ساحة الحبوبي.. أحد رموز المظاهرات والاحتجاج بالعراق

ساحة الحبوبي وسط الناصرية حيث تحيط بها خيم المعتصمين (الجزيرة نت)
ساحة الحبوبي وسط الناصرية حيث تحيط بها خيم المعتصمين (الجزيرة نت)

علاء كولي-الناصرية

 
بمساحتها الخضراء المدورة وتمثالها الشامخ الذي يتوسط قلب الناصرية، تمثل ساحة الحبوبي أبرز وأشهر الساحات التي عرفها العراقيون منذ نحو خمسة عقود، حيث تخطت كونها مجرد ساحة ونصب، إلى كونها رمزا ثوريا يلتف حوله المظلومون والمطالبون بحقوقهم منذ سنوات. 

شٌيدت وعليها تمثال السيد الحبوبي عام 1971، وأنجز التمثال النحات عبد الرضا كشيش، حيث مكان الساحة المتميز وسط الناصرية اليوم، أعطى لها رمزية تاريخية كبيرة، بعدما تم اختيار العلامة محمد سعيد الحبوبي وهو شاعر ورجل دين وقائد ثوري ضد الاحتلال الإنجليزي خلال الحرب العالمية الأولى.

العلامة الحبوبي يتوسط الساحة (الجزيرة نت)

ذكريات واحتجاجات
كان شارع الحبوبي المؤدي إلى الساحة يسمى سابقا شارع عكد الهوى (شارع الحب) وهو واحد من أشهر شوارع المدينة القديمة الذي ارتبط بذكريات السكان الذين عاشوا طفولتهم هناك، وبعد أن تم نصب التمثال وبناء الساحة بشكلها الحالي اكتسب تسمية جديدة، حيث سمي الشارع والساحة وبعض البنايات والمؤسسات الحكومية بالحبوبي.

يقول حسن علي خلف المؤرخ والباحث وأحد سكان المدينة القديمة في الناصرية إنه لا يزال يتذكر البدايات الأولى لهذه الساحة وكيف أصبحت اليوم من تطور عمراني كبير، حيث كان المكان الأبرز لتجمع الناس منذ نهاية الخمسينيات.

ويضيف للجزيرة نت أن تمثال الحبوبي رمز وأحد معالم مدينة الناصرية، منذ تأسيس وبناء الساحة ووضع التمثال فيها، حيث ارتبطت بذاكرة الرجل الذي قضى حياته يقاتل الإنجليز وأصبح رمزا للاحتجاج ضد الظلم على مدى أجيال.

ساحة الحبوبي والشارع الممتد إليها كان ذاكرة جميلة حيث اعتاد السكان المحيطون على صخب المظاهرات، كما يقول مصطفى العبودي للجزيرة نت الذي يسكن بالقرب من الساحة، موضحا أنه رغم الحواجز الأمنية وصعوبة التنقل تسير الأمور بشكل جيد.

أنشطة متنوعة
يذكر خلف أن الساحة لطالما احتضنت احتفالات ونشاطات ومظاهرات أهل الناصرية، بدءا من ثورة 1958، إلى انقلابي عامي 1963 و1968، ومظاهرات الأحزاب، على رأسها الحزب الشيوعي واعتراضه على النظام الدكتاتوري، وأيضا شهدت احتجاجات على الحرب مع إيران وصولا إلى الزمن الحاضر وانطلاق ثورة شباب أكتوبر/تشرين الأول 2019.

شهدت الساحة أيضا منذ بدايتها انطلاق الاحتجاجات الوطنية ضد التدخلات الأجنبية آنذاك، إذ كان المواطنون والطلبة يتظاهرون فيها تجاه الكثير من القضايا الوطنية، كما يقول خلف.

وكانت كذلك بمثابة صراع أزلي منذ بداية تأسيس المدينة -بحسب خلف- حيث كانت شاهد عيان على مظاهرات وصراعات الشيوعيين والبعثيين والإسلاميين طوال حقب زمنية، وشهدت أيضا صراع أصحاب رؤوس الأموال والكسبة، وأخيراً احتضنت الشباب الثائر في أكتوبر/تشرين الأول الذين جعلوا منها نصبا نضاليا ورمزا ثوريا مضيئا. 
 

(الجزيرة)

لماذا ساحة الحبوبي؟
تمثل ساحة الحبوبي المكان المناسب لمتظاهري الناصرية، فهي النقطة التي يتفق عليها الجميع ولا يختلف عليها أحد في رفع صوته للمطالبة بحقه، فالحبوبي قائد ثورة ومحتج على أوضاع بلده، وخرج الشباب في احتجاجاتهم الحالية مثلما خرج الحبوبي قبل مئة عام، كما يقول الناشط ليث العامل.

ويضيف العامل -للجزيرة نت- أن ميزة ساحة الحبوبي أنها تجمع أصناف الناس ويقع بقربها الباعة والأطباء والمصورون، فحينما تكون هناك مظاهرة يتجمع الناس للمطالبة بالحقوق بشكل عام.

تحولت الساحة إلى أيقونة، وهي واحدة من سبل التأكيد على الهوية الشعبية العامة للاحتجاج نفسه، لدى فئة كبيرة تحاول أن تؤكد وجودها من خلال العناوين المتفق عليها بشكل عام، كما يقول الناشط علاء الياسري للجزيرة نت.

ويضيف الياسري: كأن هؤلاء الشباب يقولون "من يملك الحضور في هذه الساحات فهو الصوت الأعلى..".

وتشكل ساحة الحبوبي التاريخية "نقطة مضيئة في تاريخ مدينتنا المنكوبة، وهي المكان الأكثر إلهاما لنا نحن المتظاهرين في الناصرية، منها تنطلق الاحتجاجات المنددة بكل شيء سلبي يضر البلاد" كما يقول عماد الحداد الناشط في المظاهرات.

جسر الحضارة بالقرب من ساحة الحبوبي (الجزيرة نت)

أحداث ساخنة
منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كانت الساحة المكان الأبرز للاحتجاجات التي انطلقت في المحافظة، وشهدت منذ أول أيامها مصادمات بين الأجهزة الأمنية والمتظاهرين سقط فيها عشرات الجرحى.
 
وفي 25 أكتوبر/تشرين الأول وعودة المظاهرات من جديد، تحولت الساحة لمركز صمود جديد كما يقول الناشط عماد الحداد، بعد أن قام الشباب بنصب خيام الاعتصام الذي لا يزال حتى الآن يملأ الساحة منذ أكثر من مئة يوم.

وشهد الشارع القريب على ساحة الحبوبي بالقرب من مديرية التربية مواجهات عنيفة بين قوات مكافحة الشغب والمتظاهرين، في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مما أدى لسقوط أكثر من 83 جريحا بين القوات الأمنية والمتظاهرين، بعد إطلاق نار وغاز مسيل للدموع.
 
وتعرضت الساحة في 16 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لاختبار بعد تفجير عبوة محلية الصنع، تم وضعها داخل خيمة للمعتصمين، قُتل على إثرها متظاهر وأصيب 12 آخرون ودمرت الخيمة بالكامل.
 
وكان الأحدث الأبرز الذي شهدته ساحة الحبوبي مهاجمتها من قبل مجهولين في السابع من الشهر الجاري، أطلقوا النار مباشرة على المعتصمين داخل الساحة، وكان النتيجة مقتل متظاهر واحد وإصابة ما يقارب سبعة أشخاص، وتم حرق أكثر من خمس خيام.

وعلى إثر ذلك ازدادت خيم المعتصمين في الساحة ولتكون على امتداد الشارع المؤدي إليها ومن جميع الاتجاهات، ليؤكد المعتصمون أن احتجاجهم مستمر حتى تحقيق المطالب.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة