الجمال والرعب وأساطير نهاية العالم.. صباح أول قنبلة ذرية صنعت عالما جديدا

قبل 15 ثانية من الساعة 5:30 صباحا في 16 يوليو/تموز 1945، فوق منطقة من صحراء نيو مكسيكو جافة تماما أطلق عليها المسافرون الأوائل والغزاة الإسبان لأميركا اسم "رحلة الرجل الميت"؛ في ذلك اليوم كان هناك وميض سريع لشمس صغيرة تبزغ على الأرض، قبل الفجر بقليل.
كان هذا الفجر الساطع والمبكر هو "اختبار ترينيتي" (الثالوث): أول لقاء للبشرية مع القنبلة الذرية، وفي غضون شهر من هذه التجربة في الصحراء الأميركية، تم إلقاء قنبلتين على اليابان: الأولى سلاح نووي من اليورانيوم على هيروشيما، والثانية سلاح بلوتونيوم على ناغازاكي. وتختلف تقديرات الخسائر بشكل كبير، ولكن ربما مات ما بين 150 ألف إنسان إلى ربع مليون كنتيجة مباشرة، وأصبح نصف القرن التالي مسرحا للمزيد من التجارب النووية حول العالم.
سُردت القصة غير العادية لمشروع مانهاتن النووي الذي أدى إلى هذا الأمر، كثيرا عبر رواية ما جرى منذ إدراك أن الأسلحة الذرية -التي تطلق كميات هائلة من الطاقة عن طريق تفاعل تسلسلي نووي- كانت ممكنة.
وتتضمن القصة رسالة موقعة من عالم الفيزياء الشهير ألبرت آينشتاين (عام 1939)، ينبّه فيها الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت إلى مخاطر برنامج القنابل الذرية الألماني، وبعد دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية إثر الهجوم الياباني على بيرل هاربور، تسارعت وتيرة البرنامج بسرعة لتصبح القصة واقعا.
عالم جديد
استوعب مشروع مانهاتن البرنامج الذري البريطاني، واستند إلى مجموعة من المواهب العلمية، وكان مؤسسة هندسية وصناعية ضخمة عمل فيها حوالي 130 ألف شخص في ذروة نشاطها، وضمت العديد من العلماء الذين فروا من الاضطهاد النازي في أوروبا وكانوا على دراية تامة بما تعنيه القنبلة الذرية، بحسب مقال دانيال كوردل أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة نوتنغهام ترينت البريطانية الذي نشره في موقع ذي كونفيرزيشن (the conversation).
كانت الظروف العالمية قد تغيرت. ففي أواخر عام 1944، عندما تقدمت قوات الحلفاء في جميع أنحاء أوروبا، أصبح من الواضح أن برنامج القنبلة الألماني قد توقف منذ سنوات، وتوفي الرئيس الأميركي روزفلت في أبريل/نيسان 1945، وكانت هزيمة ألمانيا في مايو/أيار من العام نفسه.
وكان "اختبار ترينيتي" لحظة مدهشة، إذ تجمّع العلماء والعسكريون والمراقبون في مخابئ للمراقبة وقاعدة على بعد 10 أميال (16.1 كيلومترا)، وآخرون على بعد 20 ميلا (32.2 كيلومترا). وبين عشية وضحاها، اجتاح الرعد والبرق والمطر المنطقة بطريقة غير متوقعة قبل ساعة الصفر، مما عرض الاختبار للخطر، واستعد محافظ نيومكسيكو لإعلان الأحكام العرفية في حال مضت الأمور بشكل خاطئ.
وغالبا ما تنتهي رواية قصة مشروع مانهاتن باستخدام القنبلة المثير للجدل وإلقائها على اليابان، أو تمضي في الحديث عن تسرب الأسرار الذرية وأول اختبار نووي سوفياتي عام 1949. لكن بعد مرور 71 عاما، يمكن التفكير فيما عنته لحظة الصباح الباكر في الصحراء النائية. عندما واجه البشر لأول مرة ظواهر كانت تلاحق خيال زمن الحرب الباردة.
الجمال المرعب
وعلى الرغم من أن هذه كانت تجربة إنسانية جديدة و"لم تتناسب مع أي مفاهيم مسبقة يملكها أي أحد"، فقد تمت معالجتها من خلال تقاليد ثقافية عريقة، وأصبحت قصة أصيلة في ما يسمى "الأساطير النووية"، وبدا أن الجميع يشاهدون ميلاد عصر جديد هو عصر "الطاقة الذرية".

ويعود الكتّاب مرارا وتكرارا إلى ترينيتي كلحظة ملهمة للعديد من المعاني، وحتى في القرن 21 وردت في روايات عديدة، وتم استلهام اللحظة من قبل شعراء مثل جون دون وعلى خشبة المسرح وحتى في مقطوعات الموسيقى في أنواع تتراوح من الروك إلى الأوبرا .
ويوضح هذا الانبهار بالاختبار النووي كيف أنها ليست لحظة تاريخية مهمة فحسب، بل إنها لحظة ثقافية مهمة أيضا. عندما تسللت الشمس فوق الأفق بعد دقائق قليلة من الاختبار، لم يكن هناك شك لدى العديد من الحاضرين في أنها ترتفع في عالم جديد، وربما استلهم مدير مشروع مانهاتن النووي اسمه "ترينيتي" (الثالوث) من قصيدة للشاعر الإنجليزي المسيحي جون دون (1572-1631) الذي كانت قصائده ملهمة للكثير من الأميركيين.
في كل روايات شهود العيان والخيال، توصف تجربة "اختبار ترينيتي" بأنها لحظة تشير إلى الانتقال من عصر ما قبل النووية إلى عصر نووي، مع إحساس بالنشوة والطرب لأن تجربة اللقاء مع الضوء المبهر والقوة المؤثرة على الحواس ذات تأثير معنوي هائل؛ إذ تفاجأ المراقبون من ضخامة الضوء الساطع وارتفاعه، وقال جيمس كونانت رئيس جامعة هارفارد "كانت السماء مليئة فجأة بضوء أبيض مثل نهاية العالم".
واستخدم العديد من الصحفيين آنذاك استعارة "الشمس"، وقال ويليام لورانس من صحيفة نيويورك تايمز أثناء مراقبة الاختبار من مسافة 20 ميلا إنه "شروق شمس لم يسبق له مثيل، الشمس المشرقة العظيمة تتسلق في جزء من الثانية إلى ارتفاع أكثر من 8 آلاف قدم، وترتفع لأعلى من أي وقت مضى حتى تلمس الغيوم، وتضيء الأرض والسماء في كل مكان مع إبهار شديد".
وفي قصيدة جون كاناداي يقول "اندلعت الشمس"، وفي رواية "لوس ألاموس" يقول البطل إنه أغلق عينه لثانية "لكنه كان موجودا على أي حال؛ فهذا الضوء المذهل، بدا كما لو أنه لا يحتاج إلى رؤية للوجود".
ورأى لورانس -الذي فازت تقاريره عن القنبلة بجائزة بوليتزر– أن ترينيتي يبلور علاقة جديدة مع الكون، وكتب " تم تحرير قوة العناصر الكيميائية من روابطها بعد تقييدها لمليارات السنين"، حيث استخدم البشر لأول مرة مصدر طاقة "ليس له أصل شمسي".
جذور الأساطير
وكان استدعاء الأساطير لوصف التجربة النووية شائعا، فقصص اكتساب الإنسان للمعرفة والسلطة لها جذور عميقة في الثقافة الغربية. وفي الأسطورة اليونانية يسرق بروميثيوس النار من الآلهة ويعاقب من خلال تقييده إلى صخرة، وسميت واحدة من أهم السير الذاتية لروبرت أوبنهايمر -مدير مختبر لوس ألاموس الذي نفذ المشروع- "بروميثيوس الأميركية".
وأشار أوبنهايمر بنفسه إلى أسطورة بروميثيوس، وجرى استدعاء التقاليد المسيحية عن اكتساب المعرفة بكثافة في النقاشات التي أعقبت تجربة ترينيتي، وقال أوبنهايمر في محاضرة عام 1947 إن "علماء الفيزياء عرفوا الخطيئة"، وهو تعبير أثار الكثير من الجدل بين زملائه، واعتبره بعضهم إشارة لمخاوف واسعة النطاق حول العلاقة بين البشر وتقنياتهم والأرض.
وتستدعي القصص حول الانفجار الذري أيضا التقليد الجمالي "الرومانسي" الذي كان رائجا في المجتمعات الغربية في الفترة الرومانتيكية في القرن 19، إذ جرى النظر إلى تجربة الطبيعة بمزيج من أوصاف الوحشية والعظمة والجمال، ومشاعر مثل تلك التي قد تنتاب الإنسان في أثناء مواجهة عاصفة بحرية على سبيل المثال.
وتؤكد الرومانسية على قوة المشاعر والعواطف والخيال الجامح، وتركز على مشاعر مثل الخوف والرعب والهلع والألم إلى جانب التجربة الجمالية، وهو المزيج الذي يبلغ ذروته في تجربة القنبلة الذرية "الجميلة والمرعبة".
وفي أوصاف العلماء الذين راقبوا التجربة، كانت الألفاظ "رائع، وجميل، ومرعب" متداولة بكثرة، وفي رواية للأديبة الأميركية إلين كلاجيس يصف أحد شهود التجربة ما جرى قائلا "كان جميلا.. لقد كان مرعبا"، بحسب ما نقله أستاذ الأدب الإنجليزي دانيال كوردل.
وقال عالم الفيزياء الذي شارك في التجربة فريش فاريل إن الاختبار بدا وكأنه "الجمال الذي يحلم به الشعراء العظماء، لكنه يتم وصفه بشكل فقير وغير كافٍ"، وأضاف "أضاءت البلاد كلها بضوء شديد بكثافة أشعة الشمس في منتصف النهار. كانت الأضواء ذهبية وبنفسجية ورمادية وزرقاء. أضاءت كل قمة جبل وصدع وسلسلة من الجبال القريبة بوضوح وجمال لا يمكن وصفه، ولكن يجب أن ينظر إليه على أنه بالإمكان تخيله".
وقال جورج كيستياكوسكي الذي قاد المجموعة التي قامت ببناء عدسات للتجربة، إن ترينيتي " أقرب شيء إلى يوم القيامة يمكن للمرء أن يتخيله".