عام على سقوط الفاشر.. أسواق ومرافق تعليمية وصحية لا تزال تحت وطأة الدمار

حفظ

تم تهجير الآلاف بعد الهجوم على الفاشر (رويترز)
الآلاف من المدنيين تعرضوا للتهجير القسري بعد الهجوم على الفاشر (رويترز)

بعد عام على سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان، تكشف صور الأقمار الصناعية استمرار آثار الدمار الواسع الذي لحق بمرافق مدنية وحيوية خلال المعارك والحصار الذي سبق سقوط المدينة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، دون ظهور مؤشرات واضحة على إعادة تأهيل المواقع التي شملها الرصد حتى أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وتُظهر المقارنات الفضائية أن مباني تجارية وتعليمية وصحية، كانت تحتفظ بهياكلها وأسقفها قبل اشتداد المعارك، تحولت خلال الحصار إلى منشآت مدمرة، قبل أن تكشف أحدث الصور عن استمرار وجود الأنقاض واختفاء أجزاء واسعة من أسقف المباني، بعد نحو عام من تبدل السيطرة العسكرية.

قصص مقترحة

list of 1 itemend of list

وفي هذا السياق، أجرت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مقارنة زمنية لصور الأقمار الصناعية الملتقطة في مايو/أيار 2023 ويناير/كانون الثاني 2025 وأكتوبر/تشرين الأول 2026، لتوثيق التحولات العمرانية التي شهدتها المدينة خلال ثلاث مراحل رئيسية ما قبل حصار الفاشر، وأثناء العمليات العسكرية، ثم بعد مرور نحو عام على سيطرة الدعم السريع.

وشمل الرصد مربعات تجارية وتعليمية في محيط السوق الكبير، إلى جانب مركز غسيل الكلى، للكشف عن حجم الأضرار التي لحقت بهذه المنشآت، ومدى التغير الذي طرأ على حالتها خلال الفترة اللاحقة لسقوط المدينة.

وتأتي هذه المعطيات بالتزامن مع تحذيرات حقوقية حديثة من استمرار الانتهاكات والقيود على وصول المساعدات الإنسانية إلى الفاشر، رغم مرور عام على سيطرة الدعم السريع عليها.

صورة فضائية من وسط الفاشر تظهر الثقوب في الأسقف جراء القصف خلال فترة حصار الدعم السريع. بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (فانتور)
صورة فضائية من وسط الفاشر تُظهر الثقوب في الأسقف جراء القصف خلال فترة حصار الدعم السريع، بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (فانتور)

من مدينة عامرة إلى مبان مدمرة

تكشف صور الأقمار الصناعية الملتقطة في مايو/أيار 2023 لمنطقة السوق الكبير في وسط الفاشر عن امتداد صفوف متجاورة من المحال التجارية والمباني، وتظهر المباني في هذه المرحلة محتفظة بأسقفها وهياكلها الظاهرة، دون آثار دمار في المواقع التي شملتها المقارنة، بجانب حركة كبيرة لمركبات المواطنين.

إعلان

لكن الصورة الملتقطة في يناير/كانون الثاني 2025 تكشف تغيرا كبيرا في المنطقة نفسها، إذ تظهر أسقف مفقودة أو منهارة في عدد من المحال، إلى جانب آثار احتراق، وتجمعات من الأنقاض داخل المربعات التجارية وعلى امتداد بعض الممرات.

وتوثق هذه التغيرات حجم الأضرار التي لحقت بالسوق خلال الفترة التي شهدت تصاعد المعارك والحصار والاستهدافات بواسطة القصف المدفعي ومسيّرات الدعم السريع.

مقارنة لحالة المباني التجارية والمركبات في السوق الكبير خلال مايو/أيار 2023 ويناير/كانون الثاني 2025 (إيرباص / جوجل إيرث)
مقارنة لحالة المباني التجارية والمركبات في السوق الكبير خلال مايو/أيار 2023 ويناير/كانون الثاني 2025 (إيرباص/ غوغل إيرث)

وفي أحدث صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، لا تزال المباني نفسها تظهر بأسقف مفقودة وهياكل متضررة، مع استمرار وجود الأنقاض في مواقعها واختفاء حركة المركبات.

ولا تكشف المقارنة بين يناير/كانون الثاني 2025 وأكتوبر/تشرين الأول 2026 عن تغيرات عمرانية واضحة تشير إلى إعادة بناء واسعة في المربعات التجارية التي شملها الرصد، رغم مرور نحو عام على سيطرة الدعم السريع على المدينة.

استمرار ظهور دمار الأسقف في المباني التجارية داخل السوق الكبير واختفاء المركبات. 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (فانتور)
استمرار ظهور دمار الأسقف في المباني التجارية داخل السوق الكبير واختفاء المركبات، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (فانتور)

اختفاء الأسقف وبقاء الركام

في مربع آخر بالقرب من السوق الكبير، تُظهر صور مايو/أيار 2023 مبنى مدرسيا تحيط به مجموعة من المحال التجارية، مع أسقف سليمة ومساحات مفتوحة تفصل بين المنشآت.

وتكشف صورة يناير/كانون الثاني 2025 اختفاء أجزاء واسعة من أسقف المبنى المدرسي والمحال المجاورة، وظهور آثار دمار داخل حدود المنشآت، إلى جانب تغير واضح في الأسطح والمناطق المحيطة بها.

مقارنة فضائية توثق تغير حالة مبنى مدرسي ومحلات تجارية مجاورة للسوق الكبير بين مايو/أيار 2023 ويناير/كانون الثاني 2025 (إيرباص / جوجل إيرث)
مقارنة فضائية توثق تغير حالة مبنى مدرسي ومحال تجارية مجاورة للسوق الكبير بين مايو/أيار 2023 ويناير/كانون الثاني 2025 (إيرباص/ غوغل إيرث)

أما صورة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فتُظهر استمرار الأضرار في المواقع نفسها، مع بقاء أجزاء من الهياكل مكشوفة وعدم ظهور إعادة تأهيل واضحة للأسقف المتضررة.

وتوضح المقارنة أن الأضرار كانت موجودة بالفعل خلال الحصار، قبل سيطرة الدعم السريع على المدينة، وأن آثارها ظلت ظاهرة بعد مرور عام كامل.

استمرار الدمار في المبنى المدرسي ومحلات تجارية مجاورة للسوق الكبير بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (فانتور)
استمرار الدمار في المبنى المدرسي ومحال تجارية مجاورة للسوق الكبير بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (فانتور)

مركز غسيل الكلى.. مرفق طبي مدمر

وامتدت الأضرار التي رصدتها الأقمار الصناعية إلى البنية التحتية الصحية التي كانت تقدم خدمات أساسية لسكان الفاشر.

ففي صور مايو/أيار 2023، يظهر مبنى مركز غسيل الكلى محتفظا بهيكله الرئيسي، وبالمقارنة مع صورة يناير/كانون الثاني 2025، يظهر تغير كبير في حالة المبنى، تمثل في اختفاء معظم السقف وانكشاف المساحات الداخلية، إلى جانب ظهور مناطق داكنة وأنقاض داخل حدود المنشأة.

وتشير هذه التغيرات إلى تعرض المبنى لأضرار هيكلية واسعة خلال الفترة الفاصلة بين الصورتين، في وقت كانت فيه المدينة تشهد حصارا وعمليات عسكرية متصاعدة من قوات الدعم السريع.

مقارنة فضائية لمركز غسيل الكلى في الفاشر تظهر اختفاء السقف الرئيسي وتضرر المبنى بين مايو/أيار 2023 ويناير/كانون الثاني 2025 (إيرباص / جوجل إيرث)
مقارنة فضائية لمركز غسيل الكلى في الفاشر تُظهر اختفاء السقف الرئيسي وتضرر المبنى بين مايو/أيار 2023 ويناير/كانون الثاني 2025 (إيرباص/ غوغل إيرث)

وفي صورة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، لا يزال المركز يظهر دون سقفه الرئيسي، مع استمرار وجود الأنقاض والأضرار في هيكله، دون مؤشرات بصرية واضحة على تنفيذ أعمال إعادة تأهيل واسعة للمبنى.

صورة فضائية لمركز غسيل الكلى في الفاشر تظهر استمرار الأضرار في أكتوبر/تشرين الأول 2026 (فانتور)
صورة فضائية لمركز غسيل الكلى في الفاشر تُظهر استمرار الأضرار في أكتوبر/تشرين الأول 2026 (فانتور)

حصار امتد 18 شهرا

بدأت المعارك الواسعة في الفاشر خلال مايو/أيار 2024، عندما تصاعدت المواجهات بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى، قبل أن تتطور إلى حصار طويل فرض قيودا شديدة على دخول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية.

إعلان

وخلال الأشهر التالية، تعرضت أحياء سكنية وأسواق ومرافق صحية للقصف والهجمات، في حين تدهورت الخدمات الأساسية بوتيرة متسارعة، مع استمرار نزوح السكان من المناطق المتضررة.

وفي تقرير نشرته وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء في فبراير/شباط 2025، استنادا إلى مصادر إنسانية وطبية، ورد أن المستشفيات في الفاشر تعرضت لهجمات متكررة خلال عام 2024، وأن منظمة أطباء بلا حدود سجلت تعرض مستشفيات المدينة للقصف 11 مرة بين 10 مايو/أيار ومنتصف أغسطس/آب من العام نفسه.

وأشار التقرير إلى أن المرافق الصحية والأسواق تعرضت لأضرار مرتبطة بالعمليات العسكرية، بما في ذلك قصف منسوب إلى قوات الدعم السريع.

دمرت العديد من المباني في الفاشر جراء القتال (صورة أرشيفية - مواقع التواصل)
تدمير العديد من المباني في الفاشر جراء القتال (مواقع التواصل – أرشيف)

وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، سيطرت قوات الدعم السريع على مقر الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش السوداني، قبل إحكام سيطرتها على المدينة، التي كانت آخر مركز رئيسي للجيش في إقليم دارفور.

وأعلنت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في اليوم التالي تلقي تقارير عن عمليات إعدام ميداني وانتهاكات واسعة بحق المدنيين عقب تقدم قوات الدعم السريع، محذرة من خطر وقوع أعمال عنف ذات دوافع عرقية.

أكثر من 6 آلاف قتيل خلال الأيام الأولى

في 13 فبراير/شباط 2026، أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقريرا بشأن الهجوم النهائي الذي شنته قوات الدعم السريع على الفاشر خلال الفترة من 24 إلى 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

واستند التقرير إلى مقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهدا في شمال السودان وشرق تشاد، ووثق مقتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم، بينهم ما لا يقل عن 4400 داخل الفاشر وأكثر من 1600 على طرق الخروج من المدينة.

وأكدت المفوضية أن العدد الفعلي للضحايا خلال الهجوم الذي استمر أسبوعا يُرجَّح أن يكون أعلى بكثير من الحصيلة الموثقة.

وخلص التقرير إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات واسعة ترقى إلى جرائم حرب وقد تشكل جرائم ضد الإنسانية، شملت عمليات قتل جماعي وعنف جنسي واختطاف واعتداءات على المدنيين أثناء محاولتهم الفرار.

طفل يجلس بجوار موقد في الطويلة بعد أن فرّت عائلته من الفاشر. (أرشيف - اليونيسيف)
طفل يجلس بجوار موقد في مدينة الطويلة بعد فرار عائلته من الفاشر (اليونيسف – أرشيف)

انهيار القطاع الصحي

تزامن الدمار الذي رصدته الصور الفضائية في مركز غسيل الكلى مع انهيار واسع في قدرة المؤسسات الصحية بمدينة الفاشر على تقديم الخدمات.

ففي 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أدانت منظمة الصحة العالمية تقارير عن مقتل أكثر من 460 مريضا ومرافقا داخل مستشفى الولادة السعودي في الفاشر، إلى جانب اختطاف 6 من العاملين الصحيين.

وأوضحت المنظمة أن المستشفى -الذي كان آخر مرفق يعمل جزئيا في المدينة- تعرض لهجوم في 26 أكتوبر/تشرين الأول، أسفر عن مقتل ممرض وإصابة 3 عاملين صحيين آخرين، قبل ورود التقارير عن عمليات القتل والاختطاف بعد يومين.

وحذرت المنظمة من أن استمرار العنف والحصار والجوع وانتشار الأمراض أدى إلى انهيار نظام صحي كان يعاني أصلا نقصا حادا في الإمكانات.

لاجئون سودانيون يصلون إلى بلدة أدري الحدودية في تشاد. (صورة أرشيفية - الأمم المتحدة)
لاجئون سودانيون يصلون إلى بلدة أدري الحدودية في تشاد (الأمم المتحدة – أرشيف)

بعد عام.. أقل من 70 ألف شخص في الفاشر

بعد مرور عام على سيطرة الدعم السريع، لا تزال الأوضاع الإنسانية في الفاشر شديدة التدهور، بحسب أحدث التقارير الحقوقية.

ففي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قالت منظمة العفو الدولية إن المدنيين المتبقين في المدينة يواجهون الاعتقال التعسفي والتعذيب والقيود على الوصول إلى المساعدات الإنسانية، إلى جانب استمرار مراقبة تحركات السكان والعاملين في المجال الإنساني.

وبحسب الأرقام التي نقلتها المنظمة عن جهات إنسانية تعمل في المدينة، بقي أقل من 70 ألف شخص في الفاشر، مقارنة بأكثر من مليون نسمة قبل الحرب.

إعلان

واستندت المنظمة إلى مقابلات أجرتها خلال أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2026 مع 25 شخصا، بينهم سكان غادروا الفاشر مؤخرا وعاملون في المجال الإنساني.

ونقل التقرير شهادات عن استمرار تضرر المدارس والمستشفيات والمرافق الحكومية، وتحويل بعض المدارس إلى أماكن احتجاز، في ظل قيود مشددة على حركة السكان.

المصدر: الجزيرة

إعلان