البجعة السوداء.. كيف أثّرت جائحة كورونا على المشاريع الناشئة في العالم والمنطقة العربية؟

"قضينا 12 عاما لبناء شركة "إير بي إن بي" (Airbnb) وفقدنا كل شيء في غضون 4-6 أسابيع. السياحة كما نعرفها انتهت. لا أقول إن الرحلات انتهت، ولكني أؤكد أن النموذج المعتاد الذي نعرفه للسياحة قد مات تماما ولن يعود أبدا".

كان هذا هو التصريح الذي أدلى به براين تشيسكي، المدير التنفيذي لشركة "إير بي إن بي" (Airbnb) العالمية المتخصصة في تأجير الشقق والغرف السكنية عبر الإنترنت، في حوار أجراه مع شبكة "سي إن بي سي" (CNBC) في نهاية يونيو/حزيران 2020، حول التأثير التدميري الهائل الذي تسبّب فيه فيروس "كوفيد-19" في قطاع السياحة والسفر. الشركة التي تعتبر من عمالقة وادي السيليكون، وكانت على وشك طرح أسهمها للاكتتاب العام، أصبحت خلال عدة أسابيع شركة متهاوية تواجه مستقبلا مُشوّشا تماما في ظل استمرار انتشار الفيروس حول العالم.

قبل هذا التصريح بشهر واحد، وفي نهاية مايو/أيار، كانت شركة "إير بي إن بي" (Airbnb) قد أعلنت عن تسريح 1900 موظف من موظفيها حول العالم بعد الركود الشامل الذي أصاب عملياتها التشغيلية عالميا، أي ما يساوي تسريح ربع موظفيها. (1، 2)

 

مع بداية انتشار جائحة كورونا في بدايات العام 2020، ظهر مصطلح "البجعة السوداء" (Black Swan) في عالم الأعمال كواحد من أهم المصطلحات التي تصف الضربة المفاجئة التي تسبب فيها الفيروس الغامض القادم من الصين. مصطلح "البجعة السوداء" يعني وقوع حدث مفاجئ غير متوقع على الإطلاق يقلب الموازين تماما، وهو المصطلح الذي وصفت به حاضنة الأعمال الأميركية الضخمة "سيكويا كابيتال" (Sequoia Capital) الموقف بالنسبة للشركات الناشئة حول العالم. (3)

 

قبل ضربة كورونا، كان اقتصاد الشركات الناشئة العالمي (Global Startup Economy) يولّد ما قيمته نحو 3 تريليون دولار، وهو ما يعتبر من أضخم الأنشطة الاقتصادية العالمية. ومع ضخامة هذا الرقم، فإن عالم الشركات الناشئة كان يواجه تحديات هائلة بخصوص اختلافات الدول والمدن، وتباين الدعم الذي تحصل عليه الشركات الناشئة، ومساحات الأعمال المشتركة، وفرص التمويل وغيرها.

 

بمجيء كورونا، زاد الطين بلّة وبدأت الأمور تأخذ منحًى كارثيا في عالم الشركات الناشئة، حتى صدر تقرير مناخ الشركات الناشئة العالمي (Global Startup Ecosystem Report) الذي قال إن تداعيات فيروس كورونا تُعتبر "حدث انقراض جماعي" (Mass Extent Event) للشركات الناشئة حول العالم! ( 4 )

 

في الوقت الذي ينطلق فيه فيروس "كوفيد-19" متنقلا بين رئات الملايين من الناس حاصدا أرواح مئات الآلاف من الضحايا حول العالم، فإنه ينطلق أيضا متنقلا بين جيوب الملايين من الشركات حاصدا الملايين من الوظائف والتراجعات المالية. الأمر الذي جعل المحللين يعتبرون أثره الاقتصادي السلبي لا يقل عما حدث في "فقاعة الإنترنت" (dot com bubble) التي نتج عنها إفلاس وانهيار آلاف الشركات في الفترة ما بين 2000-2001، والأزمة المالية العالمية التي شهدها العالم في العام 2008.

 

بحسب تقرير "Global startup economy" فإن التمويل الجريء -استثمارات تقوم بها صناديق متخصصة في الاستثمار في الشركات الناشئة (Venture Capital)- تهاوى بنسبة 20% دفعة واحدة حول العالم في الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2020، بينما تهاوى بنسبة 50% في الصين خلال الفترة نفسها.

 

التقرير أيضا قال إن 72% من الشركات الناشئة حول العالم شهدت انخفاضا في الأرباح بمتوسط ما بين 32-40% منذ بداية الأزمة، بينما حققت 12% فقط من الشركات الناشئة حول العالم نموا متسارعا بشكل ملحوظ في الأرباح منذ بداية أزمة كورونا.

ويأتي في مقدمة القطاعات الأكثر تضررا على الإطلاق من جائحة كورونا قطاع السياحة والسفر الذي تهاوى بنسبة 70%، بينما تأثرت قطاعات أخرى مثل قطاع التزيين والتجميل، وأيضا قطاعات مثل منصات التوصل الاجتماعي والألعاب والبلوك تشاين التي عانت من تراجع في الأرباح بنسب أقل.

 

كما ذكر التقرير أن 41% من الشركات الناشئة حول العالم وصلت إلى ما يُسمى "المنطقة الحمراء"، وهو ما يعني أن أمامها 3 أشهر أو أقل لنفاد المال الذي تملكه هذه الشركات كرأس مال تشغيلي لعملياتها. هذه النسبة ارتفعت من 29% قبل كورونا من الشركات التي تعاني من اقتراب نفاد السيولة المالية لتشغيل عملياتها إلى 41% بعد أزمة الجائحة، وهو ما يُعتبر أكبر تحدٍّ تواجهه الشركات في عالم الأعمال على الإطلاق. (4، 5)

 

الضربة الأكثر إيلاما على الإطلاق التي تسبّب فيها "كوفيد-19″، هو ما شهده العالم من تسريح أعداد هائلة من الموظفين حول العالم وصلت إلى عشرات الملايين. حتى لحظة كتابة هذه السطور، وصل عدد الذين فقدوا وظائفهم في الولايات المتحدة فقط إلى نحو 15 مليون شخص، تقدّموا إلى الحكومة الأميركية للحصول على إعانات بطالة بعد فقدانهم للوظائف. (6)

على مستوى الشركات الناشئة، ومنذ بداية الأزمة قام نحو 74% من الشركات الناشئة بإنهاء عقود موظفين يعملون لديها بدوام كامل، بينما اضطرت 39% من الشركات الناشئة للتخلي عن 20% أو أكثر من طاقمها الوظيفي. كما سجّلت نحو 26% من الشركات الناشئة حول العالم تسريح 60% من موظفيها أو أكثر. بمعنى آخر، ربع الشركات الناشئة حول العالم تخلّت عن 6 موظفين من أصل كل 10 موظفين يعملون لديها بسبب جائحة كورونا.

 

جغرافيًّا، كانت الشركات الناشئة في أميركا الشمالية هي الأكثر تسريحا لموظفيها بنسبة 84%، تلتها الشركات الناشئة في أوروبا بنسبة 67% ثم قارة آسيا بنسبة 59%.

 

إلا أن الخبر الذي كان أكثر لفتا للأنظار بخصوص تسريحات الموظفين من الشركات الكبرى والناشئة حول العالم هو خبر إعلان شبكة "لينكد إن" (Linkedin) المتخصصة في التوظيف أصلا بأنها قامت بالاستغناء عن 6% من أطقم موظفيها، أي ما يعادل 960 موظفا من موظفيها حول العالم، وهو ما اعتبره البعض علامة غير مسبوقة للآثار السلبية التي تسبّب فيها الفيروس في قطاع التوظيف، وتدنّى المعروض من الوظائف حول العالم لدرجة وصوله إلى تسريح مئات الموظفين في أكبر شبكة مسؤولة عن التوظيف في العالم! (5، 7)

 

على مستوى الإدارة والتشغيل، فقد أثّرت جائحة كورونا بشكل واسع في أداء الشركات الناشئة حول العالم، فأكثر من ثلثي الشركات الناشئة قامت بتخفيض نفقاتها منذ ديسمبر/كانون الأول 2019. وعلى الرغم من أن معظم هذه الاقتطاعات من النفقات كانت محدودة، فإن بعض الشركات قامت باقتطاع قدر كبير من نفقاتها، حيث اضطرت شركة واحدة على الأقل من بين كل 10 شركات بتخفيض أكثر 60% من نفقاتها. كما تُشير التقارير إلى أن 76% من الشركات الناشئة التي خفضت نفقاتها بدأت باتخاذ هذا الإجراء بداية من شهر مارس/آذار، وهو الشهر الذي أعلنت في منظمة الصحة العالمية تحوُّل فيروس كورونا إلى جائحة عالمية.

 

أما على مستوى السياسات المتعلقة بمواجهة آثار كورونا في عالم الشركات الناشئة، فقد حصل 46% من الشركات الناشئة على نوع من أنواع الدعم الحكومي أو المؤسسي أو الاستثماري لمواجهة تداعيات الجائحة، بينما قالت 38% من الشركات إنها لم تتلقَّ أي مساعدة ولا تتوقع أن تتلقى مساعدة خلال هذه الأزمة، وتوقّعت 16% من الشركات الناشئة أن يتم مساعدتها قريبا.

 

أوجه الدعم الذي يسعى له المؤسسون والتنفيذيون في الشركات الناشئة جاء على رأسه أربع وسائل رئيسية: على رأسها توفير منح مالية للمحافظة على سيولة الشركة 29%، ثم أدوات لدعم الاستثمار في الشركة بنسبة 18%، ثم تقديم دعم لحماية الموظفين وتوفير منح لتوزيع الرواتب 17%، وأخير تسهيلات في منح القروض السريعة للحفاظ على سيولة الشركة بنسبة 12%. (4، 5)

 

أما بالنسبة للمنطقة العربية، أو ما يُطلق عليها في عالم الأعمال الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA Region) فإن تأثير كورونا لم يكن رحيما أيضا، فبحسب تقرير مشترك صدر بواسطة مؤسستَيْ "ومضة" و"عرب نت" نهاية النصف الأول من العام الحالي، أثّرت الجائحة بشكل سلبي على 71% من الشركات الناشئة في المنطقة، وقال 50% من ممثلي الشركات الناشئة (أي نصف العيّنة) إن السيولة المالية المسؤولة عن تشغيل الشركات سوف تنفد خلال ستة أشهر أو أقل.

 

الدراسة التي أُجريت على 247 شركة ناشئة في المنطقة، تتركّز في الإمارات ولبنان والسعودية ومصر، قالت إن 54% من الشركات الناشئة المتخصصة في التجارة الرقمية (e– commerce) أعلنت أن المال المسؤول عن تشغيل العمليات (Cash runway) سينفد خلال ستة أشهر، بينما قالت ثُلث الشركات الناشئة المتخصصة في الخدمات اللوجستية أن أمامها من شهر إلى شهرين لنفاد المال. أما الشركات الناشئة في التقنية الطبية (Health tech) فقد قالت 43.8% منها إن أمامها أقل من شهرين لنفاد المال المسؤول عن عمليات التشغيل. بينما قال 12% فقط من الشركات الناشئة في المنطقة العربية إن لديها ما يكفي من المال لتشغيل عملياتها لمدة أكثر من 12 شهرا.

من حيث التمويل، قالت 49.6% من الشركات الناشئة المشاركة في الاستطلاع إن جولات التمويل التي كان من المقرر الحصول عليها تأثرت بشكل مباشر بالجائحة، بينما قال 29.5% من الشركات إنهم لا يتطلّعون إلى تمويل قريب، و11% قالوا إنهم سوف يستمرون في الحصول على تمويل كما كان مقررا قبل الجائحة. فقط 9.8% من الشركات الناشئة قالت إنهم شهدوا تحسُّنا في حصولهم على الاستثمارات في وقت الجائحة.

 

أما بخصوص طرق الإدارة والتشغيل، فقد قال ثلثا الشركات الناشئة في المنطقة إنهما الآن يعملان عن بُعد، وأعلن 8.6% من الشركات المشاركة في الاستطلاع أنهم قاموا بتخفيض الأجور بنسبة 50% أو أكثر، بينما قال 15.9% من الشركات إنها قامت بتخفيض عدد الموظفين لديها. (8، 9)

 

في النهاية، وبالرغم من أن بعض الشركات الناشئة استفادت بشكل كبير من جائحة كورونا -وهذا ما سوف نتعرض له تفصيلا في تقرير لاحق-، فإن السمة العامة السائدة في عالم الشركات الناشئة خلال هذا العام هو التركيز على ما يُسمى "عنصر النجاة" (Survival Factor)، أي تنحية جوانب قياس الأداء الاعتيادية بالتركيز على مفاتيح مثل النمو والتوسع، والاكتفاء بالتركيز الكامل على تطوير المنتج وخطط الأعمال التي تضمن بقاء استمرارية الشركة حتى زوال الجائحة.

__________________________________________________

المصادر

  1. Airbnb CEO: It Took Us 12 Years to Build, and We Lost Almost Everything in 6 Weeks
  2. Airbnb laying off 1,900 workers, 25% of its workforce, amid travel slump
  3. Coronavirus a Black Swan for Startups: Sequoia Capital
  4. How Covid-19 Has Impacted The Global Startup Scene
  5.  Impact of COVID-19 Crisis: Insights from Global Startup Survey with the Voice of the Entrepreneurs
  6. U.S. jobless claims rise to 1.1 million amid COVID-19
  7. LinkedIn’s cut of nearly 1,000 jobs is a sign more pandemic pain is coming to white-collar workers
  8. دراسة: الشركات الناشئة في المنطقة العربية تأثرت سلبيا بشكل حاد بجائحة كورونا
  9. Majority of startups in MENA see negative impact from COVID-19

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة