بن غفير.. "هتلر إسرائيل" الذي يخيف تطرفه حاخامات دولة الاحتلال

مع انتصاره الانتخابي الكبير سوف يكون لبن غفير صوت مسموع داخل الحكومة الإسرائيلية، وهو ما يقلق الولايات المتحدة والغرب.

بن غفير.. "هتلر إسرائيل" الذي يخيف تطرفه حاخامات دولة الاحتلال

في 18 يونيو/حزيران الماضي، لم يستطع الحاخام الأكبر إسحاق يوسف منع نفسه عن مهاجمة اليميني المتطرف إيتمار بن غفير خلال خطابه الأسبوعي المعتاد أمام أتباعه. انتقد يوسف قيام بن غفير بالصلاة في الحرم القدسي، منتهكا بذلك الحظر الحاخامي على صلاة اليهود في الموقع المقدس الذي يُحرِّم الأرثوذكس المتطرفون الزيارات إليه. تزعم القيادات اليهودية أن المكان يضم "الهيكل"، ولذا فهم يُحرِّمون الصلاة فيه حتى لا يدوس المصلي ما يسمونه "قدس الأقداس". ليس هذا هو التجاوز الوحيد الذي أقدم عليه "بن غفير" حسب الحاخام يوسف، فقد استنكر الأخير على خصمه أيضا دعوته إلى "الصعود إلى جبل الهيكل، وإثارة المتاعب وتجاوز خط رجال إسرائيل العظماء"، حد وصفه.

كان موقف الحاخام المتطرف مفاجئا بسبب ما هو معروف من توافق وتحالف بين بن غفير و"حزب شاس" المتطرف الذي يَعتبر يوسف زعيما روحيا له، علاوة على عدم قطعية الحكم الشرعي لدى اليهود في مسألة الصلاة في الحرم القدسي، فهنالك العديد من الحاخامات الذين خالفوا رأي الحاخام يوسف إسحاق ووالده عوفاديا يوسف في هذه القضية، وهذا ما قد يفسر هذا الهجوم الديني على أنه رغبة في وقف امتداد شعبية بن غفير داخل مجتمع الأرثوذكس، ذلك النفوذ الذي أخذ يمتد لدرجة أنه أصبح مصدر قلق وتهديد لنفوذ اليمينيين المتطرفين في الكنيست.

أضحى بن غفير، صاحب الظهور الإعلامي المتكرر والدعوات إلى اتخاذ موقف أكثر تشددا ضد الفلسطينيين، يجذب الكثير من المعجبين، ليس فقط في مستوطنات الضفة الغربية، حيث يعيش ويُعَدُّ من الأبطال القوميين، ولكن أيضا بين الناخبين الشباب، بما في ذلك العديد من جنود الاحتلال وبعض الناخبين العلمانيين في تل أبيب نفسها، حيث وصل نفوذ الرجل إلى الحي الليبرالي الذي شهد رفع أنصاره لافتات تؤيده. أما في المجتمعات الأرثوذكسية المتطرفة فيُشير الكاهنون* المعاصرون إلى بن غفير باعتباره رسول الكاهانية، ليصل الأمر إلى أن يفوق عدد الملصقات التي تمجد السياسي المتطرف عدد ملصقات الحاخامات أنفسهم.

واصل بن غفير التألق الكبير وسط المجتمع السياسي الإسرائيلي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أظهرت حصول معسكر أقصى اليمين بزعامة بنيامين نتنياهو على أغلبية واضحة (32 مقعدا)، ونال تحالف "الصهيونية الدينية" الذي يقوده كلٌّ من إيتمار بن غفير وشريكه "بتسلئيل سموتريتش" 14 مقعدا. وتُعَدُّ هذه الأرقام أحدث علامة على الانحراف اليميني للسياسة الإسرائيلية، حيث تتجه الصهيونية الدينية نحو الحصول على أكثر من ضِعْف عدد مقاعدها في الكنيست خلال الانتخابات السابقة، لتصبح بذلك ثالث أكبر تكتل سياسي، منتعشة بزيادة الدعم للرسائل المتطرفة التي يُروِّج لها بن غفير.

وريث الكاهانا الأيديولوجي

وُلد إيتمار بن غفير بضاحية "ميفاسيريت صهيون" في القدس المحتلة عام 1976 لأبوين من أصول عراقية كردية. ورغم نشأته على يد أبوين يهوديين علمانيين فإنه انجذب إلى الأفكار اليمينية المتطرفة في سن المراهقة، فما إن بلغ السادسة عشرة من عمره حتى أصبح عضوا في حزب "كاخ" القومي المتطرف الذي تزعَّمه الحاخام المتطرف "مائير كاهانا"، وهو صهيوني أميركي المولد ومؤسس رابطة الدفاع اليهودية التي كانت مسؤولة عن التخطيط لتفجيرات على الأراضي الأميركية، ثم الهجمات على كلٍّ من العرب واليهود "المعتدلين" في إسرائيل، وقد صَنَّفت الولايات المتحدة حركته الكاهانية باستمرار بوصفها جماعة إرهابية.

تبنَّى بن غفير الذي يعيش الآن في مستوطنة "كريات أربع" في الخليل أجندة كاهانا التي تدعو إلى حظر الزواج المختلط بين اليهود و"الأغيار"، وتدعو إلى تجريد العرب من الجنسية الإسرائيلية، وإلى طرد أعداد كبيرة منهم، بل ووعد المتطرف الصهيوني بإنشاء وزارة لتشجيع هجرة المواطنين الفلسطينيين "الأعداء" من إسرائيل. ويعارض بن غفير، مثل معظم اليمين الإسرائيلي، إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، ويتعهد بتفكيك السلطة الفلسطينية، كما أنه يعارض الحكم الذاتي للفلسطينيين.

رغم حماسه الكبير ضد الفلسطينيين، رفض جيش الاحتلال تجنيد بن غفير عندما بلغ سن 18 عاما بسبب سجله الجنائي، إذ وصل تمسُّكه بإرث كاهانا العنصري العنيف إلى حد دعوته علنا لاغتيال إسحاق رابين، رئيس الوزراء آنذاك الذي وقَّع مع الفلسطينيين اتفاقات أوسلو عام 1995. كان ذلك حينما انتزع شعار كاديلاك من السيارة التي كان يقودها رابين أمام كاميرا تلفزيونية وصرخ قائلا: "حصلنا على السيارة، سنصل إلى رابين أيضا"، وبعد 3 أسابيع فقط من هذه الحادثة، اغتيل رئيس الوزراء الإسرائيلي.

لم يكن بن غفير على صلة بمقتل رابين، بيد أنه دافع علنا عن المتطرف "يغال أمير" الذي أطلق النار على رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال تجمع في تل أبيب في نوفمبر/تشرين الثاني 1995، كما خاض لاحقا حملة من أجل إطلاق سراحه من السجن، تماما كما دعم مرتكب مجزرة الخليل "باروخ غولدشتاين" الذي قتل 29 مصليا فلسطينيا في الحرم الإبراهيمي عام 1994، كما عُرف عن بن غفير أنه يحتفظ بصورته داخل غرفة معيشته. وانطلق بن غفير للدفاع بقوة عن المتطرفين المتهمين بالإرهاب وجرائم الكراهية بعدما توجه لدراسة المحاماة في كلية أونو الأكاديمية في مدينة كريات أونو (قريبة من تل أبيب)، وذلك بعدما اعتاد الدفاع عن نفسه في المحاكم الإسرائيلية في تهم تتعلق بالتحريض على العنصرية وتدمير الممتلكات وحيازة مواد دعائية لمنظمة إرهابية.

لكن مع حلول عام 2019، الذي شارك فيه بن غفير في الانتخابات وعرف فوز حزبه "عوتسما يهوديت" الذي يعني بالعربية "القوة اليهودية" بمقعد في الكنيست، بدأ المتطرف الصهيوني محاولاته في الظهور بمظهر أكثر اعتدالا، فتحدث عن إزالته صورة باروخ غولدشتاين من منزله، وخفَّف من حِدَّة خطابه العنصري، وبدلا من أن يدعو إلى ترحيل جميع الفلسطينيين داخل دولة الاحتلال (يُشكِّلون 20% من السكان) نادى بترحيل "غير الموالين" منهم لدولة "إسرائيل"، حتى إنه قال خلال حملته الانتخابية الأخيرة: "عندما أُصبح وزيرا للأمن العام، سيرى العالم أن الأمور ستكون جيدة، لليهود وللعرب في أم الفحم الذين يستحقون حياة آمنة. سأكون وزيرا جيدا للأمن العام للجميع".

في السياق نفسه، تغيَّر موقف بن غفير من حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي سبق أن أكد أنه يُكِنُّ له "حبا عميقا"، فمع اقتراب يوم الانتخابات اختفى اسم نتنياهو من تعهدات بن غفير للناخبين وتصريحاته أمام الكاميرا. سيظهر الخلاف أكثر في تصريح لأحد مستشاري بن غفير قال فيه: "الحقيقة هي أن نتنياهو لم يعد يثير اهتمام الناخبين كثيرا، بيبي (لقب بنيامين نتنياهو) مثل الأرز الأبيض، يذهب مع أي شيء، لهذا السبب يُصوِّت الناس لبن غفير، فهو وحده يمكنه ضمان أن نتنياهو سوف يبقى مع اليمين".

حكومة "بن غفير" اليمينية

BARKAN, WEST BANK - JULY 20: Israeli right wing law maker, Itamar Ben Gvir pose for a photo as activists try to build a new illegal West Bank outpost near the settlement of Barkan on July 20, 2022 in Barkan, West Bank. Thousand of right wing actvists campout in several locations across the West Bank plan to establish new settlements despite army and police warning. (Photo by Amir Levy/Getty Images)Images)

في انتخابات مارس/آذار لعام 2020، كان حزب "القوة اليهودية" مجرد حزب هامشي، حصل على أصوات أقل بكثير من العتبة الانتخابية، لكن في الانتخابات الأخيرة التي أُقيمت في نوفمبر/تشرين الثاني الحالي بدا الأمر مختلفا للغاية، فقد انتشر أنصار بن غفير في مراكز الاقتراع المختلفة، وأظهر الصحفيون المحليون والأجانب اهتماما كبيرا بهذا القيادي الصهيوني المتطرف.

في النهاية، تمكَّن "رجل الدولة الكبير" كما يلقب من القفز بـ"القوة اليهودية" إلى دائرة الحكم إثر صفقة سياسية مع نتنياهو الذي حافظ لسنوات عديدة على مسافة بينه وبين رموز اليمين المتطرف المثيرين للجدل مثل بن غفير، قبل أن يجد نفسه في الانتخابات الأخيرة في حاجة ماسة إلى التحالف مع حزب بن غفير نفسه وحزبين سياسيين متطرفين آخرين هما "الحزب الصهيوني الديني" وحزب "نعام"، والعودة إلى تيار "الصهيونية الدينية" ذي الملامح الفاشية لتشكيل حكومة أغلبية، بعد أن حصلت كتلة حزب الليكود التي يتزعمها والصهيونية الدينية بزعامة بن غفير وجماعتين أرثوذكسيتين متشددتين معا على الأغلبية في الانتخابات الأخيرة.

سيكون نتنياهو مجبرا على قبول "جميل" بن غفير الذي سيُخوِّل رئيس الوزراء الإسرائيلي القديم الجديد تشكيل حكومته، رغم أن السياسي المتطرف يطمع في منصب مهم هو وزير الأمن العام في مجلس الوزراء. هذه العودة السياسية لنتنياهو إلى رأس السلطة السياسية في دولة الاحتلال بفضل اليمين المتطرف ستكون نهاية سعيدة لعامين حارب فيهما اتهامات بالرشوة والخيانة، مواجِها في الوقت نفسه خلافا شرسا مع حلفاء سابقين أجهز على طموحاته السياسية في الانتخابات السابقة التي فاز فيها ائتلاف متنوع قاده يائير لابيد، رئيس الوزراء الحالي المؤقت.

بالإضافة إلى ذلك، تتقاطع مصالح نتنياهو مع الوعود الانتخابية التي قطعها بن غفير على نفسه، ومن أهمها "إصلاح القضاء" عبر إلغاء القوانين المتنازع عليها، بهدف إضعاف قدرة المحكمة العليا في إسرائيل على إلغاء القوانين، والسماح للأحزاب السياسية بالحصول على مزيد من السلطة عند تعيين القضاة، الأمر الذي يذهب نحو إلغاء إحدى التهم التي تواجه نتنياهو من القانون الجنائي وهي جريمة "خيانة الأمانة".

بعيدا عن نتنياهو، هناك العديد من الأسباب التي ساهمت في صعود بن غفير و"الصهيونية الدينية" التي يتبناها، ففي المجتمع الإسرائيلي الذي تُقسَّم فيه المجموعات الدينية إلى المحافظين (التدين الشعبي) والمتدينين الأرثوذكس (الحريديم) من شرقيين وأشكناز؛ بجانب المتدينين القوميين من أبناء تيار "الصهيونية الدينية"، استفاد بن غفير من إحباط التيار الديني المتطرف من الأزمة السياسية الإسرائيلية التي أحدثت فراغا في اليمين بعد انهيار حزب "يمينا" بزعامة نفتالي بينيت.

وبما أن الأمن قضية رئيسية بالنسبة لغالبية الإسرائيليين، ركَّز بن غفير في تقديمه لمشروعه على تعهده بمواجهة ما يُسمى بـ"العنف العربي"، كما استفادت شعبية الزعيم السياسي اليميني من الخوف المتزايد من العمليات الفدائية في مدن الـ(48) التي تزايدت بعد معركة غزة مايو/أيار 2021 بالإضافة إلى زيادة العمليات في الضفة الغربية مؤخرا، كما لعب بن غفير على وتر القضايا التي تشغل الفئات المهمشة في المجتمع الإسرائيلي حيث كان أظهر الدعم للحركات المناهضة للهجرة الأجنبية، وخاصة من أفريقيا. كما عبَّر غير ما مرة عن وجهة نظره المناهضة لمجتمع المثليين.

خاض بن غفير سباقَ تحريضٍ على "قضايا الأمن"، مما ساهم بطرق مباشرة وغير مباشرة في مقتل ما لا يقل عن 170 فلسطينيا وأكثر من 20 إسرائيليا، كما كان السياسي الإسرائيلي حاضرا بصفته قائدا لـ"مسيرة الأعلام" أو "رقصة الأعلام" التي ترتبط بذكرى احتلال دولة الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية حسب التقويم العبري. وشهد السياسي المتطرف غالبية التوترات مع الفلسطينيين، إذ إنه عادة ما يتوسط المتطرفين اليهود الذين يقودون حملة لتهجير سكان حي الشيخ جراح في القدس المحتلة. وفي القدس دائما، دعا بن غفير جنود الاحتلال إلى استخدام الذخيرة الحية مُلوِّحا بمسدسه، وقبل أسبوعين فقط من الانتخابات الأخيرة سحب مسدسا من سترته حاثًّا شرطة الاحتلال على إطلاق النار على الشباب الفلسطيني الذين كانوا يرشقون المستوطنين بالحجارة. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يسحب فيها بن غفير مسدسه علنا، إذ فعل ذلك في ديسمبر/كانون الأول الماضي حين هدد عاملين من العرب خلال نزاع حول مكان وقوف السيارات.

هتلر إسرائيل

Ahead of the election, Israeli far-right lawmaker Itamar Ben-Gvir attends the funeral of Ronen Hanania who was killed in a shooting attack by a Palestinian man near Hebron in the occupied West Bank, at Har Hamenuchot Cemetery in Jerusalem October 30, 2022. REUTERS/Ronen Zvulun

بعد صراع قضائي طويل، تمكَّن الحاخام اليميني المتطرف "مئير كاهانا" من انتزاع "حقه الانتخابي" بالوصول إلى مقعده في الكنيست الإسرائيلي إثر الانتخابات البرلمانية لعام 1984. جاء هذا الفوز بعد ثلاث محاولات انتخابية فاشلة إثر رفض لجنة الانتخابات الإسرائيلية تزكية هذا الفوز، بسبب تورط الحاخام المتطرف في أعمال عنف فاقت ما يقوم به اليمين المتطرف المعروف في دولة الاحتلال.

لم يَرُق انتصار كاهانا في معركته الانتخابية الكثيرين من رجال المجتمع والسياسية في إسرائيل، فحتى رئيس الوزراء المتطرف آنذاك، إسحاق شامير، وصف صعود حزب كاهانا العنصري ضد العرب بـ"السلبي والخطير والضار". وبالفعل سرعان ما ظهر بأن التخوفات من كاهانا في محلها تماما، إذ طرح الحاخام ثلة من القوانين العنصرية، كاقتصار أحقية الحصول على الجنسية الإسرائيلية على اليهود فقط، ومعاقبة كل يهودي أو يهودية ممن ثبت تورطهم في ممارسة علاقة جنسية مع شخص من ديانة أخرى، كما دعا علنا إلى تفجير المسجد الأقصى وإعادة بناء الهيكل الثالث المزعوم.

اليوم، بعد مُضي أربعة عقود على رحيل كاهانا، بات من الواضح أن التطرف الذي تبنَّاه ما زال يُخيِّم على المشهد السياسي في إسرائيل، فما إن انتهى فرز نتائج الانتخابات قبل بضعة أيام حتى ظهر الوريث الأيديولوجي لكاهانا "إيتمار بن غفير" متبنيا خطابا أكثر عنصرية من الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى. طالب بن غفير متتبعا أثر سلفه بمطالب عنصرية حتى يوافق على الانضمام لأي تشكيل حكومي مع نتنياهو، وكان من بين هذه المطالب: تشديد الخناق على الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وإلغاء تمثيل الفصائل والتنظيمات داخل السجن، مع تشتيتهم ومنعهم من إعداد الطعام داخل غرفهم وفرض الاكتفاء بوجبات السجن فقط، مع تقليل كميات المياه التي تصلهم.

صحيح أن الأفكار التي يقترحها بن غفير لا تقل تطرفا عن أفكار مَثَله الأعلى الحاخام كاهانا، لكن الوضع داخل الأراضي المحتلة اختلف اختلافا جذريا، فالرجل يحقق انتصارات سياسية كبيرة فرضت له وزنا، عكس معلمه الذي كان منبوذا في وقت سابق وحارب من أجل الحصول على مركز فقط داخل الكنيست وليس داخل الحكومة نفسها. وينظر العديد من الإسرائيليين إلى الحكومة الجديدة التي قد تضم بن غفير وعددا كبيرا من السياسيين المعروفين بخطابهم العنصري المعادي للنساء وغير المتدينين وللعرب والمثليين بقلق كبير، وهو ما سيُعبِّر عنه النائب رام بن باراك من حزب "يش عتيد" (هناك مستقبل) عندما شبَّه أمر تشكيل حكومة بين نتنياهو وبن غفير بصعود أدولف هتلر، فقال أمام تجمع حاشد في بئر السبع: "أنا لا أقارن هذا بأي شيء، لكن هتلر صعد أيضا إلى السلطة بطريقة ديمقراطية".

وبعيدا عن الداخل الإسرائيلي، سرعان ما نقل الحليف الأميركي مخاوفه إلى نتنياهو بشأن الصهيونية الدينية وبن غفير بعد صدور نتائج الانتخابات الإسرائيلية. ويدرك الأميركيون حقل الألغام الذي يُمثِّله التعاون مع بن غفير. يأتي هذا التخوف الأميركي رغم نهج الولايات المتحدة سياسة عدم التدخل في الشؤون الإسرائيلية الداخلية، فواشنطن لم تطالب تل أبيب بجدية بمحاسبة قتلة كلٍّ من الصحفية الفلسطينية الأميركية شيرين أبو عاقلة ومُسِن أميركي فلسطيني آخر، وكذلك امتنعت عن الاعتراض على استهداف إسرائيل للمنظمات الحقوقية الفلسطينية واختارت عدم معارضة القيود الصارمة التي فرضتها دولة الاحتلال على الضفة الغربية.

من المحتمل أن يهز وجود بن غفير في المشهد السياسي الحكومي الإسرائيلي قارب العلاقات مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، مما سيزيد من حجم التوترات بين تل أبيب وواشنطن التي بدأت في الظهور في ملفات مختلفة لها علاقة بقضايا إيران وأوكرانيا. وتتذكر حكومة الولايات المتحدة جيدا موقف نتنياهو من محاولة بايدن إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 مع طهران، حيث عمل الطرف الإسرائيلي بكل جهد على إفشال الصفقة حتى ولو كان ذلك على حساب العلاقات بين تل أبيب والديمقراطيين الأميركيين.

بيد أن قراءة المعادلة السياسية بين الحليفين لن تكون بهذه السهولة، فقد كشفت موقع "ذا إنترسبت" الأميركي في تقرير له أن التيار اليميني المتطرف الإسرائيلي، صانع الملوك في إسرائيل كما يُلقب في دولة الاحتلال، يعتمد بشكل كبير في الواقع على التمويل الأميركي، حيث إن هناك شبكة من المنظمات المعفاة من الضرائب في الولايات المتحدة تقوم بتحويل التبرعات إلى بن غفير وأتباعه، ودعم جهودهم للتطهير العِرقي للفلسطينيين، فمنظمات مثل "شاسدي مائيير" و"عوتسما يهوديت" و"حازيونوت حاداتيت" (المعروف أيضا باسم الحزب الصهيوني الديني) يتلقون دعما من شبكة من المنظمات غير الربحية الأميركية المعفاة من الضرائب التي تموِّل المتطرفين الإسرائيليين.

فعلى سبيل المثال، تُعَدُّ منظمة "لهافا" اليمينية المتطرفة ضمن شبكة المنظمات داخل إسرائيل والمستوطنات التي تتلقى الأموال الأميركية، وهي منظمة يقوم أعضاؤها بحرق المدارس المختلطة بين اليهود والعرب، وينظمون مذابح في الأحياء العربية. وتشارك هذه الحركة مقرها مع حزب "القوة اليهودية" الذي يتزعمه بن غفير، وتمتلك الحركة ذراعا دينيا هو "يشيفات هرايون هيهودي"، أو "الفكرة اليهودية"، التي تُصنِّفها الولايات المتحدة بأنها منظمة إرهابية بسبب انتمائها إلى أيديولوجية كاهانا.

في النهاية، يمكن القول إن صعود بن غفير يعكس اتجاهات سياسية سلطوية واسعة في إسرائيل وحول العالم، ويرتبط بالعديد من المتغيرات داخل إسرائيل مثل فشل عملية السلام مع الفلسطينيين واشتداد حِدَّة الصراع في الآونة الأخيرة. ويُمثِّل هذا الصعود اليميني أكبر تهديد تواجهه دولة الاحتلال التي تدَّعي الديمقراطية والانفتاح، فقد تلعب الفاشية السياسية الدينية في الدولة العبرية دورا سلبيا في التأثير على العلاقة بين حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية وعلى رأسهم المجتمع اليهودي الأميركي الليبرالي والحكومة في تل أبيب، كما قد تُبشِّر هذه المرحلة باحتمال انطلاق مواجهة عسكرية جديدة مع المقاومة في غزة أو معارك أخرى مفتوحة مع المقاومين في الضفة الغربية ومرابطي القدس الذين أظهروا استبسالا كبيرا في مواجهة المد الصهيوني العنيف، سواء من طرف الجيش والشرطة أو من طرف المستوطنين.

--------------------------------------------------

هوامش:

* إشارة إلى أتباع الحاخام اليهودي المتطرف مائير كاهانا.

المصدر : الجزيرة