فلاتر وسائل التواصل.. كيف وقعنا في شَرَك الجمال الزائف؟

الصور طريقة رائعة للاحتفاظ بلحظات لا تُنسى، خاصة مع انتشار "السيلفي" (selfie) في السنوات الأخيرة، وهو التصوير باستخدام الكاميرا الأمامية للهاتف، لكن جذور السيلفي ترجع إلى سنة 1995 حينما طوَّر اليابانيون آلة "بوريكورا" (Purikura)، وهي كشك يُنتج ملصقات بحجم الطوابع، وقد استخدمت فرقة المغنين "بوب ياباني" آلات "بوريكورا" للتفاعل مع المعجبين، ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تُثبت "بوريكورا" وجودها بوصفها رمزا لعصرها.

بحلول نهاية التسعينيات، كانت "بوريكورا" جزءا من ثقافة الشباب الياباني نظرا لشعبيتها الهائلة بين الفتيات المراهقات(1)، ورغم مرور 25 عاما على إطلاقها، فإنها لا تزال تقود ثقافة "Kawaii" (اللطافة) اليابانية، رغم أنه لم تعد هناك حاجة إلى الآلة الضخمة التقليدية. ففي مايو/أيار عام 1999، أصدرت شركة تصنيع الإلكترونيات اليابانية "كيوسيرا" أول هاتف محمول بكاميرا أمامية، وبدأت صور السيلفي في الانتشار، لتصبح البديل الجديد لـ "بوريكورا".

هاتف كيوسيرا ذي الكاميرا الأمامية

كان ظهور صور السيلفي بشكلها الشائع في موقع التواصل "ماي سبيس" وكذلك في "فيسبوك" في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، و"سناب شات" في عام 2011، بمنزلة بداية للثورة التي نراها اليوم. قدَّمت هذه التطبيقات وسيلة سريعة لإرسال الصور ومشاركتها، وأثبتت أن الصورة الشخصية وسيلة مثالية للتواصل البصري ومشاركة المشاعر والحالة المزاجية. في عام 2013، اختارت قواميس أكسفورد "selfie" كلمة العام، وبحلول عام 2015، استحوذ "سناب شات" على الشركة الأوكرانية "لوكسيري" (Looksery)، وأصدر ميزة "Lenses" أو العدسات، ومن هنا كانت الانطلاقة الفعلية لثقافة الفلاتر.

واليوم، باتت هذه الفلاتر تتمتَّع بشعبية لا تُصدَّق. يزعم "فيسبوك" و"إنستغرام" وحدهما أن أكثر من 600 مليون شخص قد استخدموا واحدا على الأقل من تأثيرات الواقع المعزز المرتبطة بمنتجات الشركة، وخاصة "فلاتر التجميل". وفقا لـ "بلومبيرج"، يعمل ما يقرب من خُمس موظفي "فيسبوك"(2) -نحو عشرة آلاف شخص- على منتجات الواقع المعزز والواقع الافتراضي (AR) و(VR)، وقد صرَّح مارك زوكربيرغ مؤخرا لموقع "The Information": "أعتقد أن من المنطقي حقا أن نستثمر بعمق للمساعدة في تشكيل ما أعتقد أنها ستكون منصة الحوسبة الرئيسية التالية، هذا المزيج من الواقع المعزز والواقع الافتراضي"(3).

"سناب شات" أيضا يفتخر بأرقامه المذهلة، حيث قال متحدث رسمي إن "200 مليون مستخدم نشط يوميا يستخدمون الفلاتر أو العدسات (Lenses) لتغيير مظهرهم"(4)، مُضيفا أن ما نسبته أكثر من 90% من الشباب في الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة يستخدمون منتجات الشركة.

يستمتع العديد من الأشخاص بالفلاتر والعدسات، سواء مستخدمين أو مصممين. تقول كارولين روشا، فنانة التجميل والمصورة، إن فلاتر وسائل التواصل الاجتماعي -وخاصة "إنستغرام"- مَثَّلت لها شريان الحياة في لحظة حاسمة. في عام 2018، كانت في مأزق شخصي، إذ توفي شخص عزيز جدا عليها، ثم أُصيبت بجلطة دماغية أدَّت إلى شلل مؤقت في ساقها وشلل دائم في يدها، ثم ساءت الأمور لدرجة أنها حاولت الانتحار، تقول: "أردت فقط الخروج من واقعي.. كان واقعي مظلما، وكان الأمر عميقا. قضيت أيامي داخل أربعة جدران". بدت الفلاتر بالنسبة لها وكأنها اختراق أعطاها "فرصة السفر… للتجربة: تجربة مستحضرات التجميل، وتجربة قطعة من المجوهرات"، وتؤكِّد: "لقد فتحت لي نافذة كبيرة مُطِلَّة على العالم"(5).

تُضيف روشا أنها درست تاريخ الفن في المدرسة، وجعلتها فلاتر إنستغرام تشعر وكأنها في عالم إنساني وفني عميق مليء بالفرص والتواصل، وأصبحت صديقة لمبدعي الواقع المعزز الذين تحدَّثوا معها عن جمالياتها، ومن ثم أصبحت روشا "مؤثرة فلاتر" (filter influencer)، رغم أنها تقول إنها تكره هذا المصطلح، لكن وظيفتها هي تجربة مرشحات "فلاتر" مختلفة، وتقديمها لجمهور متزايد من المتابعين.

تبقى تجربة روشا جديدة وفريدة، لكنها على ما يبدو حقَّقت أحد أهداف الشركات التي صمَّمت هذه الفلاتر، وهي تحويل التكنولوجيا إلى نوع من المرح. يصف "فيسبوك"(6) تأثيرات الواقع المعزز بأنها طريقة "لجعل أي لحظة أكثر إمتاعا للمشاركة"، بينما يقول "سناب شات" إن الهدف من العدسات "هو توفير تأثيرات إبداعية مضحكة ومرحة تسمح لأعضاء مجتمعنا بالتعبير عن أنفسهم بحرية"(7)، لكن الأمر سرعان ما انجرف بعيدا عن المرح وبدأت عوالمه المظلمة تتجلَّى.

تقول روشا إنها ترى العديد من النساء على وسائل التواصل الاجتماعي يستخدمن المرشحات دون توقُّف، وتقول: "إنهن يرفضن أن يُنظر إليهن بدون هذه المرشحات، لأنهن يعتقدن في أذهانهن أنهن يبدون هكذا". ما قالته روشا ليس مبالغة، ففي تقرير حديث صادر عن مركز أبحاث الجندر والجنس في جامعة لندن، ظهر أنّ 90% من الشابات يستخدمن الفلاتر أو يُعدِّلن صورهن(8) بهدف إعادة تشكيل أنوفهن، أو تبييض أسنانهن، أو بهدف الظهور بمظهر أنحف من الواقع(9).

في الواقع، لقد عانت روشا من ذلك تحديدا، تقول: "لقد حاربت دائما ضد هذا النوع من التزييف، لكن عندما أقول لنفسي: حسنا، يجب أن أُغيِّر صورتي. يجب أن أجعل أنفي أرق وأن أُعطي شفة كبيرة لنفسي لأنني أشعر بالقبح. وجدتني مذهولة أقول لنفسي: توقفي، لا، أنا لست كذلك. أريد أن أشعر بالجمال دون تغيير هذه الأشياء".

"النشر على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن ينتج عنه متعة كبيرة في الحصول على الإعجابات (لايك) والاهتمام التقديري، ولكنه أيضا مصدر قلق كبير لمعظم الشابات، لقد صُدِمت من الشابات اللواتي قلن لي مرارا وتكرارا: أشعر بأنّ الناس تُصدر أحكامها عليّ!"، هكذا علَّقت البروفيسور روزاليند غيل، الباحثة الرئيسة في الدراسة السابقة، في بيان صحفي صادر من جامعة لندن(10).

يبدو القلق حول أحكام الناس أحد الدوافع القوية هنا، حيث عبَّرت هُدى قطّان، صانعة إمبراطورية "هدى بيوتي" لمنتجات التجميل التي تُقدَّر قيمتها بـ 510 مليون دولار وفقا لمجلة "فوربس"(11)، عن امتعاضها من الانتقادات الموجَّهة لأختها عالية لأنها لا ترتقي لمعايير الجمال الحالية، وأنّ وجهها به بعض التجاعيد، كما أنّها لا تستخدم الفلاتر، تقول هدى: "انهارت عالية باكية بسبب التعليقات على الفيديو الذي نشرته، وفي النهاية حذفته"، قبل أن تُعبِّر عن رغبتها في زيارة طبيب تجميل.

تضيف هُدى: "لقد عانيت لتقبُّل شكلي كما هو، وما زلت أتعامل مع هذه المشكلات حتى الآن، لكن المشكلة الأكبر في تسليط الناس المجهر على عيوبك وجعلها مرئية لك، لِمَ تعتقدون أنّ مشكلة الفلتر (تقصد استخدام الفلاتر بإفراط) موجودة؟ إنها تظهر بسبب هذه الضغوط التي تُعزِّز رغبة الناس في إخفاء عيوبهم".

أضف إلى ذلك أنه يمكن لتغيير الصور أن يؤدي إلى إنشاء دورة سلبية، حيث يُعدِّل شخص ما بإفراط، ثم ينتقل الأمر كالعدوى إلى شخص آخر، ويستمر الأمر، ما يؤدي في النهاية إلى دوام ثقافة معايير الجمال الخارقة التي لا يمكن الوصول إليها. تقول سابا هاروني لوري، مالكة ومؤسسة "Take Root Therapy": "قد لا يكون استخدام المرشحات لتحسين مظهرنا ضارا في حد ذاته، لكن كلما قلَّت رؤيتنا للصور الواقعية -الجلد المعيب والتجاعيد- بما في ذلك الصور الواقعية لأنفسنا، زادت صعوبة رؤية تلك الأشياء تطل علينا في المرآة (تقصد وجوهنا الحقيقية)"(12).

تُعتبر مقارنة النفس بالآخرين جزءا طبيعيا من السلوك البشري، ولكن عند القيام بذلك ضد نسخة "مُحسَّنة" من شخص آخر، يمكن أن يكون لها تأثير ضار على إدراكك وحبك لذاتك. "عندما نقارن أنفسنا بالنسخة المثالية للآخرين، مثل تلك الموجودة في الصور المُعدَّلة، يمكن لذلك أن يخلق رد فعل مساويا ومعاكسا لخفض قيمة العُملة، وهو تخفيض قيمة الذات"، كما تقول جيسيكا جانيواري بير، عالمة النفس والمؤسسة والمديرة المرخصة لمركز "Behr" للعلاج النفسي التي تُضيف قائلة: "بمرور الوقت، يمكن أن يؤدي التخفيض المستمر لقيمة الذات إلى نقد ذاتي مرتفع، أو إساءة عاطفية مزمنة للذات"(13).

من جانبها، لاحظت كلير بيسكوت، باحثة في جامعة جنوب ويلز تدرس سلوك المراهقين على وسائل التواصل الاجتماعي، لاحظت اختلافا بين الجنسين عندما يتعلَّق الأمر بالفلاتر، تقول: "قال جميع الأولاد: هذا ممتع حقا، أحب أن أضع هذه الآذان المضحكة، وأحب مشاركتها مع أصدقائي ونحن نضحك. على الضفة المقابلة، ترى الفتيات الصغيرات فلاتر الواقع المعزز أداةً للتجميل، ويقولون أشياء مثل: لقد وضعت هذا الفلتر كي تصبح بشرتي خالية من العيوب، إنه يزيل الندوب والبقع. كان هؤلاء أطفالا في سن 10 و11 عاما". تقول بيسكوت إن الأمر لا يتعلَّق فقط بوضع فلتر على صورتك الفعلية، إنه فلتر على حياتك كلها(14).

المشكلة أن هذا التغيير هو مجرد بداية، إذ تُعَدُّ فلاتر الواقع المعزز على وسائل التواصل الاجتماعي جزءا من مجموعة سريعة النمو من تقنيات التجميل الرقمية. جرى تنزيل تطبيق "فيس تون" أكثر من 60 مليون مرة، وهو موجود ببساطة من أجل تحرير الفيديو والصور بسهولة. بالمثل، يُنشئ المؤثِّرون المعروفون فلاتر في برنامج التصميم Adobe" Lightroom" ثم يبيعونها للناس(15).

في أكتوبر/تشرين الأول 2019، حظر "فيسبوك" بعض "تأثيرات التزييف" بسبب "النقاش العام حول التأثير السلبي المحتمل" لها(16)، وكان فلتر يُسمى "FixMe"، الذي سمح للمستخدمين تعديل وجوههم كجراح تجميل، قد أثار موجة من الانتقادات لتشجيعه الجراحة التجميلية. ولكن في أغسطس/آب 2020، أُعيد إصدار التأثيرات نفسها بسياسة جديدة تحظر الفلاتر التي تُروِّج للجراحة بصراحة، ومع ذلك فإنها لا تزال تُغيِّر حجم ملامح الوجه.

كريستا كورتي هي أخصائية تعليم إكلينيكي في برنامج "Emily Program"، وهو مركز رائد في مجال اضطرابات الأكل والصحة العقلية ومقره في سانت بول، مينيسوتا، وقد ركَّز جزء كبير من وظيفتها خلال السنوات الخمس الماضية على تثقيف المرضى حول كيفية التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي بطريقة صحية، وتقول إنه عندما يُقدِّم المرضى أنفسهم بشكل مختلف عبر الإنترنت وشخصيا، فإنها تلاحظ زيادة ملحوظة في درجات القلق، وتُضيف كورتي: "يطرح الناس على الإنترنت معلومات عن أنفسهم -سواء كان شكلهم أو وزنهم أو أي شيء آخر- بشكل لا يشبه ما يبدون عليه في الواقع. بين هذه الذات الأصيلة والنفس الرقمية يعيش الكثير من القلق، لأنها ليست مَن أنت عليه حقا. أنت لا تبدو مثل الصور التي فلترتها"(17).

أما كلير بيسكوت، الباحثة من جامعة جنوب ويلز، فترى أن الهوية عبر الإنترنت تشبه قطعة أثرية، إنها نوع من الصورة المسقطة عنك وليست حقيقتك(18)، والمشكلة بحسب بيسكوت قد لا تكمن في الفلاتر نفسها، ولكن في أنه بينما يتم تعليم الأطفال عن سلوكيات الحياة عبر الإنترنت، فإنهم يتلقّون القليل جدا من التعليم حول الفلاتر وكيف يُفرِّقون بين المزيف والحقيقي.

حسنا، دعنا نبدأ بأنه أثناء تصفُّحك الإنترنت والتقليب بين صور المشاهير والأصدقاء التي تُضفي عليها الفلاتر طابعا مثاليا، ذكِّر نفسك بوعي أن ما تراه على وسائل التواصل الاجتماعي ليس حقيقة، إذا كان بإمكانك وضع ذلك في الاعتبار، فيمكنك المساعدة في الحفاظ على صحتك النفسية والتحكُّم بشكل أفضل في السردية التي تُغذِّي عقلك، ربما دون أن تدري.

___________________________________________________________________

المصادر:

  1. Purikura-The Core of Kawaii Culture:
  2. Almost a fifth of Facebook employees are now working on VR and AR: report
  3. Mark Zuckerberg on Mind Reading, Apple and the Race to Mainstream VR:
  4. Snapchat Revenue and Usage Statistics (2021):
  5. How beauty filters took over social media:
  6. HOW AR FILTERS ARE HELPING GEN ZERS BUILD NEW WORLDS:
  7. المصدر السابق
  8. 90% of young women report using a filter or editing their photos before posting
  9. changing perfect picture:
  10. 90% of young women report using a filter or editing their photos before posting
  11. Huda Kattan:
  12. 90% of women using a filter on their photos:
  13. المصدر السابق
  14. I Asked an AI to tell me how beautiful I am:
  15. Custom Photo Filters Are the New Instagram Gold Mine
  16. Instagram is banning filters that promote cosmetic surgery as it battles mental health concerns:
  17. “I Wish I was Wearing a Filter Right Now”: An Exploration of Identity Formation and Subjectivity of 10- and 11-Year Olds’ Social Media Use:
  18. المصدر السابق
المصدر : الجزيرة