الصراع بين أميركا والصين.. هل تتخلى عن حقك في التصويت مقابل راتب خيالي؟

الرأسمالية تحكم العالم، وبالإمكان القول إنها باتت الوسيلة التي تُنظِّم من خلالها معظم دول العالم إنتاجها الاقتصادي: العمل بنظام الأجور اختياري، معظم رأس المال يتركّز في القطاع الخاص، والإنتاج يتم بصورة لا مركزية مدفوعا بالربح. لم يسبق لأي نظام أن حقّق هذا النصر على مدار التاريخ. فقد كانت الرأسمالية في الماضي، سواء في بلاد الرافدين* في القرن السادس قبل الميلاد، أو الإمبراطورية الرومانية، أو جمهورية المدينة الإيطالية في القرون الوسطى، أو البلدان المنخفضة في فجر العصر الحديث، مرغمة على التعايش مع أشكال أخرى من تنظيم الإنتاج، وتضمّنت هذه الخيارات الصيد والقطف، وعمل الفلاحين في المزارع بلا أجور، والقِنانة والعبودية.

   

لقد استمرت هذه الأشكال الأخرى من تنظيم الإنتاج في الوجود حتى قبل 100 عام مضت، عندما تكشّف أول ملامح الرأسمالية المعولمة مع قدوم الإنتاج الصناعي الضخم، لتضطرّ الرأسمالية بعد الثورة الروسية عام 1917 إلى اقتسام العالم مع الشيوعية، التي حكمت بلادا تضم مجتمعة ثلث سكّان الأرض، لكنها باتت في الوقت الحالي الشكل الوحيد الباقي لتنظيم الإنتاج.

 

بات من المألوف سماع الخبراء الغربيين يشيرون إلى النظام الحالي باسم "الرأسمالية المحتضرة" (Late Capitalism)، اعتقادا منهم بأن النظام على شفير الموت. بينما يعتقد آخرون أن الرأسمالية تواجه في الوقت الحالي خطر انبعاث الاشتراكية من جديد. لكن الحقيقة التي لا مفر منها أن الرأسمالية ستظل موجودة حتى وقت طويل، وأن من الصعب على أي نظام اقتصادي آخر أن يكون نِدًّا لها. فقد اعتنقت المجتمعات من حول العالم روحها التنافسية والاقتنائية، التي ينخفض الدخل وينتشر الفقر ويتباطأُ التقدم التكنولوجي بدونها. إن نيران المعركة الحقيقية تضطرم اليوم داخل الرأسمالية نفسها، بين وجهين متنافسين لعُملة واحدة.

     

  

يغلب على مدار التاريخ الإنساني أن يكون انتصار نظام أو ديانة ما متبوعا بتفرُّق الأتباع إلى مذهبين. ورأينا ذلك يحدث عقب انتشار المسيحية في حوض البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط، عندما أسفرت النزاعات الأيديولوجية في النهاية عن ميلاد الكنيستين الشرقية والغربية. وحدث الأمر عينه في الإسلام بعد الاكتساح الجغرافي الهائل الذي حققته الفتوحات الإسلامية، وتفرُّق المسلمين لاحقا بين سنة وشيعة. بالإضافة إلى الشيوعية، عدو الرأسمالية اللدود في القرن العشرين، التي تفرعت عنها الأيديولوجيتان الماوية والسوفيتية. في هذا الجانب، لم تكن الرأسمالية تُشكِّل استثناء، حيث سرعان ما انقسمت إلى نموذجين مختلفين في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

في دول أوروبا الغربية وأميركا الشمالية وعدد من الدول الأخرى، كالهند، وإندونيسيا، واليابان، تُهيمن "رأسمالية الجدارة" (Meritocracy Capitalism)، التي تقوم بإسناد الحصة الأكبر من الإنتاج إلى القطاع الخاص؛ وهي خاصيّة يظهر أنها تبرز المواهب، وتحاول إتاحة الفرص للجميع من خلال التعليم المجاني وضرائب التّركات. ثمة نظام آخر إلى جانب هذا النظام هو "الرأسمالية السياسية" (Political Capitalism) التي تقودها الدولة، وبإمكاننا رؤية شواهدها في الصين وبقاع أخرى من آسيا مثل ميانمار، سنغافورة، فيتنام، وفي أوروبا في روسيا وأذربيجان، أما في أفريقيا فنراها في بلدان مثل الجزائر وإثيوبيا ورواندا. يمتاز هذا النوع من الرأسمالية بنمو اقتصادي مرتفع، لكنه يحد من الحقوق المدنية والسياسية لأفراده.

   

بالنظر إلى تداخل النوعين، ومع بروز الولايات المتحدة والصين كأمثلة رائدة، بات التنافس على أشُدِّه. حيث تضم مناطق آسيا، وغرب أوروبا، وشمال أميركا 70% من سكان العالم، إلى جانب حقيقة أن 80% من الإنتاج الاقتصادي لهذه المناطق تربطه التجارة والاستثمار وحركة الأفراد، وتبادل التكنولوجيا والأفكار. وقد أدّت هذه الترابطات والتصادمات إلى استعار المنافسة بين آسيا والدول الغربية بسبب التباينات الواضحة في كلا النموذجين. هذا الصراع هو ما سيُحدّد ملامح مستقبل الاقتصاد العالمي، لا المنافسة بين الرأسمالية وبين نظام اقتصادي بديل.

     

النجاح الاقتصادي الذي حققته الصين يُحرج مزاعم الغرب الذي يضع الديمقراطية الليبرالية شرطا لنجاح الرأسمالية
   

بحلول عام 1978، كان الإنتاج الاقتصادي الصيني كله تقريبا يُدار من قِبل القطاع الحكومي، أما في الوقت الحالي فلا يتحكّم هذا القطاع إلا بأقل من 20% من الاقتصاد. حيث تُدار وسائل الإنتاج في الصين الحديثة، أسوة ببلدان الرأسمالية التقليدية الغربية، من قِبل القطاع الخاص، ولا تفرض الدولة على الشركات أي قرارات تختص بالإنتاج والأسعار، بينما يعمل معظم العمّال بنظام الأجور. وقد حققت الصين نجاحا لافتا في النواحي الثلاث.

 

لا أنداد للرأسمالية في الوقت الحاضر، غير أن النموذجين يقدمان طرقا مختلفة كل الاختلاف في تنظيم السلطة السياسية والقوة الاقتصادية في المجتمع. حيث تتيح الرأسمالية السياسية للنخب الحاكمة حرية أكبر في التصرف، لكنها تدفع أيضا بمعدلات النمو الاقتصادي للأفراد العاديين. إن النجاح الاقتصادي الذي حققته الصين يُحرج مزاعم الغرب الذي يضع الديمقراطية الليبرالية شرطا لنجاح الرأسمالية.

 

ثمة العديد من المزايا في النسخة الليبرالية من الرأسمالية، أهمها الديمقراطية وحكم القانون. وتُعَدُّ تلك المزايا أفضلية من باب أنها تدفع بالنمو الاقتصادي عبر تعزيز الإبداع والحراك الاجتماعي. لكنها تواجه تحديات صعبة، مثل ظهور طبقة الأثرياء وانتشار اللا مساواة على نطاق واسع. وهي مخاطر تفرض تحديات أصعب أمام قدرة الرأسمالية الليبرالية على الصمود طويلا. لكن الرأسمالية السياسية تواجه العديد من التحديات بدورها، فالحكومة الصينية وغيرها من أتباع هذا النهج مطالبون بتحقيق معدلات نمو أعلى في كل مرة لشراء صمت الناس، وهو ما سيزدادُ صعوبة مع الوقت، كما أن هذه الدول مطالبة باستئصال الفساد الذي يعمّق اللا مساواة. إن أكبر امتحان لهذا النموذج هو قدرته على كبح أطماع طبقة الأثرياء الآخذة في التوسع مع الحد من النفوذ البيروقراطي للدولة.

  

سوف يحتدم التنافس بين النموذجين مع اعتزام دول أخرى حول العالم، لا سيما الدول الأفريقية، تغيير أنظمتها الاقتصادية، وهو ما يُغري العديد من المحللين لتقديم التنافس بين الصين والولايات المتحدة في قالب جيوسياسيّ، لكن الصراع في صميمه أقرب إلى صفيحتين قاريتين تصطكّان ببعضهما إلى أن يتفلّق صدع يحمل الملامح النهائية لتطور الرأسمالية في القرن الحالي.

   

الرأسمالية الليبرالية

  

هذه الهيمنة العالمية للرأسمالية ما هي إلا أحد تغييريْن يعصفان بالعالم، فالتغيير الثاني هو أن هذا الصراع يعيد ضبط موازين القوى الاقتصادية بين الدول الآسيوية والغربية، حيث بدأت المداخيل الآسيوية لأول مرة منذ الثورة الصناعية بالاقتراب من نظيرتها في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، حيث كان الغرب في عام 1970 مسؤولا عن 56% من الإنتاج الاقتصادي العالمي، بينما كانت آسيا، مشمولة باليابان، مسؤولة عن 19% منه فقط. وارتفعت هذه النسبة في الوقت الحالي، أي بعد ثلاثة أجيال فحسب، إلى 37% ثم 43% بفضل النمو الاقتصادي المذهل لبلدان مثل الهند والصين.

 

لقد كانت الرأسمالية الغربية مسؤولة مبدئيا عن المعلومات وتكنولوجيات الاتصال التي أدّت إلى موجة جديدة من العولمة في أواخر القرن العشرين. خلال هذه الفترة، بدأت آسيا بتضييق الفجوة بينها وبين ما يُسمى بالشمال العالمي، وسرعان ما أفضت العولمة إلى ترميم البنى المتآكلة وإحداث نمو اقتصادي ضخم في البلدان الآسيوية.

