25 عاما على "وادي عربة".. هل أنقذت الأردن من العطش؟

تدفق المياه على الأردن من جهة نهر اليرموك (الجزيرة)
تدفق المياه على الأردن من جهة نهر اليرموك (الجزيرة)
 محمود الشرعان-عمّان
 
رغم مرور ربع قرن على معاهدة "وادي عربة" للسلام بين الأردن وإسرائيل، فلا يزال ملف حقوق الأردن المائية يثير جدلا في الشارع الأردني، في ظل توقف المشاريع المائية المشتركة.
 
ويمتد الجدل ليصل للمسؤولين الأردنيين، حيث يرى مسؤولون سابقون أن هناك إجحافا وانتقاصا من حقوق الأردن المائية وفق الاتفاقية، بخلاف المفاوض الأردني الذي يؤكد "حصول المملكة على حقوقها المائية وأكثر من ذلك". 
 
وبالعودة إلى وثيقة المعاهدة، تنص المادة السادسة منها على أنه "يتفق الطرفان على الاعتراف بتخصيصات عادلة لكل منهما، من مياه نهري الأردن واليرموك ومن المياه الجوفية لوادي عربة، وذلك بموجب المبادئ المقبولة والمتفق عليها، وحسب الكميات والنوعية المتفق عليها".
 
نظرة تاريخية
وبنظرة تاريخية على الصراع على المياه بين الأردن وإسرائيل، ففي ستينيات القرن الماضي بدأت إسرائيل مشروعها الناقل القُطري، الذي يعد أكبر مشروع للمياه لدولة الاحتلال؛ مهمته الرئيسية نقل المياه من بحيرة طبريا (الواقعة في أقصى الشمال الشرقي على الحدود مع الجولان المحتل) إلى المراكز ذات الكثافة السكانية.
 
ورأت المملكة في المشروع خطة إسرائيلية للسيطرة على المياه في منابع نهر الأردن، وواجه ذلك مشروع أردني عرف باسم "قناة الغور"، أو "قناة الملك عبد الله"، التي أنشئت عام 1963. فالأردن يعد من أفقر أربع دول مائيا على مستوى العالم، ويحصل على نحو 40% من موارده المائية من المياه المشتركة، ومنها المياه المشتركة مع إسرائيل في نهري الأردن واليرموك.
 سد الملك طلال في الأردن في الشتاء حيث وفرة مياه الأمطار (الجزيرة)
الذهاب إلى "وادي عربة"
ما قبل ذهاب الأردن وإسرائيل إلى معاهدة السلام، برزت فكرة إسرائيلية، تتمثل في جلب المياه من البحر المتوسط من حيفا لتوليد طاقة كهربائية من الماء، ثم ضخ المياه إلى نهر الأردن ومن ثم للبحر الميت، وفق ما يكشفه وزير المياه الأردني الأسبق منذر حدادين، الذي هندس ملف المياه بمعاهدة السلام.
 
يقول حدادين للجزيرة نت إن "الأردن بمنافسة المشروع الإسرائيلي، لضمان توصيل البحر الأحمر بالبحر الميت، وتغذيته بالمياه ومنعه من الجفاف، الذي عرف لاحقا باسم ناقل البحرين".
 
ويقول حدادين للجزيرة نت مع بدء التفاوض بين الطرفين عام 1994، وضع الأردن ملفاته المائية على طاولة التفاوض، وتحديدا مشروع "ناقل البحرين" الذي يهدف إلى نقل المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت لتغذيته بالمياه وحمايته من الجفاف، وهو الذي وجد استحسانا دوليا وتم اعتماده في معاهدة السلام.
 
مماطلة إسرائيلية
لكن المشروع المائي الذي انهيت دراسته عام 2002، وأعلن عنه في مؤتمر قمة الأرض للبيئة والتنمية، الذي عقد في جوهانسبيرغ بجنوب أفريقيا. تتهم المملكة إسرائيل "بالمماطلة" في العمل عليه.
 
المماطلة الإسرائيلية تتمثل -حسب رأي الأردن- في اقتراح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مشروعا بديلا عن قناة البحرين، وهو إنشاء خط أنابيب في إسرائيل يربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الميت، بدل البحر الأحمر، إلا أن عمّان رفضت المقترح.
 
ولاحقا نقلت وزارة المياه الأردنية المرحلة الأولى من المشروع، المتمثلة في شبكة لتحلية المياه، من منطقة العقبة (جنوبي المملكة) إلى منطقة الريشة (حدودية)، بعد طلب إسرائيل ذلك، مما شكل كلفة مالية إضافية على الأردن، وقربها من الحدود الإسرائيلية، إلا أن المشروع توقف بعد ذلك، وفق ما كشفه وزير المياه الأردني الأسبق موسى الجمعاني.

وتؤكد وزارة المياه الأردنية للجزيرة نت عدم الوصول إلى أي تفاهمات حول المشروع حتى اليوم.
 
وفي عام 1998 فجرت حادثة تلوث المياه الواصلة من إسرائيل للعاصمة الأردنية عمان أزمة شعبية مع حكومة عبد السلام المجالي، التي اضطرت للاستقالة، وسط تخبط في الروايات المفسرة لسبب تلوث المياه.
 قناة الغور الشرقية القادمة من نهر اليرموك (الجزيرة)
اليرموك.. وحق الأردن
سعى الأردن من خلال معاهدة السلام إلى المحافظة على حقوقه المائية، بيد أن الوزير الجمعاني كشف عن أن الأردن لم يأخذ حقوقه خاصة في ما يتعلق بنهري اليرموك والأردن، في المقابل يؤكد المفاوض منذر حدادين أن المملكة أخذت حقوقها وأكثر.
 
ولم تنص معاهدة السلام على المخصصات المائية للأردن من نهر اليرموك، بينما نصت على حق إسرائيل في ضخ 25 مليون متر مكعب من مياه اليرموك، ويحصل الأردن على ما تبقى، دون تحديد الكمية.
 
يقول الجمعاني إن المعاهدة ذكرت الجانبين الأردني والإسرائيلي، ولم تذكر الجانب السوري الذي يحصل على الحصة الكبرى، المقدرة بأكثر من مئتي مليون متر مكعب سنويا، ويرد المفاوض بأن هذه مشكلة أردنية-سورية، ولا علاقة لإسرائيل بذلك.
 
وتقول وزارة المياه إن الأردن يحصل على حقوقه المائية من نهر اليرموك كاملة، وفقا لمعاهدة السلام، غير أنها لم تذكر الكمية، في حين تؤكد الأمين العام لوزارة المياه السابقة ميسون الزعبي أن الحصة الأردنية "قليلة جدا"، وهو ما يتفق معه الجمعاني، مقدرا الحصة الأردنية بـمئتي مليون متر مكعب سنويا.
 
وتشير الزعبي خلال حديثها مع الجزيرة نت إلى أن إسرائيل أنشأت ستة سدود على عدد من الأودية التي تصب في وادي الرقاد (أهم رافد لنهر اليرموك)، في حين تصل سعة السدود التخزينية إلى 15 مليون متر مكعب سنويا، وهو ما تأخذه من حصة الأردن.
 
البحر الميت مهدد بالجفاف التام في ظل فشل مشاريع تغذيته بمياه البحر الأحمر (الجزيرة)
نهر الأردن
أما في ما يتعلق بالمصدر الأساسي للمياه في المملكة، وهو نهر الأردن، فقد اتفق الجمعاني والزعبي على أن المعاهدة لم تراع الحقوق الأردنية فيه، ووصفه الجمعاني "بالنهر المسروق"، من قبل الجانب الإسرائيلي.
 
ويؤكد الوزير المفاوض حدادين أن الأردن هو المستفيد من معاهدة السلام؛ "فالبروتوكولات التي وقعت بين الجانبين كانت في صالح الأردن، ولو وقعت معاهدة جديدة بين عمّان وتل أبيب فلن يحصل الأردن على ما حصل عليه".
 
وينوه حدادين إلى أنه لا حصة للأردن من نهر الأردن، وإنما حصتها من الروافد فقط، التي تجمع ما مقداره 175 مليون متر مكعب سنويا، التي لا علاقة لها بإسرائيل. في حين يعتقد الوزير الجمعاني أن حصة الأردن الأساسية تم التنازل عنها، معتبرا أنها "المعضلة الكبرى"، إذ تحول تدفق ما يقدر بـ750 مليون متر مكعب سنويا لصالح إسرائيل.
 
مصادر رسمية أردنية تؤكد للجزيرة نت تعاون إسرائيل في حال احتاج الأردن للمياه، وهو ما ينفيه الوزير الجمعاني، مؤكدا أن "إسرائيل غير متعاونة في هذا الملف".
المصدر : الجزيرة