"جزار البلقان" راتكو ملاديتش.. هكذا يتابع البوسنيون الحكم النهائي ضده

خلفت الجرائم المروعة التي ارتكبت إبان حرب البوسنة آلاف الثكالى اللاتي مازال الحزن يملأ قلوبهن لفقدان أحبائهن، منهم ألماسا صالحوفيتش التي قالت للجزيرة نت إنها تفتقد أخاها عبد الله الذي كان لها مثل الأب

ألماسا صالحوفيتش: لن أنسى أخي عبد الله الذي قتله جنود ملاديتش ولا أريد سوى العدالة (مواقع التواصل)
ألماسا صالحوفيتش: لن أنسى أخي عبد الله الذي قتله جنود ملاديتش ولا أريد سوى العدالة (مواقع التواصل)

"لا تطالِبوا أبدًا بالانتقام، بل العدالة، فالقانون والعدالة، نهاية المطاف، أقوى من الفوضى والبلطجة، لكن يجب أن نتحلى بالصبر".

كلمات قالها الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش، شكك بها البعض، وصدقها آخرون، لكن جميع البوسنيين الآن يأملون أن تتحقق مع اقتراب موعد صدور الحكم النهائي على "جزار البلقان" الجنرال راتكو ملاديتش المسؤول عن المجازر المرتكبة ضد مسلمي البوسنة إبّان ما صار يُعرف بـ "حرب البلقان".

واليوم الثلاثاء 8 يونيو/حزيران 2021 هو الموعد الذي حددته المحكمة الجنائية الدولية للنطق بالحكم النهائي، ففي العاصمة سراييفو، يستعد البوسنيون لمتابعة محاكمة السفاح على الهواء من خلال شاشات عرض كبرى سيتم وضعها في قاعة مدينة سراييفو.

أما رابطة أمهات سربرنيتسا فأصرت على متابعة المحاكمة في نفس المكان الذي ارتكب فيه ملاديتش جريمته الكبرى، حيث ستوضع شاشة عرض ضخمة بمركز النصب التذكاري في سربرنيتسا الذي يضم قبور من عثر عليهم من ضحايا المذبحة التي ارتكبها الجنرال القاتل وجنوده في يوليو/تموز 1995.

أهمية المحاكمة

وعن أهمية المحاكمة، تحدث للجزيرة نت الدكتور إرمين كوكا، كبير الباحثين في معهد أبحاث الجرائم ضد الإنسانية والقانون الدولي في سراييفو، وقال إنها "تمثل حدثًا خاصًا، سواء للناجين من الجريمة أو لممارسة القانون الدولي، فهو الشخص الذي أمر ونفذ بشكل مباشر إبادة جماعية ضد البوشناق".

وأضاف أنه من المتوقع، بالإضافة إلى المسؤولية عن الإبادة الجماعية في سربرنيتسا "إدانته بارتكاب إبادة جماعية في 6 بلديات أخرى، مما يعني في النهاية انتصارًا كاملاً للقانون والعدالة".

تاريخ غارق بالدماء

ولا بد في هذه من المناسبة من التعرف على تاريخ السفاح الملطخ، وعلى أهم مجازره ضد الأبرياء من البوسنيين في سربرنيتسا وغيرها، ومسار القضايا التي رفعت ضده في المحكمة الجنائية الدولية.

اختارملاديتش منذ شبابه طريق العسكرية، فالتحق بالمدرسة الصناعية العسكرية ثم تخرج من الأكاديمية العسكرية للمشاة في بلغراد ثم أكاديمية أركان الحرب، وأصبح ضابطا في صفوف الجيش اليوغسلافي، وقد عرف بولائه التام للسلطة الشيوعية، كما عرف بقسوته الشديدة حتى مع المقربين منه.

مع انهيار الشيوعية، وبدء تفكك يوغسلافيا، وفي ظل سعي الصرب لاستخدام القوة لتحقيق حلم صربيا الكبرى، أتيحت له الفرص لشغل مناصب قيادية عسكرية هامة. وكقائد عسكري ميداني، حرص ملاديتش على ترك بصماته الملطخة بالدماء في كل بقعة وصل إليها.

ففي سبتمبر/أيلول 1991، ضمن الجيش اليوغسلافي، عُين قائدا للفيلق الخامس بمنطقة كنين الواقعة غرب كرواتيا التي أعلنت استقلالها حديثا، فقام مع قواته بقصف المدن الكرواتية بالدبابات، وارتكب مذابح مروعة.

وعندما عُين، في أبريل/نيسان 1992، قائدا للجيش الثاني اليوغسلافي ومقره سراييفو، قاد بنفسه فرض حصار محكم حول مدينة سراييفو استمر 1425 يوما.

ملاديتش ارتبط اسمه بمذبحة سربرنيتسا التي قتل فيها أكثر من 8 آلاف مسلم (الجزيرة)

جيش صرب البوسنة

ثم أكمل جرائمه ضد العاصمة البوسنية، بعد تعيينه في 12 مايو/أيار قائدا لما سُمي وقتها "جيش صرب البوسنة" فقام بعمليات ممنهجة لترويع سكان سراييفو من خلال قناصة تم تدريبهم لهذا الغرض، بالإضافة لقصف المدينة بالقنابل والصواريخ بكثافة، مما أسفر عن قتل ما يزيد على 10 آلاف شخص، قُتلوا بالأسواق، وفي طوابير الماء وأمام المخابز، منهم 1601 طفل قُتلوا وهم يلعبون أمام بيوتهم وفي أفنية مدارسهم.

ومن خلال قيادته "جيش صرب البوسنة" حتى نهاية 1995، تمكن ملاديتش من توسيع ملف جرائمه، ليشمل أكثر من 15 بلدية داخل البوسنة والهرسك.

غير أن الجريمة الكبرى -التي ارتبط اسم "جزار البلقان" بها ما يعرف إعلاميا بـ "مذبحة سربرنيتسا" لكنها في الحقيقة أفظع من ذلك بكثير.

فخلال الفترة من 11 إلى 22 يوليو/تموز 1995، ارتكب وجنوده أبشع الجرائم ضد سكان سربرنيتسا العزل، وإبادة جماعية للمسلمين البوشناق. وقتل السفاح وجنوده بشكل ممنهج 8372 مسلم، وشردوا العائلات، وروعوا الأطفال. وارتكبوا جرائم لم يعرفها التاريخ من قبل، فقتلوا الرضع، وبقروا بطون الحوامل، واغتصبوا عجائز جاوزن السبعين من أعمارهن.

جنرالات صرب البوسنة ارتكبوا أبشع الجرائم ضد سكان سربرنيتسا العزل (الجزيرة)

آلاف الثكالى

خلفت تلك الجرائم المروعة آلاف الثكالى اللاتي مازال الحزن يملأ قلوبهن لفقدان أحبائهن، من هؤلاء ألماسا صالحوفيتش والتي قالت للجزيرة نت "أخي عبد الله قُتل في سربرنيتسا، كان عمره 18 عامًا، لقد مات أبي وأنا صغيرة، وكان أخي عبد الله لي مثل الأب، كان يساعد والدتي، وعلمني كيف أصلي، وعلمني الصبر والأخلاق الفاضلة".

وتضيف ألماسا "هل تصدق؟ ليس لدينا ولا صورة واحدة لأخي عبد الله لأن كل شيء قد احترق عندما هربنا. الشيء الوحيد الذي لدينا منه هو مسبحة صنعها بنفسه من الخشب أثناء الحرب وأعطاها لأمّنا، وتمكنت من حفظها وما زالت تحتفظ بها، عندما أصلي، أستخدمها وأتذكره كأني أراه".

"سنة 2008، تم العثور على رفاته في مقبرة جماعية ثانوية، في الحقيقة وجدوا فقط 30% من رفاته. هذا يعني أن القتلة لم يكتفوا بقتله بل قطعوا جثته وأخفوها في عدة أماكن".

"ليت المجرمين الذين قتلوه عرفوه جيدا، إنه لا يستحق القتل، لقد كان إنسانا لطيفا، رقيقا، لن ننسى ما حدث له أبدا. لا نريد سوى العدالة" تختم ألماسا كلامها والدموع تملأ عينيها.

مسار العدالة الدولية

تم تقديم أول لائحة اتهام ضد ملاديتش في 24 يوليو/تموز 1995 إلى المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، التي أنشأها مجلس الأمن، لأول مرة في التاريخ، وفقًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بالقرار رقم 827 الصادر سنة 1993.

شملت لائحة الاتهام جرائم عدة لم تكن من بينها جريمة الإبادة الجماعية في سربرنيتسا، لكنها أضيفت بتاريخ 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1995.

بعد صدور مذكرة التوقيف الدولية، هرب الجنرال القاتل، واختبأ لمدة 16 سنة، قيل إنه كان يتنقل خلالها بين صربيا وروسيا.

وقد قيل إنه بضغط من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، قامت المخابرات الصربية بالقبض عليه في 26 مايو/أيار 2011، وتم تسليمه للمحكمة الدولية في 31 من الشهر ذاته، وبدأت محاكمته في 16 مايو/أيار 2012.

استمرت محاكمة ملاديتش 530 يوما، قدم الادعاء خلالها 9914 دليل اتهام، واستمعت المحكمة إلى 592 شاهدا.

وفي 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، تمت إدانته في 10 تهمٍ من بين 11 تهمة وجهها له الادعاء. وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، وهي أقسى عقوبة ممكنة، حيث لا يوجد الحكم بالإعدام في نظام هذه المحكمة.

وقد شمل الحكم إدانته بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في سربرنيتسا، والاضطهاد العرقي للمواطنين غير الصرب في 15 بلدية بوسنية، وترويع السكان في سراييفو، وانتهاك القواعد الدولية المعمول بها خلال الحروب والنزاعات، بأخذ 284 عضوا من قوة حفظ السلام الدولية رهائن واستخدامهم حائطا بشريا في القتال بسراييفو وغوراجده، وغيرها.

أما التهمة الوحيدة التي تم تبرئته منها فهي جريمة الإبادة الجماعية في 6 بلديات بوسنية أخرى هي: بريدور، سانسكي موست، فوتشا، كوتور فاروش، فلاسينيتسا، كليوتش.

الاستئناف

في 25 أغسطس/آب 2020، تم رفع استئناف ضد الحكم، من كل من الادعاء والدفاع، حيث طالب الادعاء بإدانة ملاديتش بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في البلديات الست، وطالب الدفاع بالبراءة من جميع التهم الواردة في لائحة الاتهام.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من التهاون إزاء الخطابات التي تؤجج معاداة الإسلام وكراهية الأجانب بالغرب، وتزامن ذلك مع الذكرى 25 لمذبحة سربرنيتسا التي ارتكبها الصرب بحق آلاف المسلمين البوسنيين.

11/7/2020
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة