجودها العسكري فيها.
وقد أُقر 14 يوليو/تموز عيدا وطنيا عام 1880 في ظل الجمهورية الثالثة.
ويشير التاريخ إلى حدثين متعاقبين: الأول هو سقوط سجن الباستيل عام 1789 رمز الملكية المطلقة ومجتمع الامتيازات، والثاني عام 1790 تاريخ الاحتفال بالذكرى الأولى لسقوط الباستيل والذي تميز بأجواء من الوحدة الوطنية.
بريق الماضي وضبابية الحاضر
وبحسب مراقبين، تأتي احتفالات العام الجاري وسط تحديات كبيرة، وتطرح عدة إشكاليات خاصة بعد عام صعب على المستويين، الصحي من حيث جائحة كورونا والحقوقي من حيث مشاريع القوانين الكثيرة التي أرادت حكومة ماكرون "فرضها على الشعب الفرنسي".
وهذه المشاريع يقول فرنسيون كثر إنها "مثلث انتكاسة حقيقية" للحريات وحقوق الإنسان، على غرار قوانين الأمن الشامل والانفصالية الإسلامية وتقييد حرية البحث العلمي.
وأمام هذه المتغيرات، تطرح عدة أسئلة عن رمزية و"جدوى الاحتفال باليوم الوطني" واستحضار قيم الحرية والعدالة والأخوة والثورة.
منبع الثورة
في حديثها للجزيرة نت، تتناول أستاذة التاريخ في جامعة السوربون الدكتورة مونيك لوسينت رمزية ذكرى اليوم الوطني قائلة "في 14 يوليو/تموز 1789، ذهب الباريسيون الغاضبون، ومعظمهم من الحرفيين وأصحاب المتاجر، للبحث عن أسلحة في منطقة ليزانفاليد Les Invalides ثم توجهوا إلى القلعة الملكية القديمة في الباستيل. وبعد يوم دام من إطلاق النار والتجمع القوي من الحرس الوطني، استولى الباريسيون على الباستيل وبدؤوا في هدمه، إنه حصن من الاستبداد ينهار".
وتتحدث عن الدور الريادي للثورة الفرنسية في نشر قيم حقوق الإنسان في التاريخ المعاصر، حيث "يرمز اقتحام الباستيل في فرنسا إلى سقوط النظام الملكي، وإلى تحرير الشعوب، وانتزاع الحرية، وإعلان المساواة".
ومن ناحيتها، أكدت الحقوقية ليزال ترانزلير أن الاحتفال بالعيد الوطني منذ عام 1880، يبرز تمسك فرنسا بحقوق الإنسان، حيث ساعدت الثورة على تغيير فرنسا فيما يتعلق بحقوق الإنسان من خلال إنشاء الجمعية الوطنية وإعلان حقوق الإنسان والمواطن.
انهيار المبادئ الأساسية
لكن قيم الجمهورية آخذة في الانهيار وفق ترانزلير حيث تقول "للأسف الشديد في عام 2021 بدأت بعض المبادئ التأسيسية في الانهيار. يوجد العديد من الحقوق ولكن لا تطبق أو تنحرف عن المبدأ التأسيسي لها".
وتضيف "لم تعد المساواة وحرية التعبير وحرية الدين من بين المبادئ التأسيسية العظيمة لفرنسا.. ما يزال التمييز قائمًا فيما يتعلق بالجالية المسلمة في فرنسا مع مشروع قانون يعزز احترام مبادئ الجمهورية والذي كان يُسمى سابقًا بالانفصالية الإسلامية والذي يتعارض مع حرياتنا الأساسية، مثل حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير وحرية التعليم وحرية العبادة".
وتشير إلى أن الحكومة الفرنسية تريد من خلال مشروع القانون تحديث قانون العلمانية الذي يعود تاريخه إلى عام 1905، "ولكنها لا تطبق مبدأ العلمانية كما هو محدد في قانون 1905".
وترى أن "مثل هذه القوانين توسّع الهوة مرة أخرى بين المواطنين الفرنسيين، ومن خلالها يتم وصم الناس لمجرد أنهم مواطنون فرنسيون من ذوي العقيدة الإسلامية".
وعلى عكس الحقوقية ترانزلير، ترى فيرونيك الطالبة بمرحلة الماجستير في العلوم السياسية أن فرنسا هي ملهمة أوروبا والعالم والشعوب في مجال حقوق الإنسان.
وتابعت "تكفي أحداث سجن الباستيل فخرا أنها حركت السواكن وفجّرت الثورة وأسهمت في تحرر ليس الإنسان الفرنسي فقط، وإنما أيضا الإنسان الأوروبي والعالمي، من خلال إعلان مبادئ حقوق الإنسان والمواطن عام 1789. كما لا يجب أن ننسى الدور التنويري الكبير الذي لعبته الثقافة الفرنسية والفلسفة والفكر التنويران لفلاسفة التنوير أمثال رينيه ديكارت، ودينيس ديدرو، وجان جاك روسو، وفولتير، ومونتيسكيو، وقد أسهم هؤلاء في قيام الثورة الأميركية وعدة ثورات أخرى عبر العالم".
مناسبة للتذكير بيقظة الحرية
وأما الحقوقي فرنسوا دو روش فيرى أن 14 يوليو/تموز 1789 شكّل نقطة تحول تاريخية في مسائل الحرية والديمقراطية والسيادة الشعبية.
وقال دو روش في حديث للجزيرة نت "لقد أثبتت فرنسا في مناسبات عديدة تمسكها بقيم الأخوة والحرية وحماية حقوق الإنسان. لكنها في بعض الأحيان تقترب من مخاوفها الحمائية. والعلمانية هي أحد المبادئ التأسيسية للجمهورية الفرنسية، غير أن هذا العام وبروح انتخابية تم تقديم قوانين تشكل انتكاسة معينة للحريات الأساسية: قانون الأمن الشامل، والانفصالية الإسلامية، وما إلى ذلك".
وأضاف "على الرغم من أن الخوف من "اليسارية الإسلامية" أصبح هاجسا حقيقيا في وسائل الإعلام الفرنسية وأن المسلمين يتعرضون للوصم والتمييز بشكل منتظم، فيمكننا أن نهنئ أنفسنا على أن الأصوات قد ارتفعت، وأفرغت هذه القوانين الوحشية ذات الأهمية الكبيرة.
وأبدى دو روش ترحيبه بالانحدار الحاد لليمين المتطرف في فرنسا في الانتخابات الإقليمية الأخيرة. وشدد على أهمية اليقظة "تجاه مثل هذه الانتهاكات الخبيثة"، قائلا "يجب أن يكون يوم 14 يوليو مناسبة لتذكير كل شخص فرنسي بـ"يقظة الحرية" كما يقول فيكتور هوغو المولود عام 1789، وبالقيم التأسيسية لجمهوريتنا، والأهمية الكبرى للحفاظ عليها".