نتف لحى وتهديد بالاغتصاب وسجون سرية.. تعذيب إسرائيلي لفلسطينيين

من مؤتمر صحفي لمؤسسة الضمير حول تعذيب عنيف تعرض له أسرى فلسطينيون أخيرا (الجزيرة)
من مؤتمر صحفي لمؤسسة الضمير حول تعذيب عنيف تعرض له أسرى فلسطينيون أخيرا (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

"أمي صُدمت، لم تستطع التعرف على أبي لكثرة الكدمات في وجهه ورأسه. لم يكتفوا بضربه وشبحه، بل نتفوا شعر لحيته أيضا، كل جزء في جسده أزرق، أصابع يديه وقدميه ظهرت بلون أسود من شدة الضرب".

كان هذا جزءا من شهادة أدلت بها ميس ابنة الأسير الفلسطيني وليد حناتشة للجزيرة نت، الذي اعتقله الاحتلال الإسرائيلي من منزله بمدينة رام الله في الثالث من سبتمبر/أيلول الماضي وخضع لتحقيق قاسٍ استمر ستين يوما.

قالت ميس حناتشة إن والدها تعرض للشبح ساعات طويلة بتثبيت جسده مثنيا إلى الخلف على شكل "موزة"، مع جلوس المحققين على صدره وضربه، مما أحدث كسرا في صدره. ولمدة أسبوعين فقد والدها القدرة على المشي وكان ينقل بين الزنازين والتحقيق بكرسي متحرك.

وفقد حناتشة خلال التعذيب وعيه مرارا، وقال لزوجته "اعتقدت أنني مت عدة مرات". وفي الجولات الأولى كان التحقيق يجرى معه بمركز المسكوبية بالقدس عبر مجموعات مختلفة من المحققين ولمدة ثماني ساعات متواصلة.

وفي معظم فترات التحقيق، مُنع حناتشة من لقاء محاميه بقرار أيدته المحكمة الإسرائيلية العليا وبدعوى أن ملفه "سري للغاية".

وكان حناتشة (50 عاما) يشغل منصب المدير المالي للجان العمل الصحي في الضفة الغربية، وقالت ابنته إن عمله تقديم رعاية صحية أولية للمرضى المحتاجين.

وكانت ابنته تتحدث في أعقاب مؤتمر صحفي عقدته مؤسستا الضمير والحق وممثل عن منظمة العمل الدولية للكشف عن أدلة حول أساليب الاحتلال البشعة وأشكال التعذيب الذي تعرض عشرات الفلسطينيين الذين اعتقلوا في أعقاب عملية تفجير عبوة ناسفة بمنطقة عين بوبين غرب رام الله وأدت إلى مقتل مستوطنة وإصابة إسرائيليين آخرين.

 أسلوب الشبح تعرض له معتقلون من الذكور والإناث خلال الشهور الأخيرة (الجزيرة)

تحرش جنسي واغتصاب
ويهدد الاحتلال عائلة حناتشة بهدم منزلها أيضا، إذ كان اسمه ضمن عدد من الأسرى المتهمين بالمسؤولية عن العملية أو دعمها.

وتعرضت ابنته للاعتقال بعد أيام من اعتقاله، في سياق الضغط عليه كما جرى مع معتقلين آخرين مثل الأسير قسام البرغوثي من قرية كوبر الذي اعتقلت والدته المحاضرة بجامعة بيرزيت وداد البرغوثي وشقيقه للضغط عليه، واعتبره الاحتلال أحد منفذي العملية.

وطرحت مديرة مؤسسة الضمير سحر فرنسيس نماذج للتعذيب الذي تعرض له نحو أربعين معتقلا منذ نهاية أغسطس/آب الماضي -بينهم طلبة جامعات ومدافعون عن حقوق الإنسان ونشطاء سياسيون- وفرض الاحتلال أوامر منع نشر حولهم خلال الشهور الماضية.

وكشفت مؤسسة الضمير عن ممارسة محققي الاحتلال تعذيبا جسديا ونفسيا بحق المعتقلين، إذ لجؤوا إلى عزلهم والتحقيق معهم لفترات طويلة وإلى الضرب المبرح والشبح والحرمان من النوم والتحرش الجنسي وكذلك التهديد بالإيذاء والاغتصاب فضلا عن إلغاء إقامة عائلاتهم في القدس.

وحسب المؤسسة، أدى التعذيب الشديد إلى إصابات خطرة مثل الكسور والإغماء وفقدان الوعي والقيء والنزيف من أنحاء الجسد. وواجهوا تقييما خاطئا من الأطباء الإسرائيليين الذي أيدوا استكمال التحقيق معهم، متجاهلين الأدلة على تعذيبهم.

وأشارت سحر إلى قرار الاحتلال منع النشر حول التحقيق معهم، لثلاثة أشهر على الأقل، ليس بهدف الحفاظ على سرية القضايا، كما أُعلن، بل لمنع فضح أساليب التعذيب التي تعرضوا لها وتواطؤ القضاء الإسرائيلي مع جهاز التحقيق لإخفاء إصاباتهم.

وظهر تعذيب المعتقل سامر العربيد -بصفته أبرز الحالات- إذ بعد يومين من اعتقاله في 25 سبتمبر/أيلول، نُقل في وضع صحي حرج إلى مستشفى هداسا دون إبلاغ محاميه أو عائلته.

نماذج مرسومة من أساليب التعذيب المستخدمة بحق معتقلين فلسطينيين اتهموا بتفجير عبوة ناسفة (الجزيرة)

تحلل عضلات
وأظهر تقرير المستشفى وصوله فاقدا للوعي مع كدمات في جميع أنحاء جسده وكسور في 11 ضلعا مع تحلل للعضلات أدى إلى فشل كلوي وتضرر في الرئتين بفعل الضرب العنيف.

وتقول سحر فرنسيس إن تقرير المستشفى لم يكتب بصورة علمية، كما أنه لم يرفق بصور للأسير، مما يعزز تواطؤ الجهاز الطبي الإسرائيلي مع جهاز التحقيق.

وحسب التقارير التي اطلعت عليها المؤسسة، فقد تعرض الأسير قسام البرغوثي لتعذيب لا يقل عنفا عما واجهه سامر العربيد. ومنذ لحظة اعتقاله الأولى نهاية أغسطس/آب الماضي هاجمه جنود الاحتلال بالكلاب البوليسية وتعرض لضرب شديد على أعضائه التناسلية مما أدى إلى إصابته بجروح ونزيف شديد.

ولمدة شهر كامل من التحقيق معه، كان البرغوثي يبلغ قاضي محاكم التمديد أنه يعاني من النزيف المستمر بسبب تركز الضرب على مكان إصابته.

وبالنسبة للبرغوثي الذي خضع لتحقيق عسكري عنيف لعشرة أيام وتحقيق عام لشهور، فقد نُقل عنه خضوعه لاستجواب في سجن سري بعد نقله من مركز المسكوبية بالقدس، والتحقيق معه من أشخاص مقنّعين ولمدة ثلاثة أيام.

وقبل سنوات كُشف عن وجود سجن سري إسرائيلي سُمي (السجن 1931)، وخضع فيه للتحقيق معتقلون من أسرى الدوريات العرب وقيادات حزب الله مثل عبد القادر عبيد ومصطفى الديراني المعتقلين منذ 1989 وحتى 2004.

وفي حملة التعذيب الأخيرة، لم يقتصر الأمر على الذكور بل تعرضت الأسيرة ميس أبو غوش (21 عاما) وهي طالبة بجامعة بيرزيت، لتحقيق عسكري عنيف وخضعت فيه للشبح لساعات طويلة.

وذكرت مسؤولة الضمير أن المحاكم العسكرية الإسرائيلية كانت على علم كامل بتعذيب المعتقلين، ورغم ذلك كانت تلجأ إلى تمديد توقيفهم أو تأييد منع لقائهم بمحاميهم.

جرائم ضد الإنسانية
وقال المسؤول في منظمة العفو الدولية صالح حجازي، إن التعذيب يشكل جريمة ضد الإنسانية حسب القانون الدولي، مضيفا أن لدى السلطات الإسرائيلية وقواتها سياسة واضحة بممارسة التعذيب.

وأشار حجازي إلى وفاة ثلاثة أسرى فلسطينيين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية خلال عام 2019.

وقال مدير مؤسسة الحق شعوان جبارين، إن ما تعرض له المعتقلون في الحملة الأخيرة يُذكّر بما واجهه الأسرى الفلسطينيون من تعذيب شديد في سنوات الستينيات والسبعينيات بل يزيد عنه.

ورأى جبارين أن أساليب التحقيق تشير إلى قرارات بالتصفية والقتل وخاصة بالنسبة لسامر العربيد.

 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لم تعد صنوف التعذيب وأساليب التحقيق القاسية التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في السجون والمعتقلات حكرا على الكبار فقط بل طالت في الآونة الأخيرة حتى الأطفال الصغار.

يحكي هذا التقرير تجارب ثلاثة فتية فلسطينيين من بلدة أمر شمال الخليل، تعرضوا للتوقيف والتعذيب والتهديد بهدف إجبارهم على الاعتراف برمي الحجارة على الإسرائيليين، وقد تم انتزاع الاعترافات من بعضهم تحت التعذيب، لينال عقوبة السجن فضلا عن الغرامة المالية.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة