شعار قسم ميدان

وقاية حقيقية أم حيلة لكسب المال.. هل يمكننا الوثوق في منتجات الحماية من أشعة الشمس؟

(شترستوك)

خلال أيام الصيف شديدة الحرارة، والتي يكون خلالها التعرّض لأشعة الشمس ضارا لصحة بشرتك، يكثر الترويج للكريمات الواقية من الشمس، والتي رغم أهميتها فإن الخرافات المرتبطة بها منتشرة ومتنوعة إلى حد كبير. تهدف هذه الخرافات إلى جعل المستهلك يُصدّق معلومات بعينها ويتعامل معها على أساس أنها حقائق، فيقبل عن رضا دفع المزيد من المال، ما يُمكّن الشركات من تحقيق المزيد من الأرباح.

ليست كافية في ذاتها

تحتوي المنتجات الواقية من الشمس على مكونات نشطة تساعد في منع وصول أشعة الشمس فوق البنفسجية إلى بشرتك، تشمل هذه المكونات بعض المعادن مثل ثاني أكسيد التيتانيوم وأكسيد الزنك، وهي تعمل بوصفها درعا واقيا يحجب الأشعة قبل أن تخترق بشرتك. كذلك تحتوي على بعض المكونات الكيميائية، مثل أفوبنزون ​​وأوكتيسالات، وهي تمتص الأشعة فوق البنفسجية، مثل الإسفنج، فلا تسمح لها بأن تُتلف بشرتك.

عند استخدام الكريمات الواقية من الشمس وفقا للإرشادات، ثبت أنها تتمكن من تقليل خطر الإصابة بسرطانات الجلد. يمكن أن يقلل الاستخدام اليومي المنتظم للواقي من الشمس الذي يحتوي على عامل وقاية من الشمس "SPF" يُعادل قيمته 15 من خطر الإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية (SCC) بحوالي 40%، كما يساعد في منع أعراض شيخوخة الجلد المبكرة التي يُسببها التعرّض للشمس، والتي تشمل التجاعيد والترهل والبقع العمرية.

تحاول إدارة الغذاء والدواء الأميركية التأكد دوما من أن واقيات الشمس المطروحة في الأسواق تلبي معايير السلامة والفعالية، لكن الإدارة تنصح أيضا المستهلكين بأنه يجب عليهم الاستمرار في استخدام واقي الشمس مع تدابير الحماية الأخرى. (شترستوك)

وفقا لمؤسسة سرطان الجلد، وهي منظمة معنية بالتوعية بخطورة أشعة الشمس وطرق الوقاية من سرطان الجلد، يجب على الرجال والنساء والأطفال الذين تزيد أعمارهم عن 6 أشهر استخدام واقي الشمس كل يوم، هذا يشمل الأشخاص الذين يتعرضون لحروق الشمس بسهولة، وأولئك الذين لا يظهر على بشرتهم أي آثار حروق. هنا يجب معرفة أن البشرة تتضرر بسبب التعرض لأشعة الشمس طوال حياتنا، سواء أكنا نصاب بحروق أم لا. الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 6 أشهر هم الاستثناء الوحيد هنا، وذلك لأن بشرتهم حساسة للغاية، لذلك فإن أفضل حماية ممكنة للأطفال خلال هذه المرحلة العمرية هو البقاء بعيدا عن الشمس، وارتداء الملابس الواقية من الشمس(1).

تحاول إدارة الغذاء والدواء الأميركية التأكد دوما من أن واقيات الشمس المطروحة في الأسواق تلبي معايير السلامة والفعالية، لكن الإدارة تنصح أيضا المستهلكين بأنه يجب عليهم الاستمرار في استخدام واقي الشمس مع تدابير الحماية الأخرى، مثل تحديد الوقت الذي يقضيه الشخص في الشمس ومحاولة تجنب التعرّض لأشعتها، خاصة بين الساعة 10 صباحا و 2 ظهرا، وهو الوقت الذي تكون خلاله أشعة الشمس أكثر كثافة. أيضا يجب ارتداء ملابس لتغطية الجلد المعرض لأشعة الشمس، مثل القمصان ذات الأكمام الطويلة والسراويل والنظارات الشمسية والقبعات عريضة الحواف. مع الالتزام بما سبق، يجب استخدام واقيات الشمس واسعة الطيف بقيم عامل حماية من الشمس 15 أو أعلى بانتظام ووفقا للتوجيهات، ويجب إعادة وضع الكريم الواقي من الشمس كل ساعتين على الأقل(2).

"لعبة أرقام"

إذا كان الشخص يقضي بعض الوقت فقط في الشمس، فيجب استخدام واقٍ من الشمس أو منتج تجميلي بمعامل حماية من الشمس "SPF" يعادل 15 أو أعلى. عندما تكون الشمس أقوى بشكل خاص أو كان الشخص يقضي المزيد من الوقت متعرضا للشمس، فسيكون بحاجة إلى واقٍ من الشمس "SPF 30" أو أعلى على أن يكون مقاوما للماء. توصي الأكاديمية الأميركية للأمراض الجلدية عموما باختيار واقٍ من الشمس بمعامل "SPF 30″ على الأقل، والذي من شأنه أن يحجب 97% من الأشعة فوق البنفسجية(3).

تعد هذه النسبة بشكل عام أكثر من كافية، لكن بارونات التسويق كان لهم رأي مختلف، فقد جرى الترويج أنه كلما ارتفعت قيمة الـ"SPF" زادت قيمة وجودة المنتج، هنا سيقبل المستهلك عن رضا دفع المزيد من المال متخيلا أنه يحصل على أفضل جودة ممكنة، فقط لأنه يشتري منتجا واقيا من الشمس مُدون على عبوته أنه يتمتع بعامل حماية من الشمس يزيد عن 50 أو 100.

رقم "SPF" الذي تدونه الشركات على عبوات واقيات الشمس غالبا لا يكون دقيقا. (شترستوك)

تكمن المشكلة هنا في أمرين رئيسيين: الأول، والأهم، أن رقم "SPF" الذي تدونه الشركات على عبوات واقيات الشمس غالبا لا يكون دقيقا. أظهرت دراسة نُشرت عام 2017 أن ما يقرب من نصف المنتجات الواقية من الشمس في الولايات المتحدة لا ترقى إلى مستوى عامل الحماية من الشمس المدون على عبواتها. خلال الدراسة، قام الباحثون في مجلة "كونسيومر ريبورتس (Consumer Reports)" بتقييم قيمة عامل الحماية من الشمس لـ65 منتجا من منتجات الحماية من أشعة الشمس، فوجدوا أن 43% منها لديها عامل حماية من الشمس أقل من الرقم المُدوّن على الملصق.

بشكل مماثل، وجدت "International Consumer Research and Testing"، وهي مجموعة عالمية من منظمات المستهلكين في أستراليا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة، اختلافات بين مقدار "SPF" المدون على الملصقات ومقدار "SPF" الذي تم اختباره والتحقق من وجوده بالفعل في واقيات الشمس في أسواق في تلك البلدان (3). مثلا، بعض المنتجات تم تصنيفها على أنها تحتوي على "SPF 50″، ولكن وُجد أنها تحتوي فقط على "SPF 8″، في حين أن غالبية المنتجات كانت تحتوي على معامل حماية أقل من المدون على عبوتها بنحو 10 أو 15 نقطة (4).

السبب الرئيسي الذي يدفع الشركات لادعاء معاملات حماية أعلى من الحقيقة هو التمكن من بيع منتجاتها بأسعار أعلى، وهنا تظهر المشكلة الثانية وهي أن قيم معاملات الحماية المتضخمة تنطوي غالبا على القليل من المعنى (5). يقول الدكتور "كاميرون روخسار"، الأستاذ المساعد لطب الأمراض الجلدية في مستشفى ماونت سيناي في نيويورك: "كان انطباعي طوال الوقت أن صناعة الواقيات من الشمس تشارك في [لعبة أرقام] لبيع المزيد من المنتجات، وذلك من خلال الحصول على تصنيف "SPF" أعلى على منتجاتها".

في السياق ذاته، تقول إدارة الغذاء والدواء الأميركية إنه لا توجد بيانات جيدة تُظهر أن واقيات الشمس يمكن أن تحمي أكثر إذا تجاوزت قيمة عامل الحماية من الشمس 60، ومن ثم فإن تصنيف واقي الشمس بمستويات أعلى من 60 قد يكون مضللا من خلال توفير شعور زائف بالحماية من أشعة الشمس. تعمل بعض واقيات الشمس على تعزيز عامل الحماية من الشمس إلى 100 أو أكثر ولكن، رغم كل هذه المبالغة، فإن هذه المنتجات يمكن أن تفشل في الحماية بشكل كافٍ الأشعة فوق البنفسجية الخطيرة التي تتسبب في شيخوخة الجلد المبكرة وتضر بالحمض النووي في خلايا الجلد، ما يسهم في الإصابة بسرطان الجلد (6).

يشير روخسار أيضا إلى أن المنتجات التي تحتوي على عامل حماية من الشمس أكبر من 30 تستطيع أن تُقدم حماية أفضل بشكل "هامشي". ففي حين أن عامل الحماية من الشمس بقيمة 30 يعمل على حجب 97٪ من الأشعة فوق البنفسجية، فإن عامل حماية بقيمة 50 أو حتى 100 يحجب 98٪ و99٪ من الأشعة على التوالي (4).

النتائج الموعودة قد لا تتحقق أبدا!

ربما يكون السبب الرئيسي في أن النتائج الموعودة لواقيات الشمس قد لا تتحقق أبدا للمستهلك هو "ضعف الرقابة". (شترستوك)

أضف إلى ما سبق أنه ليست كل المستحضرات الواقية من الشمس تعتمد على آلية عمل واحدة أو ذات تركيبة واحدة، مثلا، تمت الموافقة على 17 جزيئا من جزيئات ترشيح الشمس من قبل إدارة الغذاء والدواء لمنع أطوال مختلفة من الأشعة فوق البنفسجية، والتي تتراوح من 200 إلى 400 نانومتر على الطيف الكهرومغناطيسي. تمنح المكونات الأخرى خواص مثل مقاومة للماء أو الاستقرار الكيميائي، ما يغير مدة الحماية من الأشعة فوق البنفسجية (5).

السؤال الذي ربما يطرح نفسه هنا، هو: لماذا يكون أداء بعض واقيات الشمس ضعيفا حينما تخضع للاختبارات الرقابية؟ قد يكون أحد أسباب التناقض هو الاختلافات بين كيفية إجراء الاختبارات الرقابية وكيفية اختبار مصنعي واقيات الشمس لمنتجاتهم. بالنسبة للدراسة المنشورة في 2017، اختبر الباحثون قدرة واقي الشمس على حماية المشاركين من حروق الشمس لمدة 80 دقيقة بعد وجودهم في الماء، بينما يميل المصنعون إلى تقييم أداء واقي الشمس على الأشخاص الذين لم يبللوا.

من المحتمل إذن أن جزءا من مشكلة واقيات الشمس يتمثل في كونها لم ترقَ إلى مستوى ادعاءاتها بأنها مقاومة للماء. يشير الخبراء إلى أنه من المفترض أن تحافظ واقيات الشمس على مستوى عامل الحماية من الشمس حتى أثناء الغمر في الماء طوال المدة التي تدعي فيها أنها مقاومة للماء، هذه المدة بالنسبة لمعظم المنتجات تصل إلى نحو 80 دقيقة (4).

إذا نحينا مسألة الاختبارات جانبا، ربما يكون السبب الرئيسي في أن النتائج الموعودة لواقيات الشمس قد لا تتحقق أبدا للمستهلك هو "ضعف الرقابة". تطلب إدارة الغذاء والدواء الأميركية من الشركات المصنعة اختبار منتجاتها لتحديد عامل الحماية من الشمس، قبل أن تصل منتجاتهم إلى السوق، ولكن ما لم تتم إعادة صياغة النتائج من إدارة الغذاء والدواء، فقد يكون هذا هو الاختبار الوحيد الذي تخضع له هذه المنتجات (3). إذا كان هو ما يحدث في الولايات المتحدة، فما بالنا بما يحدث مثل في العديد من الدول العربية التي تمتلك أنظمة رقابة أقل فعالية.

ربما يكون ضارا

في تقريرها لعام 2018، أن ما يقرب من ثلثي واقيات الشمس الكيميائية تحتوي على مادة أوكسي بنزون، غالبا مع خليط متنوع من المواد الكيميائية الشائعة الأخرى. (شترستوك)

هنا يأتي دور السؤال الأهم: هل المستحضرات الواقية من الشمس التي نستخدمها آمنة حقا؟ في عام 2019، أوضح تقرير نشرته شبكة "CNN" أن ما يقرب من ثلثي جميع واقيات الشمس التي تم تقييمها من قبل مجموعة "العمل البيئية" ربما لا تعتبر آمنة وفعالة بموجب المعايير التي اقترحتها إدارة الغذاء والدواء الأميركية، تم تحليل مكونات وأداء أكثر من 1,300 منتج تُصنف على أنها واقية من الشمس للشاطئ وممارسة الرياضة.

قبل تقرير عام 2019، كانت المجموعة قد ذكرت أن أكثر من 60% من المنتجات التي تم تقييمها لا توفر حماية كافية من أشعة الشمس، أو تحتوي على مواد كيميائية قد تكون ضارة. لذلك، في فبراير/ شباط من عام 2019، دعت إدارة الغذاء والدواء الأميركية إلى إجراء اختبارات إضافية لعشرات من مكونات واقيات الشمس الشائعة بعد اكتشاف أن المستويات العالية من أربعة منها، وهي: أفوبنزون​​، وأوكسي بنزون، وإكامسول، وأوكتوكريلين؛ يمكن أن تدخل مجرى دم الشخص بعد يوم واحد فقط من الاستخدام. بقيت المواد الكيميائية في الجسم لمدة 24 ساعة على الأقل بعد آخر تطبيق للوقاية من الشمس.

تم ربط المادة الكيميائية الأكثر وجودا في واقيات الشمس، وهي: أوكسي بنزون​​، بتلف الشعاب المرجانية والحياة البحرية، فضلا عن انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون لدى الأولاد المراهقين، والتغيرات الهرمونية لدى الرجال، وقصر فترات الحمل واضطراب أوزان المواليد. ومع ذلك، يحذر الباحثون من افتراض علاقة السبب والنتيجة المباشرة دون مزيد من الدراسات. وجدت مجموعة العمل البيئي، في تقريرها لعام 2018، أن ما يقرب من ثلثي واقيات الشمس الكيميائية تحتوي على مادة أوكسي بنزون، غالبا مع خليط متنوع من المواد الكيميائية الشائعة الأخرى (6).

الاستغناء ليس متاحا

تنصح به تقارير المستهلك هو أن يبحث الأشخاص عن واقٍ شمسي يحتوي على معامل حماية "SPF" بقيمة 40 على الأقل، لأن ذلك سيمنحك أفضل فرصة للحصول على معامل حماية بقيمة 30 بشكل فعلي.
تنصح تقارير المستهلك أن يبحث الأشخاص عن واقٍ شمسي يحتوي على معامل حماية "SPF" بقيمة 40 على الأقل، لأن ذلك يمنحك أفضل فرصة للحصول على معامل حماية بقيمة 30 بشكل فعلي. (شترستوك)

هل يعني ذلك أن علينا أن نستغني عن واقيات الشمس؟ الإجابة عن هذا السؤال يُقدّمها المتحدث باسم مؤسسة سرطان الجلد وطبيب الأمراض الجلدية رمزي سعد، وهي: مع الأسف، لا. حذر "سعد" من التخلي عن منتجات الحماية من أشعة الشمس التقليدية، وقال لمجلة نيوزويك: "إن غالبية سرطانات الجلد ناتجة عن الأشعة فوق البنفسجية من الشمس، لذا فإن اتخاذ خطوات لحماية نفسك من أشعة الشمس يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بسرطان الجلد".

يضيف سعد قائلا: "يُعدّ الاستخدام اليومي للكريمات الواقية من الشمس جزءا مهما من إستراتيجية الحماية الكاملة من أشعة الشمس التي تتضمن البحث عن الظل والتستر بملابس لا تُعرّض بشرتك لأشعة الشمس بشكل مباشر، واستخدام القبعات واسعة الحواف، والنظارات الشمسية التي تحجب الأشعة فوق البنفسجية (7).

أيضا فيما يتعلق بمكونات المنتجات الواقية من الشمس والتي قد تكون ضارة، لم تُظهر دراسة أجرتها إدارة الغذاء والدواء الأميركية أن الأوكسي بنزون ​​والمكونات الأخرى يمكن أن تسبب مشكلات صحية، فما يؤكده الخبراء فقط هو أنه يمكن امتصاص هذه المواد الكيميائية. توصي إدارة الغذاء والدواء، وجمعية السرطان الأميركية، ومجموعة العمل البيئية، بأن يستمر المستهلكون في استخدام واقي الشمس بشكل مناسب. في حالة القلق، يقترح الخبراء أن يبحث المستهلكون عن منتجات تحتوي على أكسيد الزنك وثاني أكسيد التيتانيوم، والتي تظهر الدراسات أن الجلد لا يمتصهما (6).

أمر آخر تنصح به تقارير المستهلك هو أن يبحث الأشخاص عن واقٍ شمسي يحتوي على معامل حماية "SPF" بقيمة 40 على الأقل، لأن ذلك سيمنحك أفضل فرصة للحصول على معامل حماية بقيمة 30 بشكل فعلي، مع عدم الانخداع بالمنتجات التي تصل قيمة عامل الحماية بها إلى 100 أو أكثر.

________________________________________

المصادر:

  • 1- All About Sunscreen
  • 2- Sunscreen: How to Help Protect Your Skin from the Sun
  • 3- Get the Best Sun Protection
  • 4- Many sunscreens contain lower SPF than labels claim, study finds
  • 5- myths about sunscreen
  • 6- Majority of sunscreens could flunk proposed FDA standards for safety and efficacy, report to say
  • 7- What Is the Natural ‘Sunscreen’ Trend and Is It Causing Skin Cancer?
المصدر : الجزيرة