   

تقلّصت الفجوة في الدخل حول العالم بشكل واضح عما كانت عليه في التسعينيات، عندما كان معامل جيني** يبلغ 0.70، بينما يبلغ اليوم 0.60 تقريبا. لكن الرقم سينخفض بشكل أكبر في حال واصلت المداخيل الآسيوية ارتفاعها. مع أن الفجوة الاقتصادية تقلّصت بين البلدان الآسيوية والغربية، فإنها ارتفعت داخل هذه البلدان نفسها، لا سيما في الدول الغربية، حيث ارتفع معامل جيني من 0.35 في عام 1979 حتى 0.45 في الوقت الحاضر. يعود السبب في تضخم الفجوة الاقتصادية داخل البلدان، في جزء منه، إلى تأثير العولمة ومصاحباتها على اقتصادات الغرب الأكثر تطورا، ومنها إضعاف اتحادات العمال، وتصدير وظائف التصنيع، إلى جانب ركود الأجور.

   

يجني الأثرياء في ظل النظام الحالي ثرواتهم من مصدرين لرأس المال: العمل، والموارد، أي إنهم يجنون ثرواتهم عن طريق العمل والاستثمار على حدٍّ سواء
   

جاءت رأسمالية الجدارة الليبرالية إلى الوجود قبل أربعين عاما؛ وتتضح ملامحها بصورة أفضل عند مقارنتها بنموذجين آخرين، وهما الرأسمالية الكلاسيكية التي سادت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ورأسمالية الديمقراطية الاجتماعية، التي قامت على أساسها دولة الرعاية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية في الفترة الممتدة من الحرب العالمية الثانية حتى ثمانينيات القرن الماضي.

 

بعكس الرأسمالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر، عندما كان التملك وحده مصدر الثروة، لا العمل، يجني الأثرياء في ظل النظام الحالي ثرواتهم من مصدرين لرأس المال: العمل، والموارد، أي إنهم يجنون ثرواتهم عن طريق العمل والاستثمار على حدٍّ سواء. كما أنهم يميلون إلى التزوج وتأسيس العائلات مع أشخاص يمتلكون المؤهلات الأكاديمية والمالية ذاتها، وهي ظاهرة يطلق عليها علماء الاجتماع "التزاوج المتلائق". وفي حين كان الأثرياء في الرأسمالية الكلاسيكية من الممولين، فإنهم اليوم في أغلبهم من المديرين التنفيذيين أو مصممي الويب، أو الأطباء أو العاملين في البنوك الاستثمارية، وغيرها من الوظائف المرموقة. يعمل هؤلاء الناس بهدف تحصيل مداخيل ضخمة، لكنهم يحصلون على أموال إضافية من أصولهم المالية، سواء كان هذا الأصل تركة أو مدخرات خاصة.

 

ثمة فرص تكافؤ أكبر داخل المجتمع في رأسمالية الجدارة، حيث ترتفع إمكانية انضمام الأقليات إلى قوة العمل، ويتم توظيف تدابير دولة الرعاية ومخصصاتها في امتصاص غضب الناس جراء التركّز الهائل للثروة والامتيازات في أيدي مجموعة من الأثرياء. وقد ورثت رأسمالية الجدارة الليبرالية هذه الخصائص عن أمها، رأسمالية الديمقراطية الاجتماعية، التي تمحورت حول العمل المصنعي وامتازت بالظهور القوي للاتحادات العمالية التي لعبت دورا كبيرا في تقليص الفجوة بين فئات الشعب، وكان يتم توزيع عائدات النمو فيها بشكل متكافئ بين المواطنين الذين تمكّنوا من الحصول على رعاية صحية أفضل، إلى جانب الإسكان، والتعليم منخفض الكلفة، وتمكّنت العديد من العائلات فيها من تسلّق السلم الاقتصادي.

  

لكن طبيعة العمل تغيّرت بشكل واضح في ظل العولمة ورأسمالية الجدارة الليبرالية، لا سيما مع نسف الطبقة العاملة المصنعية وتفتيت الاتحادات العمالية، حيث بدأت نسبة عائدات رأس المال من الدخل الكلي بالارتفاع المستمر منذ أواخر القرن العشرين، وقد ظهرت هذه النزعة بقوة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى معظم البلدان الأخرى، النامية والمتطورة على حدٍّ سواء. وتعتبر هذه النسبة مؤشرا على أن رأس المال وأصحاب رأس المال يحتلون مكانة أهمّ من العمال والعمل، وبالتبعية فإنهم يمتلكون نفوذا سياسيا وقوة اقتصادية أكبر. لكن ذلك يؤدي أيضا إلى تعميق اللا مساواة، بما أن أولئك الذين يحصّلون الحصة الأكبر من مداخيلهم عبر رأس المال يتحولون إلى أثرياء.

 

مرض في الغرب
مظاهرة ضد الرأسمالية بالولايات المتحدة الأميركية (وكالة الأنباء الأوروبية)

  

مع أن النظام الحالي أدّى إلى تنوع أكبر في هذه النخبة، لناحية "العرق" والجندر، فإن الرأسمالية الليبرالية قد تسبّبت في تعميق اللا مساواة بذريعة أن الأجدر هو الأحق بالربح. وبات من الممكن للأثرياء الادعاء أن مكانتهم المرموقة الحالية سببها العمل، متجاهلين الامتيازات التي حصلوا عليها بفضل نظام قائم على اتجاهات اجتماعية تجعل الانتقال من الفقر إلى الثراء عملية صعبة للغاية ما لم يكن المرء ينتمي لعائلة ثرية أو خريج جامعة مرموقة. حيث شهدت الأربعون عاما الأخيرة نموا يكاد يكون استمراريا لطبقة من الأثرياء المعزولين عن بقية المجتمع، إذ يمتلك أثرى 10% من سكان الولايات المتحدة ما يزيد على 90% من الأصول المالية. وبما أن الطبقة الحاكمة تلقّت تعليما أفضل، فقد تمكّن الكثير من أبنائها من تحصيل مداخليهم الضخمة من خلال العمل، كما أنهم يميلون للاعتقاد بأنهم يستحقون مكانتهم.

 

تستثمر هذه النخب بقوة في ذريتها وفي تأسيس السطوة السياسية؛ فمن خلال الاستثمار في تعليم الأبناء، يتيح الجيل الأول الثري من العائلة للأجيال القادمة أن تظل المداخيل المرتفعة من نصيبهم هم، ذلك أن المكانة المرموقة كثيرا ما تتصل بالتحصيل العلمي والتعليم العالي. كما يضمن هؤلاء، من خلال الاستثمار في التأثير السياسي عبر الانتخابات، وجماعات التفكير، والجامعات، وغيرها، بأن يكونوا هم مَن يضع القوانين المتعلقة بالتركات، بحيث يحصل الجيل التالي على التركات بكل سهولة. بينما يؤدي الاثنان معا، أي التعليم المكتسب والمال الموروث، إلى إعادة إنتاج الطبقة الحاكمة.

    

ومن المستحيل أن تتشكّل طبقة ثرية مستمرة ما لم تمارس تلك الطبقة درجة من السيطرة السياسية. وكان ذلك يحدث بشكل طبيعي في الماضي، حيث كانت الطبقة السياسية في غالبيتها من الأثرياء، مما كان يؤدي إلى توافقات معينة في الآراء والمصالح المشتركة بين الأثرياء والساسة. لكن الأمر مختلف حاليا، حيث يأتي السياسيون من طبقات وخلفيات اجتماعية متنوعة، وقلما يتقاطعون مع الأثرياء في نمط العيش وطبيعة تشكيل العلاقات، حيث جاء بيل كلينتون وأوباما في الولايات المتحدة، ومارغريت تاتشر وجون ميجر في بريطانيا من خلفيات متواضعة، لكنّهم يختارون، سياسيا، دعم مصالح الأثرياء.

 

يستثمر الأثرياء إسهاماتهم في المجال السياسي في تمويل أو امتلاك جماعات تفكير ومنافذ إعلامية بإمكانها إرساء سياسات اقتصادية تُفيدهم بشكل مباشر، من قبيل ضرائب أقل على أصحاب المداخيل العالية، أو خصومات ضريبية أعلى، أو مكاسب رأس مال أكبر من خلال التخفيضات الضريبية على قطاع الشركات، أو لوائح تنظيمية أقل، وغيرها. لكن هذه السياسات، بدورها، تزيد من احتمالية بقاء الأثرياء على رأس الهرم، كما أنها تُشكِّل حلقة الوصل في سلسلة تبدأ من أكبر نسبة لرأس المال من صافي الدخل لبلد ما وتنتهي بتشكيل طبقة ثريّة تحمي مصالحها. حتى إن لم تحاول الطبقة الثرية المشاركة في صنع القرار السياسي، فإنها ستظل تتمتع بمكانة حصينة من خلال الإنفاق على العمليات الانتخابية وتدشين مؤسسات المجتمع المدني، بحيث تصبح مكانة الطبقة الثرية غير قابلة للمس تقريبا.

 

يتنامى السخط الشعبي مع كمّ الحصانة التي تتمتع بها هذه النخب في رأسماليات الجدارة. ومن هنا ينبع الاستياء من العولمة في المجتمعات الغربية، أي من الفجوة الضخمة بين عدد ضئيل من أبناء النخبة وجموع السكان الذين تعود عليهم العولمة بالقليل من النفع، وسواء أكان هذا الكلام دقيقا أم لا، فإنهم يعتبرون الهجرة والتجارة العالمية المسببات الرئيسية لكل مصائبهم. هذا الوضع يشبه ما أسماه علماء الاجتماع بـ "التفسخ"، وهي ظاهرة انتشرت في مجتمعات "العالم الثالث" في سبعينيات القرن الماضي، ورأينا شواهدها في البرازيل ونيجيريا وتركيا، حيث كانت الطبقة البرجوازية ترتبط مباشرة بنظام الاقتصاد العالمي، فيما الناس العاديون متروكون لأمرهم. كان يُفترض بهذا الوباء أن يظل محصورا في الدول النامية، لكن فيما يبدو أنه يطرق أبواب "الشمال العالمي" في الوقت الحالي.

 

الرأسمالية السياسية الصينية

    

أما في آسيا، فقد اكتسبت العولمة سمعة مختلفة، حيث تفيد المسوحات في فيتنام، على سبيل المثال، أنّ 91% من السكّان يعتقدون بأن العولمة مفيدة. لكن المثير للسخرية أن حجر الأساس في تحول بلدان مثل الصين وفيتنام إلى النظام الرأسمالي هو الشيوعية. وصل الحزب الشيوعي الصيني إلى السلطة في عام 1949 من خلال الثورة القومية ضد الهيمنة الخارجية، والثورة الاجتماعية على النظام الإقطاعي، وتمكّنت كلتا الثورتين من إزالة الأيديولوجيات والأعراف التي اعتُبر أنها السبب وراء بطء التنمية الاقتصادية والتقسيمات الطبقية المصطنعة. لكنّ الثورتين كانتا شرطا لتأسيس طبقة مترسملة محلية تدفع بعجلة الاقتصاد إلى الأمام على المدى الطويل، حيث اضطلع الشيوعيون في الصين وفيتنام بأدوار مماثلة لأدوار الطبقة البرجوازية في القرن التاسع عشر في أوروبا.

  

حدث التحول من نظام شبه إقطاعي إلى الرأسمالية في الصين بسرعة كبيرة، تحت سيطرة مُحكمة من الدولة. أما في أوروبا، فقد تم اقتلاع البنى الإقطاعية ببطء على مدار قرون، كما أن الدولة لعبت دورا أقل أهمية بكثير في الانتقال إلى الرأسمالية. وبالنظر إلى هذا التاريخ، فليس من المفاجئ أن تأخذ الرأسمالية هذا الطابع السلطوي في الصين وفيتنام وبلدان أخرى تعتنق النموذج ذاته.

  

ثمة ثلاثة ملامح مميزة لهذا النموذج من الرأسمالية؛ الأول هو أن الدولة تديرها بيروقراطية تكنوقراط، تستمد شرعيتها من النمو الاقتصادي الآخذ في الارتفاع. الثاني، أن تطبيق القانون يتم بصورة انتقائية ترمي إلى حماية مصالح النخب، الذين يكون بإمكانهم التنصل منه أو تطبيقه في التخلص من خصومهم، حتى وإن كانت الدولة محكومة بالقانون. تأخذنا هذه الانتقائية في تنفيذ أحكام القانون إلى الملمح الثالث للرأسمالية السياسية، ألا وهو ضرورة استقلالية الدولة، حيث تحتاج الدولة إلى أن تُحرِّر نفسها من القيود القانونية، لكي تتمكّن من التصرف بحزم.

  

الوجه الآخر للنمو الاقتصادي الصيني تَمثَّل في تعميق اللامساواة، حيث قفز مؤشر معامل جيني من 0.30 إلى نحو 0.50 بين عامي 1985 و2010
  

وهذا التوتر بين الملمحيْن الأول والثاني، أي بين بيروقراطية التكنوقراط والتطبيق الاعتباطي للقانون، يولّد الفساد، الذي يعتبر العنصر الثابت، لا الاستثنائي، في طريقة إعداد النظام في الرأسمالية السياسية. وقد عملت هذه الملامح على الدفع بعجلة النمو الاقتصادي في البلدان الشيوعية الآسيوية منذ انتهاء الحرب الباردة، حيث وصل النمو الاقتصادي الصيني في غضون 27 سنة حتى عام 2017 إلى 8%، في حين بلغ النمو الاقتصادي الفيتنامي 6%، مقارنة بنمو 2% للولايات المتحدة، من الفترة نفسها.

 

لكن الوجه الآخر للنمو الاقتصادي الصيني تَمثَّل في تعميق اللا مساواة، حيث قفز مؤشر معامل جيني من 0.30 إلى نحو 0.50 بين عامي 1985 و2010، وهو رقم أعلى من ذلك الذي سجلته الولايات المتحدة الأميركية وأقرب إلى المستويات التي وجدت في أميركا اللاتينية. لقد تعمقت اللا مساواة في الصين بشكل صارخ في المناطق الريفية والحضرية على حدٍّ سواء، كما أنها ارتفعت بشكل أكبر في البلاد ككل مع الفجوة المتزايدة بين الريف والمدينة. ويمكننا رؤية هذه اللامساواة المتزايدة في كل ثنائية ممكنة، بين الأقاليم الثرية والأقاليم الفقيرة، بين عمال المهارة المرتفعة وعمال المهارة المتدنية، بين الرجال والنساء، وبين القطاع الخاص والقطاع الحكومي.

  

من الملاحظ أن الصين شهدت زيادة في عائدات رأس المال الخاص، التي تتركز بمعدلات التركز نفسها في الاقتصادات الغربية المتقدمة، أفضت إلى نشوء نخبة مترسملة جديدة. في عام 1988، كان عمال المصانع ذوو التعليم المتقدم (العمالة الماهرة) وذوو التعليم المتدني (العمالة غير الماهرة)، والموظفون المكتبيون، والمسؤولون الحكوميون، يُشكِّلون 80% مما نسبته 5% هي النخبة الأعلى تحصيلا للمداخيل في البلاد. بحلول عام 2013، كانت نسبة هذه الفئات قد انحدرت إلى قرابة النصف، في حين شكّل أصحاب الأعمال التجارية 20% وأصحاب المهن 33% وكانت لهم الأغلبية.

  

أحد الملامح المميزة لطبقة رأس المال في الصين هي أنها انبثقت من تراب البلاد، حيث يُفيد نحو أربعة أخماس المنتمين إليها أن آباءهم كانوا إما مزارعين وإما عمالا يدويين. هذا التحول الجيلي ليس مفاجئا بالنظر إلى الطمس الكامل للطبقة المترسمِلة عقب الانتصار الشيوعي في عام 1949، بالإضافة إلى الثورة الثقافية التي حدثت في ستينيات القرن الماضي. لكنه قد لا يستمر في المستقبل البعيد، عندما يتسبّب تركز ملكية رأس المال في يد الأثرياء، وارتفاع كلفة التعليم، وأولوية الروابط العائلية، والانتقال الجيلي للثروة والسلطة، بتكرار ما حدث في الغرب. لكن مقارنة بنظيرتها الغربية، فهذه الطبقة المترسملة قد تكون طبقة في ذاتها لا طبقة لذاتها (بالعودة إلى هوسرل وهايدغر، أن تكون الطبقة في ذاتها يعني أنها تجمّع خامل لأشخاص تربط بينهم الخلفية الاجتماعية فحسب، أما أن تكون الطبقة لذاتها يعني أن تكون واعية بقضاياها ووجودها ولديها غاية تسير إليها – مـ)، حيث تسمح الأنواع المركبة العديدة من الملكية، والتي تطمس الحدود بين الخاص والعام، للنخبة السياسية بكبح جماح النخبة الاقتصادية المترسملة الجديدة.

 

فقد كانت الصين طيلة ألفية من الزمن موطنا لدول سلطوية مركزية ردعت طبقة التجار عن التحوّل إلى مركز قوة مستقل. وفقا للباحث الفرنسي جاك جارنيت، لم يفلح التجار الصينيون تحت حكم سلالة سونغ في القرن الثالث عشر في بناء طبقة واعية بذاتها ولها مصالح مشتركة، لأن الدولة كانت مستعدة دائما للحد من نفوذها. ومع أن التجار استمروا في الازدهار كأفراد، لكنهم لم يُشكِّلوا أبدا طبقة متماسكة لديها أجندتها السياسية والاقتصادية الخاصة أو مصالح تم الدفاع عنها أو إعلانها بوضوح. وفقا لجارنيت، فهذا السيناريو مختلف عما كان عليه الأمر في الفترة ذاتها في جمهوريات التجار الإيطالية والبلدان المنخفضة. ومن غير المستبعد أن يستمر هذا النمط من الرأسماليين الذين يُراكمون الثروة دون ممارسة النفوذ السياسي في الصين وفي بلدان أخرى تعتنق الرأسمالية السياسية.

  

تصادم نظامين

  

مع توسع دور الصين على الساحة الدولية، بات نموذجها في صدام دائم مع رأسمالية الجدارة الليبرالية في الغرب، لا سيما أنه قد يكون بديلا للنموذج الغربي في العديد من البلدان. تكمن ميزة الرأسمالية الليبرالية في نظامها السياسي الديمقراطي. فصحيح أن الديمقراطية مطلب لذاتها، لكنها تنطوي أيضا على قيمة عملية. فمن خلال طلب المشورة المستمر من المواطنين، تعمل الديمقراطية بمنزلة مصوّب صارم عبر اعتناق الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تصب في الصالح العام، ما يعني أنه حتى وإن أسفرت قرارات الناس، أحيانا، عن سياسات تكبّل وتيرة النمو، وتفاقم التلوث، وتخفض جودة الحياة، فإن عملية صنع القرار الديمقراطي تتولى تصحيح المسار.

  

بينما تَعِد الرأسمالية السياسية، بدورها، بإدارة أكثر فعالية للاقتصاد وبمعدلات نمو اقتصادي أعلى. ولعل حقيقة أن الصين كانت من أكثر البلدان نجاحا في المضمار الاقتصادي خلال الخمسين عاما الفائتة تضعها في مكانة تخوّلها تصدير مؤسساتها الاقتصادية والسياسية إلى دول أخرى حول العالم، وهو ما تقوم به من خلال مبادرة الحزام والطريق؛ المشروع الطامح إلى ربط عدد من القارات معا، من خلال بنية تحتية محسّنة، بتمويل صيني. تُمثِّل هذه المبادرة تحديا أيديولوجيا لطريقة تعامل الغرب مع التنمية الاقتصادية حول العالم، حيث يعتبر الغرب أن التغيير يأتي عبر بناء المؤسسات، في حين تلجأ الصين إلى ضخ الأموال في بناء الأشياء الملموسة. ستؤدي مبادرة الحزام والطريق إلى ربط البلدان ذات الشراكة معا بهدف تكوين مجال من النفوذ والتأثير الصينيين. حتى إن الصين لديها مخططات للتعامل مع النزاعات الاستثمارية القادمة بالاحتكام إلى محكمة صينية، والذي قد يكون ردًّا على "قرن الإذلال" في القرن التاسع عشر، الذي عُرِف برفض المواطنين الأميركيين والأوروبيين في الصين الاحتكام إلى القوانين الصينية.

 

قد ترحب العديد من البلدان بأن تكون جزءا من المبادرة، حيث سيتولى الاستثمار الصيني تشييد الطرق، والموانئ، وسكك الحديد، والبنية التحتية اللازمة دون الاشتراطات التي تضعها البلدان الغربية مقابل الاستثمار. فالصين لا تأبه بالسياسات الداخلية لهذه البلدان، وبدلا من ذلك فإنها تصب تركيزها على التعامل مع الأطراف كافة على قدم المساواة، وهو نهج يلقى استحسان العديد من هذه الدول. كما أن الصين تسعى لبناء مؤسسات دولية، مثل "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية"، اقتداء بما قامت به الولايات المتحدة الأميركية عقب الحرب العالمية الثانية، عندما أسست واشنطن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

 

لكن ثمة سبب آخر لدى بكين لكي تنشط بشكل أكبر على الساحة الدولية، وهو أن قطاعات واسعة من المواطنين الصينيين ستنجذب إلى المؤسسات الغربية، ما لم تقم الدولة بالترويج لمؤسساتها الخاصة في حين واصل الغرب الترويج لقيم نموذجه. وصحيح أن الاضطرابات الحالية الحاصلة في هونغ كونغ قد فشلت في التسرب إلى أي مكان آخر على الأراضي الصينية، لكنها تُظهِر السخط الواسع، الذي قد لا يتوقف عند حدود المستعمرة البريطانية القديمة، على الطريقة الانتقائية في تنفيذ القانون. كما أن المراقبة الصارمة للإنترنت لا تلقى استحسان المتعلمين والشباب. ومن خلال تقديم مزايا الرأسمالية السياسية في بقاع أخرى من العالم، ستتمكّن الصين من إخماد بريق النموذج الليبرالي الغربي في عيون مواطنيها؛ فأنشطتها الدولية انعكاس لشؤونها الداخلية. لكن أيًّا كان الترتيب الرسمي أو غير الرسمي الذي تتوصل إليه الصين مع الدول التي تعتنق الرأسمالية السياسية، فلا بد أن الصين عازمة على ممارسة تأثير متزايد على المؤسسات الدولية، التي كانت على مدار قرنين ماضيين صنيعة الغرب وحده، لخدمة المصالح الغربية وحدها.

 

مستقبل الرأسمالية

  

جادل جون رولز، أحد أهم فلاسفة الليبرالية الحديثة، بأن المجتمع الجيد يمنح أولوية قصوى للحريات الأساسية على الثروة والدخل. لكن التجارب أثبتت أن العديد من الناس مستعدون لاستبدال دخل أكبر بالحريات المتاحة لهم. ويمكن لنا أن نلاحظ هذا الأمر لدى الشركات التي تلجأ إلى تنظيم الإنتاج عموما بأسلوب هرمي غير ديمقراطي، حيث لا يحق للعمال التصويت على المنتجات التي يرغبون بإنتاجها أو على كيفية إنتاجها، وذلك لأن الهرميّة تولد فعالية أكبر وأجورا أعلى. يقول الفيلسوف الفرنسي جاك إلول: "إن التقنية ند الديمقراطية؛ ما تنجح فيه التقنية تفشل فيه الديمقراطية. وإن كان لدينا مهندسون لديهم الشعبية والجماهيرية في أوساط العمال، فإنهم ولا شك سيكونون سيئين في التعامل مع الآلات". والأمر ذاته ينطبق على المجتمع ككل، حيث يمكن أن يُتخلى عن الحقوق الديمقراطية مقابل مداخيل أعلى، وقد حدث الأمر بالفعل.

  

لكن لكي تبرهن الرأسمالية السياسية على تفوقها وتتصدى للتحدي الليبرالي، فسيكون عليها أن تحقق معدلات أعلى فأعلى من النمو الاقتصادي. إذن، في حين أن مزايا الرأسمالية الليبرالية طبيعية، من حيث إنها ملتحمة بالنظام، فإن مزايا الرأسمالية السياسية ذرائعية، أي إن عليها أن تجد ذريعة لإقناع مواطنيها في كل مرة. إن سلبية الرأسمالية السياسية تكمن في الحاجة إلى إثبات تفوقها تجريبيا. كما أنها تواجه مشكلتين إضافيتين؛ فمقارنة بالرأسمالية الليبرالية، ثمة نزوع أكبر لدى الرأسمالية السياسية لتوليد سياسات أسوأ من السابق، كما أنها تُسفر عن ظواهر اجتماعية يصعب التغلب عليها بسبب غياب حافز التغيير لدى أولئك الذين يمسكون بزمام السلطة. بالإضافة إلى أنها تؤدي إلى سخط شعبي أكبر بسهولة، بسبب الفساد المنظم في ظل غياب حكم القانون. إن كانت الرأسمالية السياسية ترغب حقا بتحييد الخطر الليبرالي، فسيكون عليها أن تعزز موقفها من خلال إدارة المجتمع بشكل أفضل، وتحقيق معدلات نمو أعلى وإدارة مؤسسات القانون على نحو أكثر نجاعة.

  

على العكس من الرأسمالية الليبرالية التي يمكن لها أن تنظر بارتياح أكبر إلى المشكلات المؤقتة، تكون الرأسمالية السياسية على قلق طيلة الوقت، وهو ما قد يُشكِّل أفضلية بالمنظور الدارويني، أي إنها بسبب الضغط المتواصل لنيل رضا المزيد من الناخبين قد تكون الرأسمالية السياسية مضطرة إلى تحسين قدرتها على إدارة المجال الاقتصادي ومواصلة توفير المزيد من السلع والخدمات لمواطنيها سنويا عن نظيرها الليبرالي. إن ما يبدو عيبا للوهلة الأولى قد يكون ميزة في الحقيقة.

  

لكن هل سيرضى المترسملون الجدد في الصين بالوضع القائم إلى ما لا نهاية، بحيث تكون حقوقهم الرسمية محدودة وعُرضة للتجريد؟ هل سيقبلون بالعيش تحت الوصاية الصارمة من الدولة؟ أم أنهم سينظّمون صفوفهم مع ازدياد أعدادهم وقوتهم، بحيث يؤثرون في الدولة، وربما تكون لهم الغلبة كما حدث في الولايات المتحدة وأوروبا؟ يقول المسار المسجل لقرابة 2000 سنة من الشراكات غير المتكافئة بين الدولة الصينية ورجال الأعمال الصينيين إن ذلك سيكون أكبر عقبة أمام الصين إن أرادت اتباع النهج الغربي.

  

لكي يحدث ذلك، سيكون على الصين اعتناق الديمقراطية التمثيلية. وقد كان الرأسماليون في الولايات المتحدة وأوروبا حذرين للغاية في استخدام هذا الحل، من خلال إدارة العملية على مراحل بطيئة مع توسعة نطاق الحقوق ببطء وتضييقه أينما كان هناك تهديد محتمل للطبقات المتملّكة (كما حدث في بريطانيا بعد الثورة الفرنسية، عندما أصبح حق التصويت مقصورا على فئات محددة أكثر من ذي قبل). في حال حلّت الديمقراطية في الصين، فإنها ستتّبع على الأرجح نهج الديمقراطية في بقية دول العالم اليوم، أي بصوت واحد لشخص واحد. لكن بالنظر إلى الثقل التاريخي والطبيعة الهشة للطبقات المتملّكة المحدودة في الصين، فليس من الواضح إن كان سيكون من الممكن للطبقة الوسطى أن تتنفّذ في الحكم الصيني. لقد فشل الأمر أول مرة في القرن العشرين في جمهورية الصين الشعبية (التي فرضت سيطرتها على غالبية مناطق البلاد بين عامي 1912 و1949)، ولعل إعادة تأسيسها بنجاح أكبر بعد 100 عام أمر صعب.

  

حكم الأثرياء؟

  

ما الذي يحمله المستقبل لمجتمعات الرأسمالية الغربية؟ تكمن الإجابة في مقدرة رأسمالية الجدارة الليبرالية مستقبلا على الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما، وهي ما يمكن أن نسميها "رأسمالية الناس"، التي يتولد فيها الدخل من رأس المال والعمل، لكنه يتوزع بطريقة أكثر مساواة. وهذا الأمر سيتطلّب توسعة نطاق ملكية رأس المال بحيث تتخطى العشرة في المئة من سكان العالم، إلى جانب إتاحة الوصول إلى الجامعات الكبرى والوظائف المرموقة للجميع، بغض النظر عن الخلفية الأُسرية.

  

لتحقيق مساواة أكبر، ينبغي للبلدان الغربية أيضا تطوير حوافز ضريبية تُتيح للطبقة الوسطى الحصول على المزيد من الأصول، وفرض ضرائب ميراث أكبر على الأثرياء، وتحسين التعليم العام، وإطلاق سياسة لتمويل الحملات الانتخابية. فالتأثير التراكمي لهذه التدابير سيتكفّل بنشر ملكية رأس المال والمهارة.

  

ستصبح النخبة الاقتصادية في الغرب أكثر انعزالا من السابق، تُمارس على مجتمعات ديمقراطية ظاهريا سلطة مماثلة لسلطة النخبة السياسية في الصين. فكلّما التحمت القوة السياسية بنظيرتها الاقتصادية في الرأسمالية الليبرالية الغربية، أضحت الرأسمالية الليبرالية أشبه بحكم الأثرياء أو "البلوتوقراطية"، التي تحمل بعض ملامح الرأسمالية السياسية. في النموذج الأخير، تُستخدم السياسة لتحقيق مكاسب اقتصادية، أما في الرأسمالية البلوتوقراطية التي تكون ليبرالية الجدارة شكلها السابق، فإن القوة الاقتصادية تسحق نظيرتها السياسية. والغاية النهائية من كلا النظامين واحدة، زيادة الأثرياء ثراء، وإعادة إنتاج النخبة إلى أجل غير مسمى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

* يؤمن بعض الاقتصاديين بأن الرأسمالية وُجدت في بلاد الرافدين بالنظر إلى طريقة تنظيم التجارة والعمل المأجور، وأن القيم الاشتراكية في هذه المجتمعات لا تكاد تُذكر، حيث يُطلق على الطريقة التي تمت التجارة من خلالها في بلاد الرافدين هذه الأيام "اقتصاد السوق".

  

** يُعَدُّ معامل جيني من المقاييس المهمة والأكثر شيوعا في قياس عدالة توزيع الدخل القومي، وقام بتطويره عالم الإحصاء الإيطالي "كورادو جيني" قبل أكثر من مئة عام.

 ——————————————————–

ترجمة: فرح عصام.

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة