عن مصر الأخرى التي يبغضونها

(الصحافة الأميركية)
(الصحافة الأميركية)

"هو ينفع زوجة رئيس الجمهورية تكون لابسة خمار؟!" هكذا باغتتني أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة بسؤالها الاستنكاري أواخر شهر أكتوبر من عام ٢٠١٢، وهي تتحدث بلغة استعلائية لا تخلو من طبقية وعنصرية اجتماعية عن السيدة نجلاء محمود، حرم الرئيس المصري السابق محمد مرسي. شهور قليلة وسيتم الانقلاب علي الرئيس مرسي في الثالث من يوليو ٢٠١٣، وسيتم اختطافه وحبسه بشكل انفرادي لست سنوات حتى يلقى مصيره في سجن طره نتيجة الإهمال الطبي في ١٧ يونيو ٢٠١٩.

وبقدر وقاحة وفجاجة السؤال طرحته الدكتورة المعروفة في أوساط النخبة المصرية، بقدر ما كان كاشفاً عن طبيعة الأزمة التي تعانيها الأمة المصرية وإن شئت قُل المرض العضال الذي تعاني منه مصر، وهو الانقسام الطبقي والعنصرية الاجتماعية التي تلقي بظلالها على السياسة بحيث يمكن القول، دون مبالغة، بأن أزمة مصر الحقيقية هي في الأصل أزمة اجتماعية ذات وجوه وأعراض سياسية واقتصادية ونفسية…إلخ.

كانت الدكتورة تتحدث عن مصر محددة في ذهنها لا يمكن أن تكون سيدتها الأولى محجبة، فضلاً عن أن تكون مُخمّرة (تلبس الخِمار) أو أن تأتي من الريف أو من "الأقاليم" حسب التعبير الدارج في مصر. تحدثت الدكتورة بنفس الطريقة عن الرئيس مرسي الذي اعتبرته "فلاحاً" (وهو لفظ يحمل دلالات طبقية بغيضة في مصر)، ويفتقد لفنون العلاقات العامة و"الإتيكيت" السياسي، خاصة في لقاءاته مع رؤساء وزعماء الدول الأخرى. وقد ذكرتني بموقف للرئيس مرسي أثناء أحد لقاءاته الرئاسية، أساءت تفسيره وتأويله بشكل يعف لساني عن ذكره أو الكتابة عنه، في حين أنها لم تخجل من ذكره!!

أعرف صديقاً وزميلاً من أيام الجامعة كان قد انتحر قبل عقدين من الزمن، وذلك بعد أيام قليلة فقط من إقصاءه ظلماً من مسابقة الالتحاق بوزارة الخارجية المصرية رغم أنه تجاوز الامتحانين التحريري والشفهي، وذلك بذريعة أنه "غير لائق اجتماعياً"

هذا الموقف البغيض والرافض لـ "الأخر" الاجتماعي لا يخص الدكتورة وحدها، ولكنه متفشٍ وشائع في أوساط النخبة المصرية. قبل أيام حكى لي أحد الأصدقاء من الصحافيين المصريين كلاماً مشابهاً سمعه أثناء حديثه مع إحدى السفيرات المصريات تحدثت بلغة لا تخلو من الاستنكار والاستهزاء بمظهر السيدة زوجة الرئيس مرسي أثناء وجوده في السلطة.

كلام الدكتورة والسفيرة ليس استثناء، وإنما يكاد يكون القاعدة التي يستند إليها أمثالهما في تقييم الناس حسب مظهرهم ولباسهم، ويحاكمون خلفياتهم الاجتماعية، بحيث يفرضون عليهم نوعاً من المحرمات السياسية، يبيحونها لأنفسهم، بينما يحرّمونهم على غيرهم، ومنها مثلاً الالتحاق بالعمل السياسي والدبلوماسي.

أعرف صديقاً وزميلاً من أيام الجامعة كان قد انتحر قبل عقدين من الزمن، وذلك بعد أيام قليلة فقط من إقصاءه ظلماً من مسابقة الالتحاق بوزارة الخارجية المصرية رغم أنه تجاوز الامتحانين التحريري والشفهي، وذلك بذريعة أنه "غير لائق اجتماعياً"، وذلك حسبما جاء نصاً في قرار رفضه. لم يتحمل الشاب القرار، فألقى بجسده النحيل في نهر النيل كي يلقى مصرعه بعدها بساعات، وتظل حكايته دليلاً علي الظلم والقهر الذي تمارسه مصر الدكتورة والسفيرة تجاه شباب مصر من البسطاء والفقراء.

الدكتورة والسفيرة، وأشباههما، يعيشون في مصر تم تصميمها على مقاسهم، ولخدمة مصالحهم، وتلبي احتياجات أبناءهم وذويهم. وهي مصر التي لم تتغبر فيها أقدامهم بتراب الأرض وطينها، ولم يطحنهم فقرها، ولم تأكل أجسادهم أمراضها وأوبئتها المتوطنة. مصر التي وضعت مليارات الدولارات في عاصمة جديدة تحيطها أسوار عالية لا يمكن لأحد دخولها ما لم يكن من أصحاب الحظوة والمكانة الاجتماعية، ويشبه في مظهره ولهجته الدكتورة والسفيرة.

وهي مصر ذاتها التي استهزأت بالبسطاء والفقراء حين انتفضوا قبل شهور بالجلاليب والشباشب من أجل تحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية. وهي مصر ذاتها التي حين يُعتقل ثلاثة ممن يشبهون الدكتورة والسفيرة، ينتفض العالم دفاعاً عنهم حتى يتم إخراجهم، أما حين يُعتقل الآلاف من أشباه "مرسي" وحرمه، فلا تسمع لأحد همساً ولا ركزا!! وهي أيضا مصر التي يُعالج أغنياءها وأكابر قومها في أرقى المستشفيات بالعاصمة من فيروس كورونا المستجد، بينما تُنزع أنابيب التنفس الاصطناعي (الأوكسجين) عن أبناءها من الفقراء بالمحافظات كي يلقوا مصرعهم وذلك كما حدث في محافظتي الشرقية والغربية خلال الأيام الماضية.

أما المدهش في الأمر فليس فقط الخطاب الطبقي العنصري للدكتورة والسفيرة تجاه الآخر الاجتماعي، وإنما أيضا في ازدواجيتهم السياسية وانحطاطهم الأخلاقي. فالدكتورة المذكورة أعلاه كانت تكتب مقالات شبه أسبوعية ناقدة ولاذعة بإحدى الصحف المصرية ضد الرئيس مرسي وجماعته حين كانوا في السلطة، وهو أمر مشروع ومفهوم ومنطقي، ولكنها، مثل الكثير غيرها، قد بلعت لسانها وصمتْت صمت الجبناء، بعد أن وصل الجنرال السيسي إلى السلطة.

وهي الآن مشغولة بالكتابة عن الروايات والمدن والأفراح!! أستاذة أخرى من نفس الفصيلة، كانت تدّرس العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتنتمي لعائلة سياسية معروفة في مصر من مدّعي الليبرالية، لعبت دوراً محورياً في التحريض لانقلاب السيسي، والترويج له لاحقاً بأميركا، وقد أقرّت بذلك علناً بعد شهور قليلة من الانقلاب في لقاء لها بالعاصمة الأمريكية واشنطن. وقد ضَبطُتها شخصياً متلبسة بسرقة إحدى مقالاتي، ونشرها باسمها بجريدة "الحياة" اللندنية عام ٢٠٠٧. والأنكى أنه حين تمت مواجهتها بجريمتها لم تنفها، بل اعترفت بها بوقاحة، وألقت باللائمة على شاب من أوساط فقيرة كان يكتب لها مقالاتها الأسبوعية مقابل أجر زهيد، وهو عذر أقبح من ذنب! فهي لم تسرق فقط المقالات والأفكار، وإنما أيضا العقول والمجهود. فهل بعد هذا انحطاط؟!

إنها مصر التي تبغض أغلبية شعبها، وتحتقره، وتدافع عمن يعتقله، ويُعذّبه، ويسرق قوته، ويُفقره، ويهُّجره. وهي مصر التي إذا سرق فيها الرئيس تركوه، وإذا اشتكى فيها الفقير والضعيف احتقروه، وخوّنوه، وأقاموا عليه الدنيا ولم يقعدوها!! باختصار، هي مصر التي يريد العسكر بقاءها، ليس حباً بها، وإنما كي تُدافع عن حكمهم وبقاءهم في السلطة، وذلك في مواجهة أبناء مصر الأخرى التي يبغضونها ويحتقرونها وهذا هو أصل الصراع ومربه!!

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة