لماذا ارتفعت معدلات الجرائم والسرقة في لبنان عام 2021؟

يرفض خبير تنموي الربط آليا بين الأزمة الاقتصادية اللبنانية وارتفاع معدلات الجرائم، لأن "الفقر قد يكون مجرد عامل صغير ضمن سلسلة عوامل أخرى، وأولها غياب الدولة وسهولة الخروج عن القانون".

دفع انفجار مرفأ بيروت وعدم محاسبة المسؤولين عنه لبنان إلى مستويات غير مسبوقة من الانهيار السياسي والاقتصادي (الأوروبية)

بيروت- مع تصاعد الأزمة الاقتصادية في لبنان، تشهد مدنه وبلداته تصاعدا في ظاهرة السرقة بأساليب ومعدلات غير مسبوقة، تطال الأملاك العامة والخاصة، ولا سيما تلك القابلة للبيع -كالخردة- بالدولار في السوق السوداء، حيث تجاوز صرفه سقف الـ23 ألف ليرة، بينما يصرف رسميا بـ1500 ليرة، كرقم وهمي لا يعكس قيمة العملة واقعيا.

ويطبع القلق يوميات اللبنانيين، بعد أن زعزع الانهيار ركائز عيشهم الأساسية، وامتد إلى أمنهم الفردي والمجتمعي، إثر ارتفاع معدلات الجرائم، وازدياد العنف نتيجة تفاقم الحاجات الحياتية وممارسات السلطة وضرب الطبقة الوسطى وتبديد آليات المحاسبة.

داخل أرض بورة التي تجمع أطنانا من مواد الخردة شمال لبنان - الجزيرةأطنان من مواد الخردة تم تجميعها بإحدى المناطق شمالي لبنان (الجزيرة)

شكاوي البلديات

حظيت العاصمة بيروت بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1989 بأمان نسبي مقارنة مع ضواحيها. لكن الأشهر الأخيرة استشرت فيها السرقات بوتيرة مقلقة، وفق تصريح رئيس بلديتها جمال عيتاني للجزيرة نت.

ويتحدث عيتاني عن سرقات غريبة؛ تطال بوابات حديدية وريغارات المجاري (أغطية الصرف الصحي في الشوارع)، "ببيروت وحدها سُرق نحو 300 ريغار، وكلما وضعت البلدية بديلا لها ينتزعها السارقون خلسة".

ويربط رئيس البلدية ارتفاع معدلات السرقة بانقطاع الكهرباء لساعات طويلة وانطفاء الإنارة التي تجعل بيروت حالكة ليلا، "ما ساهم أيضا بسرقة الدرجات النارية ونشل حقائب السيدات". وقال إن استشراء السرقات كبّد البلدية خسائر بعشرات آلاف الدولارات.

وفي شمالي لبنان، يشكو محافظ عكار عماد لبكي للجزيرة نت من ارتفاع مقلق بمعدل السرقات، وتطال مثلا "الأسلاك الكهربائية والسيارات والبطاريات والريغارات والأدوات الزراعية، ناهيك عن اقتحام السارقين بيوتا مهجورة وسرقة مقتنياتها القابلة للبيع".

ويتحدث محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر عن السرقات عينها في بلداته، ويقول إن الأزمة الاقتصادية دفعت الباحثين عن لقمة العيش للسرقة. ويضيف إليها استغلال السارقين المحترفين الأزمة وتهديد سلم السكان الذي يرزحون بين تراجع الأمن والمعاناة المعيشية.

أرقام مقلقة

وكشف تقرير أعدته الشركة "الدولية للمعلومات" اللبنانية عن ارتفاع كبير بمعدلات جرائم السرقة والقتل، وقارنت الشهور العشرة الأولى من 2021 بالفترة عينها من عام 2019، أي قبل أن تتدحرج عجلة الانهيار في لبنان.

وبحسب التقرير -الذي صدر مؤخرا- ارتفعت جرائم السرقة بنسبة 265%، وجرائم القتل 101%. ففي هذه الفترة عام 2019 وقع في لبنان 89 جريمة قتل، بينما وقعت 179 جريمة بالفترة عينها في 2021.

أما السرقة، فارتفعت من 1314 حادثة في 2019 إلى 4804 في 2021. وضرب التقرير مثالا عن ارتفاع معدل سرقة السيارات بنسبة 213%، من 351 سرقة في الفترة المستهدفة عام 2019 إلى 1097 في 2021.

وبالتوازي، تفيد بيانات قوى الأمن الداخلي -في مقارنة بين عامي 2020 و2021- بوجود أرقام مختلفة تعكس تقاربا نسبيا بينهما، لكنها سجلت ارتفاعا كبيرا في معدلات القتل والسرقة مقارنة مع الفترة نفسها قبل خريف 2019.

وبحسب القوى الأمنية، ارتفعت سرقة السيارات بين 2022 و2021 بمعدل 40%، بينما تراجعت عمليات سلب محتوياتها بنحو 16%، وكذلك عمليات النشل انخفضت بنسبة 12.84%. بينما وحدها السرقات، ارتفعت بنسبة 130.8%، وجرائم القتل بنسبة 2.5%.

عام على حراك بيروت ولماذا فشلالفقر والبطالة يعم المناطق اللبنانية بعد عامين من بدء الأزمة والانهيار الاقتصادي (الجزيرة)

انعكاسات اجتماعية

ودفع الانهيار لبنان طوال 2021 نحو دركٍ سحيق مقارنة مع بدايات الأزمة، لأسباب عدة؛ منها الاستعصاء السياسي والحكومي والقضائي، وتحديدا بعد انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020، ورفع الدعم عن المحروقات، وترشيد الدعم عن الأدوية وبلوغ أسعارها أرقاما قياسية، وانحلال الإدارات العامة والمؤسسات التعليمية، وتفشي البطالة وتسريح العمال.

ويطال الفقر نحو 75% من السكان بلبنان، في وقت ارتفعت كلفة السلة الغذائية بحوالي 10 أضعاف، وواصلت الليرة انهيارها، وتدمرت القدرة الشرائية، وأصبح الحد الأدنى للأجور أقل من 30 دولار شهريا، أي أن بعض الأسر تعيش بدولار واحد يوميا.

تقول مها كيال -الأكاديمية والرئيسة السابقة لمعهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية- إن الأزمات التي يمر بها لبنان -وتحديدا منذ نهاية 2019- وضعت سكانه أمام تحديات كثيرة، بعد أن خسروا مقدراتهم، وجعلتهم في سباق يومي مشحون بالقلق والخوف، لتأمين أساسيات عيشهم. وهذا الحال -تقول كيال- يعزز تلقائيا أرضية العنف، "مقابل غياب السلطات، التي لا تضع أفقا للحل وتبشر بالأسوأ".

وتلحظ الأكاديمية أن اللبناني متروك لأجواء عنفية تهيمن على مناخه العام، خصوصا بعد تبديد الطبقة الوسطى التي جسدت سابقا التوازن في المجتمع.

وقالت للجزيرة نت، إن ضرب المنظومة القضائية والأمنية ساهم بتفشي الجريمة، حيث لا يُلاحق السارقون والمجرمون ولا يحاسبون، مقابل الاحتكام للفوضى واضطهاد الأقوى للأضعف، مذكرة أن لبنان شهد جريمة العصر بتفجير المرفأ، والجميع يهرب من المحاسبة. لذا، فإن تغيير السلم القيمي، مقابل تراجع نماذج رافعة للمجتمع بسبب هجرتها أو انكفائها وتفكك الطبقة الوسطى، أضعف سبل حماية اللبنانيين برأيها.

ليس الفقر وحده

من جانب آخر، يرفض أديب نعمة -مستشار لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "إسكوا" (ESCWA) السابق وخبير التنمية المستدامة- الربط آليا بين الأزمة اللبنانية وارتفاع معدلات الجرائم، لأن الأخيرة -برأيه- لا تنتج عن عامل واحد، و"الفقر قد يكون مجرد عامل صغير ضمن سلسلة عوامل أخرى، وأولها غياب الدولة وسهولة الخروج عن القانون".

ويجد نعمة أن البيانات الرقمية لمعدلات الجرائم غير كافية لقراءة واقع المجتمع وتشريح دوافع الجريمة. لأن هذه المعدلات "يجب أن تكون مرفقة ببيانات عن الأفراد وأعمارهم وروابطهم العائلية وخلفياتهم وتركيبة مناطقهم ومهنهم أو مستواهم التعليمي".

وعليه، ينبّه الخبير إلى أن مرتكب جرائم القتل والسرقة يمتلك أمرين؛ عنصر حماية وشعور بالقوة. وقد يستمدهما من غياب الدولة وهشاشة القانون، أو من دوافع أخرى.

لذا، لا يمكن ربط ارتفاع معدلات السرقة والقتل بالفقر، ولا يعني أبدا جموح الفقراء إلى الجرائم، بحسب نعمة، لأن من يرتكبها غالبا ليس فردا وحده، بل شبكة أو "شلّة" وعصابة، و"حتى السرقات الصغيرة من كابلات وريغارات، تتطلب من صاحبها أن يشبّك مع آخرين لبيعها وتسهيل طريقه".

ويذهب نعمة إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن ردة فعل اللبنانيين حول ما أصابهم على المستوى المعيشي، أقل بكثير من المتوقع ولا توازي حجم الأزمة. إذ "لم نبلغ مرحلة العنف القصوى أو المتوسطة، ولو حلت هذه الظروف ببلد آخر، كنا شهدنا مشاهد عنفية وغضب أوسع بمواجهة السلطة وسياساتها".

المصدر : الجزيرة