بين خائف ومرحب ومشكك.. النازحون في مخيمات العراق بعد قرار حكومي بإغلاقها

حفظ

"لا أعلم ماذا أفعل، لا أملك أي شيء وأنا مسؤولة عن عائلة من 12 فردا". بهذه الكلمات تصف الحاجة النازحة فوزية أحمد حالها للجزيرة نت، وهي تتهيأ لمغادرة مخيم حمام العليل للنازحين (جنوبي الموصل) بعد قرار الحكومة العراقية إغلاق العديد من المخيمات.

الحاجة التي كان لها 3 أبناء تطوعوا للقتال مع تنظيم الدولة الإسلامية وقتلوا خلال الحرب، تضيف -للجزيرة نت- أنها لا تواجه مشكلة في العودة إلى منطقتها الأصلية في أحد أحياء الموصل الفقيرة، غير أنها وبسبب خروجها من المخيم ستكون مسؤولة عن إعالة جميع أسر أولادها القتلى مع عدم قدرتها على استئجار بيت، مؤكدة أنها مكرهة على مغادرة المخيم.

بعض النزاحين وهم يحرقون ما لا يحتاجونه من متاع قبيل مغادرتهم المخيم
بعض النازحين وهم يحرقون ما لا يحتاجونه من متاع قبيل مغادرتهم مخيم حمام العليل (الجزيرة نت)

أما النازح الحاج حسين دخيل فرحب بقرار الحكومة إغلاق المخيمات، غير أنه يطالب في الوقت ذاته بتوفير ملاذ آمن له ولعائلته في منطقته الأصلية في سنجار على الحدود العراقية السورية، حيث يؤكد أن جميع القرى باتت خربة وسط عدم قدرته على العودة إليها بسبب سيطرة جهات وصفها بـ"غير المنضبطة" على المنطقة.

ويضيف دخيل -للجزيرة نت- أنه سيستعين بالخيام التي سيأخذها من المخيم لتكون مأوى له في منطقة ما في محافظة نينوى، وكله أمل في أن تستمر وزارة الهجرة والمهجرين بتقديم المساعدات المالية والغذائية بعد خروجه من المخيم.

إغلاق المخيمات
يأتي إغلاق بعض مخيمات النازحين في العراق عقب كشف وزيرة الهجرة والمهجرين إيفان فائق عزم وزارتها إغلاق 4 مخيمات للنازحين في محافظات نينوى وكركوك (شمال) والأنبار (غرب) وديالى (شرق)، كمرحلة أولى.

الوزيرة -في حديثها لوكالة الأنباء العراقية- أشارت إلى أن مشكلة استمرار المخيمات كانت بسبب رفض العشائر عودة النازحين، لكن الحكومة توصلت إلى اتفاق مع العشائر يفضي إلى عودة النازحين إلى مناطقهم، مؤكدة استمرار دعم النازحين العائدين بالمساعدات المالية والغذائية.

طفلان داخل مخيم حمام العليل وتظهر البراءة عليهما- سيخرجون من المخيم بعد يومين، علما أنهما ولدا داخل المخيم.jpg
طفلتان ولدتا في مخيم حمام العليل ستخرجان من المخيم بعد يومين (الجزيرة نت)

إغلاق على مراحل
من جهته، يكشف وكيل وزارة الهجرة والمهجرين كريم النوري عن خطة وزارة الهجرة في إغلاق مخيمات النازحين في البلاد، إذ يؤكد أن وجود المخيمات كان لظروف استثنائية تتعلق بسيطرة تنظيم الدولة على محافظات عراقية عدة، ومن ثم مع انتهاء ذلك لم يعد ما يدعو لهذه المخيمات.

إعلان

النوري -في حديثه للجزيرة نت- كشف عن أن أوامر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بإغلاق المخيمات كانت طوعية دون إكراه، مع استمرار دعم وزارة الهجرة للعائدين، لافتا إلى أن من يرفضون العودة سيُحوّلون إلى مخيمات أخرى.

ويضيف النوري للجزيرة نت أن وزارته أغلقت في الأيام الماضية جميع مخيمات محافظات كركوك وكربلاء وديالى وبغداد، وأن الحكومة ستعمل مع حكومة إقليم كردستان على إغلاق المخيمات هناك، مشيرا إلى أن عدد الأسر النازحة انخفض من 900 ألف عائلة قبل سنوات إلى نحو 50 ألف عائلة (250 ألف نازح) غالبيتهم في كردستان.

الحاجة فوززي أحمد مع زوجة ابنها في مخيم حمام العليل وهي تستعد لمغادرة مخيم حمام العليل
الحاجة فوزية (يسار) مع زوجة ابنها في مخيم حمام العليل وهي تستعد لمغادرة المخيم (الجزيرة نت)

وامتنع العديد من المسؤولين الحكوميين عن الحديث بشأن النازحين الذين لن يستطيعوا العودة إلى مناطقهم بسبب سيطرة فصائل مسلحة عليها في مناطق متفرقة من العراق كمدينة جرف الصخر في محافظة بابل (جنوبي بغداد)، ومناطق يثرب وغيرها في محافظة صلاح الدين (شمالي بغداد).

وبالحديث عن محافظة نينوى ونازحيها الأكبر عددا، يشير مدير دائرة الهجرة والمهجرين في نينوى خالد عبد الكريم إلى وجود 5 مخيمات في المحافظة هي حمام العليل، والسلّامية، وسنجار، والجدعة الأول والخامس، مؤكدا أن المرحلة الأولى قد اكتملت بإغلاق مخيم حمام العليل والجدعة الأول، مع الشروع بإغلاق ودمج العائلات التي ترفض العودة في مخيم الجدعة الخامس.

الحاج حسين دخيل وهو ينظر النظرة الاخيرة للمخيم قبيل مغادرته
الحاج دخيل وهو ينظر النظرة الأخيرة للمخيم قبيل مغادرته (الجزيرة نت)

عبد الكريم -في حديثه للجزيرة نت- أوضح أن مخيمي السلامية وسنجار سيغلقان بعد حل مشكلة سنجار الذي بدأت الحكومة بتطبيع أوضاعه قبل أسبوعين، لافتا إلى أن جهود وزارة الهجرة ستتحول إلى المناطق التي سيعود إليها النازحون، وأن أكثر من ألفي عائلة عادت إلى مناطقها خلال المرحلة الأولى.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن السبب الحقيقي لإغلاق المخيمات يتمثل بأن أعدادا كبيرة من النازحين لم يكن لديهم سبب مادي أو عشائري لاستمرار نزوحهم، ومن ثم جاء قرار إغلاق المخيمات لتخفيف العبء المالي عن الدولة ولضمان توزيع موارد الوزارة بعدالة، وفقا له.

أما رئيس لجنة حقوق الإنسان البرلمانية أرشد الصالحي فيرى من جانبه ضرورة أن تكون عودة النازحين طوعية، وأن لا تستخدم الحكومة الإكراه والقسوة في إعادتهم إلى مناطقهم، خاصة الذين فقدوا دورهم وممتلكاتهم خلال الحرب.

ويعلق الصالحي -في حديثه للجزيرة نت- على أن لجنته تتابع عن كثب ملف إعادة النازحين، مبينا أن هناك كشوفات رسمية يوقع عليها النازحون الراغبون بالعودة الطوعية.

رفض عشائري
على الجانب الآخر، وبينما تؤكد الحكومة ووزارة الهجرة أن اتفاقا جرى مع شيوخ العشائر للسماح بعودة النازحين، خاصة العائلات التي لديها قرابة مع مقاتلي تنظيم الدولة، ينفي شيوخ عشائر حصول أي اتفاق.

صورة حصرية مرسلة من قبله - الشيخ نايف المرير اللهيبي - أحد شيوخ عشائر حجنوب الموصل
اللهيبي أكد على أن العشائر كان لديها شروط عدة للسماح بعودة نازحي عائلات عناصر تنظيم الدولة (الجزيرة)

إذ يقول نايف المرير اللهيبي أحد شيوخ عشائر جنوب الموصل إن العشائر كان لديها شروط عدة لإعادة نازحي عائلات عناصر تنظيم الدولة، وكانت تتمثل بالبراءة رسميا من مقاتلي التنظيم، مبينا أن العرف العشائري لديهم يقضي بعدم محاسبة العائلات (النساء والأطفال) من الذين لم يؤيدوا ذويهم في الانضمام للتنظيم.

إعلان

لكنه -في حديثه للجزيرة نت- أضاف أن العشائر لا تزال ترفض عودة العائلات المحسوبة على التنظيم، مبينا أن الحكومة الآن باتت تحاجج العشائر بأن من لديه مشكلة مع تلك العائلات فعليه اللجوء إلى القضاء، وبالتالي فإن المشكلة تكمن في خطورة واحتمال لجوء ذوي ضحايا التنظيم إلى الانتقام من تلك العائلات العائدة بطرق عديدة.

وكان رئيس لجنة حل النزاعات في جنوب الموصل الشيخ محمود عبيد الطابور قد رفض رفضا قاطعا قبل أيام عودة عائلات تنظيم الدولة إلى مناطقهم جنوبي الموصل، مما يعني أن العائلات في بقية المخيمات ستظل عالقة.

صورة حصرية - المنسقة الاعلامية في العراق للمجلس النرويجي للاجئين - مارين اولفيسي
أولفيسي حذرت من أن إغلاق المخيمات دون تنسيق مع المنظمات الإنسانية قد يؤدي إلى نزوح مرة أخرى (الجزيرة)

من مخيم إلى مخيم
من جهتها، أكدت مارين أولفيسي المنسقة الإعلامية للعراق في المجلس النرويجي للاجئين (NRC)، وهي منظمة دولية تدير مخيم حمام العليل وتشارك في العديد من البرامج في مختلف المخيمات في العراق، أن منظمتها تتفهم رغبة الحكومة في إيجاد حلول لأزمة النزوح في العراق وأن المخيمات ليست حلا دائما.

لكن أولفيسي -في مقابلة حصرية للجزيرة نت- ترى أن إغلاق المخيمات دون سابق إنذار وبتنسيق ضعيف مع المنظمات لا يوفر حلولا دائمة، إذ سيؤدي بالعديد من الأشخاص إلى النزوح مرة أخرى في مكان آخر كالعشوائيات في أطراف المدن.

وبالتالي، فإن العديد من الأسر معرضة لخطر أن تجد نفسها في وضع أكثر هشاشة بسبب ضعف إمكانية الوصول إلى الغذاء والصحة والمياه والصرف الصحي، خاصة أن العراق دخل فصل الشتاء مع استمرار جائحة كورونا.

وعن المخيم الذي يشرف عليه المجلس النرويجي، تؤكد أولفيسي أن المعطيات المتوفرة في مخيم حمام العليل تشير إلى أن 45% من النازحين الذين غادروا المخيم لن يعودوا إلى مناطقهم الأصلية، مما يعني تهجيرهم إلى أماكن أخرى.

وتعلّق المنسقة الإعلامية بأن عودة النازحين إلى مناطقهم لا تعني العودة إلى المنازل، إذ سيعودون إلى الأماكن التي ينتمون إليها، وأن 75% من سكان المخيم المستطلعة آراؤهم في سبتمبر/أيلول الماضي أفادوا بأن منازلهم متضررة وغير صالحة للسكن.

وتذكر أن العديد من العائلات التي غادرت المخيم اصطحبت معها الخيام لنصبها في الأماكن العائدة إليها، فضلا عن أن العديد من العائلات النازحة ممنوعة من العودة كليا إلى ديارها بسبب عدم وجود تصريح أمني أو وثائق رسمية أو رفض المجتمع استقبالهم، ومن ثم هناك حاجة ماسة لتقديم البدائل، كإعادة التوطين في منطقة أخرى أو الاندماج في منطقتهم المحلية الحالية، وفقا لتعبيرها.

المصدر: الجزيرة

إعلان