هل تناور مصر أميركا بمقاتلات سوخوي الروسية؟

عدد من طائرات "سوخوي-35" خلال عرض جوي أقيم قرب موسكو عام 2017 (رويترز)
عدد من طائرات "سوخوي-35" خلال عرض جوي أقيم قرب موسكو عام 2017 (رويترز)

بالتزامن مع توجه أميركي يبدو "مناكفًا" لنظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وفق مؤشرات عدة، جددت واشنطن تحذيراتها للقاهرة بشأن احتمال شراء مصر مقاتلات روسية.

وشرعت القاهرة في اتفاق مع موسكو قبل نحو 3 سنوات، لتوريد صفقة تشمل 24 مقاتلة "سوخوي-35" (Су-35) بقيمة ملياري دولار.

وفي أكثر من مناسبة، تحدث مراقبون عن أن مصر اتجهت للصفقة الروسية، ردا على تحفظ أميركي سابق على بيع مصر طائرات "إف-35" (F-35)، في وقت تحرص فيه القاهرة على تنويع مصادر التسليح، مع الالتزام بالحفاظ على العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة.

وفي أحدث تحذيراتها بشأن الصفقة، أبدت واشنطن في 23 فبراير/شباط الماضي قلقها بشأن احتمال شراء مصر المقاتلات الروسية، وذلك في اتصال هاتفي بين وزيري خارجية مصر والولايات المتحدة، حسبما أفاد بيان للخارجية الأميركية.

وعلى الجانب الآخر، لم يتطرق بيان للخارجية المصرية بشأن الاتصال ذاته إلى القلق الأميركي بشأن الصفقة الروسية، مشيرًا إلى تناول العلاقات الثنائية وقضايا إقليمية ودولية.

واتفق محللان سياسيان متخصصان في العلاقات الدولية، على أن القاهرة قد تتجه إلى "تجميد" الصفقة في ضوء التحذيرات الأميركية، في ظل الانتقادات وردود الفعل السلبية من إدارة جديدة تبدو توجهاتها ليست على ما يرام تجاه النظام المصري على خلاف الإدارة السابقة.

في حين رأى محلل سياسي آخر أن مصر تحاول الاحتفاظ بهامش المناورة في ظل ما يتعرض له أمنها القومي من تهديدات معقدة، مشيرًا إلى أن تبعات أزمة فيروس كورونا على النظام الدولي ترجح مزيدا من صعود الدور الصيني والروسي.

تحذيرات ورفض

وسبق أن أبدى برلمانيون مقربون من السلطة المصرية رفضهم للتحذيرات الأميركية في هذا الصدد، مؤكدين أن مصر "دولة مستقلة لا تسمح لأحد بالتدخل في سياساتها الداخلية والخارجية".

وفي تصريحات أواخر 2019 لوكالة "نوفوستي" الروسية، قال عضو لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان المصري يحيى الكدواني، إن ضغوط واشنطن تنتهك المعايير الدبلوماسية.

وتوقع آنذاك عدم استسلام القاهرة للضغوط وعدم تغيير سياستها لإرضاء الولايات المتحدة، مضيفا أن مصر لا تعتزم رفض عروض تعزيز التعاون مع روسيا في جميع المجالات، بما في ذلك المجالات العسكرية.

 

وفي أغسطس/آب 2020، ذكر موقع "الحرة" الأميركي، أن إصرار مصر على إبرام الصفقة قد يجعلها عرضة لفقدان 1.3 مليار دولار قيمة المساعدات العسكرية التي تتلقاها سنويا، بالإضافة إلى خسارة موقعها كحليف للولايات المتحدة.

ورغم الرفض الأميركي لتوجه مصر ناحية الروس عسكريا، فإن إدارة بايدن وافقت قبل أيام على صفقة بيع 168 صاروخا تكتيكيا لمصر بحوالي 200 مليون دولار.

كما التقى قائد القيادة المركزية للجيش الأميركي كينيث ماكنزي، مؤخرًا السيسي بالقاهرة، في لقاء ناقش المصالح الأمنية المشتركة والعلاقات الدفاعية بين البلدين.

رضوخ وترصد

من جانبه، توقع أستاذ القانون الدولي مساعد وزير الخارجية الأسبق عبدالله الأشعل، خضوع القاهرة للتحذيرات الأميركية وعدم المضي قدما نحو إتمام صفقة سوخوي الروسية.

وأوضح أن القاهرة إذا ما خيرت بين موسكو وواشنطن ستخضع في النهاية لواشنطن، لأن الأخيرة هي الأساس سياسيا وعسكريا للأنظمة المتعاقبة على مصر، مشيرًا إلى أنه طالما بقي النظام الحالي ستظل مصر تحت السيطرة الأميركية بصرف النظر عن صفقات السلاح مع روسيا المرصودة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما رأى أن صفقة المقاتلات الروسية ليست بذات أهمية لمصر، لكنها قد تكون ذات أهمية لنظام السيسي، موضحًا أنها قد تكون مكافأة أو تعويضًا لروسيا على إثر الانحياز للنظام المصري، لكنه استدرك بالقول إن روسيا تبقى غير حساسة لمثل هذه الأمور كثيرا.

ووفقا لمشعل فإن الرؤية الأميركية لن تسمح في النهاية للقاهرة بالإفلات من قبضتها نظرًا لأهميتها لإسرائيل وأمنها، فضلا عن خشية واشنطن من وصول الأسلحة الروسية لمصر في ضوء اعتبار موسكو عدوا أساسيا لواشنطن.

تمهل ومناكفة

واتفق محمد حامد، مدير منتدى شرق المتوسط للدراسات السياسية والإستراتيجية (غير حكومي/ مقره القاهرة)، مع الطرح السابق، معتبرًا أن السيناريو الأقرب هو أن تبقى الصفقة مجمدة بحيث لا تشتري القاهرة هذا السلاح في الفترة الحالية، وإن كانت هناك نوايا للشراء ستؤجل.

وقال إن القاهرة تتمهل في إقدامها على شراء الصفقة، تحسبا لرؤية صانع القرار في واشنطن، خاصة أن مصر في حاجة إلى ضغط أميركي على إثيوبيا في ملف سد النهضة، ولتجنب الانتقادات في ملف حقوق الإنسان، وفي ضبط الأمن الإقليمي في مواجهة التمددات التركية والإيرانية والعلاقات مع إسرائيل.

واستشهد في هذا الصدد، بما حدث قبل 3 سنوات عندما طلبت واشنطن من الإدارة المصرية قطع علاقتها بكوريا الشمالية حين كان الخلاف معها في أوجه، حيث استجابت مصر بالفعل وقامت بتعطيل صفقات كان متفقا عليها مع النظام الكوري الشمالي.

ورأى أيضًا أن هناك تحريضا إعلاميا ومن بعض النخب الأميركية لإدارة بايدن للضغط على القاهرة في ملف التسليح الروسي إضافة إلى الملف الحقوقي، بحيث لا يمكن لحليف مثل مصر أن يشتري مثل هذا النوع من السلاح، وعدم تكرار التجربة التركية التي اشترت سلاحا روسيا، أو أن تخرج القاهرة من النفوذ الأميركي.

وفسَّر المساعي المصرية لشراء سوخوي، بأنها تمثل المعادل الروسي للطائرة الأميركية "إف-35" (F-35)، وطالما أن الولايات المتحدة أحجمت عن منحها لمصر فهي تريد أن تضبط توازن القوى في المنطقة لصالح إسرائيل، فبالتالي القاهرة لا ترى غضاضة في شراء هذه الصفقة من هذا المنظور، ويمكن النظر إليها هذا العام في إطار مناكفة إدارة بايدن التي وجهت الكثير من الانتقادات للنظام المصري.

مناورة وعقوبات محدودة

أما الباحث المصري في العلوم السياسية، عمر سمير، فيرى أن الصفقة الروسية تأتي في إطار مساع مصرية سابقة نحو تنويع مصادر التسليح، خصوصًا بعد الرفض الأميركي إمداد مصر بطرازات (F-35)، رغم إبداء استعدادها لتزويد السعودية بها.

ورأى في الرغبة المصرية استقدام سوخوي الروسية، ربما توجيه رسالة لإثيوبيا للضغط من أجل توقيع اتفاق قبل الملء الثاني لخزان سد النهضة، كما أنها قد تكون محاولة لمساومة إدارة بايدن التي بادرت بالضغط في ملف حقوق الإنسان، وهو الملف الأكثر إزعاجا للنظام في مصر.

وتطرق إلى أن الانتقادات الأميركية مفهومة في إطار محاولتها الدائمة للحفاظ على حصتها الكبرى في سوق الأسلحة العالمي وضمان تبعية حلفائها التقليديين.

وأشار إلى أن الإدارة السابقة وجهت تحذيرات باحتمال تطبيق قانون "كاتسا" على مصر حال الاستمرار في الصفقة، في حين ذكرت تقارير صحفية أن القاهرة تسلمت بالفعل عددًا من المقاتلات الروسية، وبالتالي تريد مصر أن تبعث برسالة هي أنها ليست أقل من أنقرة التي تحدت التحذيرات الأميركية بشأن صفقة "إس-400" (S-400) الروسية وهي حليف في الناتو.

كذلك ربما يأتي هذا كنوع من الاحتجاج على الإقصاء الأميركي الإسرائيلي لمصر كوسيط في عملية السلام لصالح الإمارات، بحسب سمير.

وقال إن مصرتحاول دوما الاحتفاظ بهامش مناورة وهو حق موضوعي لها في ظل ما يتعرض له أمنها القومي من تهديدات معقدة في كافة الاتجاهات، كما أن تبعات أزمة كورونا على النظام الدولي ترجح مزيدا من صعود الدور الصيني والروسي ولذا فاتخاذ مثل هذه المواقف ليس سيئا.

كما رأى أن الإدارة الأميركية تلملم أوراقها في المنطقة وغالبا حتى لو فرضت عقوبات على مصر فإن تأثيرها سيظل محدودا ولن تتعمد فرض عقوبات قاسية كي لا يتجه حلفاؤها إلى خصومها.

وقال إن أقصى ما يمكنها فعله أن توقف واشنطن المعونات العسكرية مثلما فعلت في 2014 وتعايش معها النظام، مضيفًا أن النظام المصري قد يتقارب أكثر مع نظيره السعودي للتعويض بحزمة مساعدات إنمائية، وهو الأمر الذي سبق وفعلته الإمارات بتعويض مضاعف في 2014.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أعلنت الخارجية الأميركية أن الوزير أنتوني بلينكن ناقش هاتفيا مع نظيره المصري سامح شكري أهمية التعاون في مكافحة الإرهاب ومبادرات السلام الإقليمية، كما أثار مخاوف بلاده بشأن حقوق الإنسان في مصر.

23/2/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة