ليس ضروريا أن يحبك الجميع.. تقبّل ذلك!

اضغط للاستماع

   

"كُن أنت، ولا تهتم إن لم تُعجب أحدا"

(تينا فاي)

   

في السابق، لم يكن الانطباع الذي يتركه المرء في العلن -أمام الآخرين- مُهما بقدر أهمية تصرفاته في الخفاء. كان هذا ما يُسمى بـ "ثقافة الطبع"، على عكس ما نشأ بعدها بولادة "ثقافة التطبع" التي وَهَبت جُلّ المساحة لأن يُصبح المرء "مؤدّيًا" مُسلطا تركيزه على نظرة الآخرين له ورأيهم به، وبات رأيهم هو الذي يهم، وليس الذي يفعله بالخفاء، ولا حتى ما يود فعله باقتناع، إنما ما يتم عرضه ليجذب الآخرين ويُعجبهم ويُرضيهم، وهو الذي يُشكّل المرآة التي يرى نفسه بها.

   

في كتابها "الهدوء: قوة الانطوائيين في عالم لا يتوقف عن الكلام"، تُشير سوزان كين إلى النقطة نفسها، وتُوضِّح الفرق في تحوّل كتب "مُساعدة الذات". ففي عام 1899، صَدَر دليل شائع يُسمى: "الخُلق: أعظم شيء في العالم"، والذي روى قصة فتاة جبانة تعمل في أحد المحال وهبت كل ما تملك من مال لمتسوّل يرجف في البرد، وأسرعت بالهرب قبل أن يراها أحد. والمغزى الذي كان من المُفترض أن يصل للقارئ هو أن فضيلتها لم تُقتَصر على كرمها وسخائها فحسب، بل بحرصها على ممارسة فضيلتها في الخفاء. بينما في عام 1920 تغيّر مسار تلك الكتب الإرشادية، وتحوّلت من التركيز على الفضيلة الداخلية إلى التركيز على السحر والجاذبية الخارجية، واتخذت عناوين مثل: "كيف تُظهر السلوكيات والأساليب التي تجعلك محبوبا"، وهذا ما اعتمدته الكثير من المجلات، مثل "Success" التي خصّصت أقساما تُعلّمك فن المحادثة التي تترك انطباعا جيدا للناس (1).

     

   

في هذه المساحة، وفي مقابلة لـ "ميدان" مع الأستاذ والباحث في علم النفس الدكتور إبراهيم بوزيداني، يقول إن الكثير من الناس يصرفون الكثير من العواطف والمشاعر والجهد لتفسير بعض الإجابات التي تحوم حول سؤالين مختلفين في عمق حياتهم الاجتماعية وعلاقتهم بالغير، تكون إجابة الفرد فيها إما: "أظن أن الناس لا يُحبونني"، والثانية: "الناس لا يحبونني". ويُوضح أن الصيغتين السابقتين لا تحملان المعنى نفسه، بل تختلفان كُليًّا في تفسيرهما ومعناهما النفسي. فما الأبعاد النفسية لكل صيغة؟ وهل من الضروري أن تكون صيغتك: "أنا محبوب، وكل الناس يُحبونني"؟

 

بين الظن والتأكيد

"الحياة أقصر من إضاعة الوقت في التفكير عن رأي الآخرين بك. أظن -في المقام الأول- أن فراغهم هو مشكلتهم! فلو أنهم يملكون ما هو أفضل من الحديث عنك أو رأيهم بك لفعلوه!"

(سي جويبل)

    

"أظن أن الناس لا يُحبونني"؛ كلمة "أظن" توحي أن الإنسان غير مُتأكد مما يقوله، وهذا تماما ما شرحه الدكتور بوزيداني، فهو يرى أن الإنسان السلبي أو الذي لا يتمتع بإيجابية كافية يميل إلى تفسير تصرفات وسلوكيات الغير بصورة سلبية، أي إنه غير جازم أن الناس لا يحبونه، ويُعزى هذا للتجارب السابقة التي مرّ بها الفرد والتي جعلته ينحو منحى التفسير السلبي لسلوكيات الناس تجاهه. وبالانتقال للصيغة الثانية "الناس لا يُحبونني"، يقول الدكتور بوزيداني إن العديد من الدراسات التي تُحلِّل السمات الشخصية تتلخّص في: شخصية انبساطية، وشخصية انطوائية، حيث إن الشخصية الانطوائية هي التي تستمد نشاطها وقوّتها وحيويتها من دوافع ذاتية داخلية تعمل على تجديد طاقتها، أما الشخصية الانبساطية فهي تلك التي تكتسب طاقتها من المحيط، وتتأثر تأثرا شديدا به، وتكون أكثر حساسية للسلوكيات التي تبدر من الغير، وهذا ما يدفع أصحاب هذه الشخصية لسؤال أنفسهم أو مصارحة أنفسهم بكل ما يدور حول رأي الآخرين بهم أو مدى تقبلهم وحبهم لهم.

   

يُكمل الدكتور بوزيداني لـ "ميدان"، وينتقل لنقطة -كما يصفها- أعمق من كل ما سبق، حيث يقول إن الصيغة الواثقة التي يحكم بها الفرد على عدم حب الناس له، مثل قول "الناس لا يحبونني" وكأنها معلومة ثابتة وواضحة وتتضمن كل الشروط التي تُفضي إلى هذه النتيجة الحتمية -والتي لم تكن سوى فكرة في مخيلة الشخص لا أكثر-، قد تفتح الباب للكشف عن مشكلة أعمق، وهي ما تُسمى في علم النفس (2) "عقدة الرفض – أو عقدة الإهمال" (Rejection Complex). فكما يقول علماء التحليل النفسي -أصحاب المدرسة التحليلية- إن الشخص الذي تعرض لمشكلات في علاقة ما في سنواته الأولى، مثل سوء علاقة في مدرسته، أو انقطاع علاقة ما بسبب ظروف (انقطاع أو توقف علاقة بين الطفل وأمه/أبيه)، أو مشكلة في التنشئة التواصلية خلال مراحل عمره الأولى، (3) كل هذا يجعل الشخص يُنمي مع مرور الزمن إحساسا دفينا وعميقا يجعله يشعر أن الناس لا يُحبونه، بل ويحكم على محبة الناس له أو رفضهم له بناء على أصغر تصرف يبدر من أي شخص -يراه هو تصرفا سلبيا-.

     

المشاعر ترتبط ارتباطا وثيقا بسياق الكلام والمحتوى، وهذا ما يجعلنا نفهم أن بعض الابتسامات تعني الحزن، والبكاء أحيانا يكون بسبب الفرح
     

وامتدادا لهذا الخط؛ يُصبح الشخص جائعا عاطفيا، يُعاني من الشره العاطفي ويطلب المزيد والمزيد من العواطف، الاهتمام، الوجود، إلخ. فالإشكال هنا يتحوّل من حب الناس أو عدمه إلى قضية "كمية" العاطفة التي يُريدها الشخص أساسا، والذي لا يكتفي مهما قُدِّم له. فقد يُغدق الناس عليه فعلا بالحب والاهتمام بشكل طبيعي، إلا أن عقدته تمنعه من الإحساس بالكم الهائل الذي يُقَدَّم له، بل لا يراه من الأساس. ومن الجدير بالذكر التفريق بين مَن يُعاني هذه العقدة وبين الشعور الطبيعي بعدم حب شخص معين لك، فهذه العقدة تجعل الشخص يشعر بهذه الأحاسيس بشكل مستمر ودائم حتى قبل التعامل مع الأشخاص، فهو يتوقع الرفض دائما، أما الشعور العادي فهو الذي يأتي بعد موقف معين يُوضح للشخص أن فلانا لا يحبه. (4)

  

دماغ بلاستيكي!

يُوضِّح الدكتور بوزيداني لـ "ميدان" ويُشير إلى رابط آخر يُفسِّر مَيل الشخص إلى ترجمة سلوكيات الغير تجاهه على أنها خالية من الحب أو الاهتمام، أو الحكم على مَن حوله -بشكل قاطع- أنهم لا يحبونه، فيقول إن دماغ الإنسان عبقري؛ يُمكنه أن يعمل لصالحه أو ضده، وذلك عن طريق مرونته. مرونة الدماغ كما يشرحها علماء الأعصاب بما يخص المشاعر والعواطف هي قدرته على ربط الحدث الآني باستجماع واسترجاع كل الأحداث المشابهة السابقة، وهذا ما سلّط الضوء عليه الدكتور بوزيداني في حديثه عن هذه الجزئية، قائلا: "تصل معلومة للدماغ من المُحيط، فيُسارع الدماغ لاسترجاع وعرض آلاف التجارب والذكريات السابقة التي تُساعده على تفسير هذه المعلومة، إما تفسيرا إيجابيا أو سلبيا، فيمكن للدماغ أن يجعل المرء يُفسر ابتسامة على أنها فيض من الحُب، أو يُفسر انشغال شخص ما على أنه إهمال، مقارنة بسلوكيات سابقة من أناس سابقين". فالأمر بيد الشخص نفسه، وفي قدرته على التحكم بمرونة دماغه واستخدام هذه الخاصية للتفسير الإيجابي عوضا عن السلبي. (5)(6)

  

اللعبة التي يلعبها الدماغ بربط الأحداث على الأغلب فخ، فعلى منصة "تيد" (TED) تقف الدكتورة ليزا فيلدمان، الأستاذة الجامعية في علم النفس بجامعة نورث إيسترن وكلية هارفارد الطبية، تبدأ مُحاضرتها بعرض صورة لشاب من الشيشان أقدم على عملية تفجير راح ضحيتها الكثير، تقول إن هيئة المحلفين اعتمدت في حكمها على الشاب واتخاذ قرار يتأرجح بين السجن مدى الحياة أو الحكم عليه بالموت استنادا إلى مدى شعور الشاب بالندم على ما فعله، ولكنهم كلما نظروا لملامح وجهه لا يرون سوى الجمود والبرود، على الرغم من كل صيغ الاعتذار والندم التي قدَّمها الشاب، وتُعلِّق: "كعالمة، يُمكنني القول، لن نستطيع الكشف عن الشعور بالندم، أو أي شعور آخر، لا أنا، ولا أنتم، ولا حتى هيئة المُحلفين".

      

       

تُضيف إلى ذلك حقيقة تقولها بصراحة، إننا أسأنا فهم المشاعر طوال هذه السنوات، فنحن نعتقد أن مشاعرنا ملموسة، أنها وُلدت معنا وأننا نحتفظ بمدارات شاسعة من المشاعر داخلنا، وهذا أمر خاطئ بالمُطلق كما تُوضّحه الدكتورة، فحقيقة المشاعر لا تتعدّى أن تكون مجرد "تخمينات"، افتراضات يُقدِّمها العقل لا أكثر. وتضيف معلومة غاية في الأهمية، أنك أنت القادر على التحكم بهذه التخمينات أكثر مما تظن، فحُكمك على حدث ما، أو طريقتك في بناء مشاعر معينة تجاه سلوك ما، هو اختيارك من ضمن الكثير من التوقعات والاحتمالات التي قدّمها دماغك لك في محاولة فهم وترجمة السلوك. فأنت لا تحتفظ بشعور مُخزن تجاه حدث معين، بل أنت تملك الكثير من الاحتمالات التي ترتبط ارتباطا جذريا في فهم مشاعر الآخرين.

   

ففكرة أن تنظر لوجه شخص ما، محاولا فهم مشاعره من تعابير وجهه، هي فكرة يقوم بها دماغك باسترجاع كل الملامح المشابهة محاولا أن يخلق معنى أو تفسيرا، والأهم من كل ذلك هو أن دماغك سيفسره معتمدا على خبراتك وما يجول في رأسك أنت. فالمشاعر ليست في الوجه ولا في الجسم، الحركات الفيزيائية ليس لها أي معنى عاطفي نقي، بل إن المشاعر ترتبط ارتباطا وثيقا بسياق الكلام والمحتوى، وهذا ما يجعلنا نفهم أن بعض الابتسامات تعني الحزن، والبكاء أحيانا يكون بسبب الفرح (7). ولكن الحكم على الابتسامة أو البكاء دون ربطهما في سياق مَحكي لن يُفهَم -على الأغلب- إلا أن يكون البكاء حزنا والابتسامة فرحا. وتُقدِّم ليزا هذه الأطروحة في كتابها "كيف يتم صنع المشاعر: الحياة السرية للدماغ" وتكشف عن المنهجية التي يحكم بها الأشخاص على حياتهم، أو كيف يفهمون مشاعر المحيطين بهم. وفي القسم الثاني من كتابها تُقدِّم اقتراحات عملية يمكن للقارئ تطبيقها لتدريبه على عدم استخدام مخزون تجاربه كعكاز لكل شيء، وأن يفهم أن تفسيره كان من رأسه فقط معتمدا على خبراته وافتراضات دماغه، الذي من الممكن أن يكون خاطئا!

      

كتاب: كيف يتم صنع المشاعر: الحياة السرية للدماغ (مواقع التواصل)

    

في المساحة نفسها، يُقدِّم ديفيد إيجلمان في كتابه "المُتخفي: الحيوات السرية للدماغ"، ويمشي بوتيرة مشابهة للكتاب السابق، ويبدأ كتابه بفصل معنون بـ "ثمّة شخص في رأسي لكنه ليس أنا"، يستعرض من خلاله ما يراه المؤلف مسؤولا عن اتخاذنا لقراراتنا وعواطفنا وانجذابنا أو نفورنا حيال أمر ما، الذي يتمحور بقدرة اللا وعي. الأمر الذي يطرح تساؤلات عدة، ويجعلك تسبح في مخيلة كاملة من الافتراضات والتوقعات وكيف أنك بالفعل تحت سيطرة لا وعيك. لتصل للجزء الأخير من الكتاب الذي يحاول أن يُمسك بيدك ويمنحك الوعي اللازم لتفسير بعض الأمور وتقديم ما يُشبه الإجابات. هل ترى بالفعل الذي تراه عينك؟ أم أن العين مجرد أداة توصيل إشارة للدماغ الذي سيرسم لك الذي يريده منك أن تراه؟ لنصل في الخلاصة للأمر ذاته، دماغك هو الذي يُحدد تفسيرك للكثير من سلوكيات الغير، ومن الوارد جدا أن يكون تفسيرك خاطئا لا يتناسب مع حقيقة ما يُقدّمه الغير! وهذا يحتاج إلى الوعي بلعبة الدماغ البلاستيكية. (8)

       

كتاب المتخفي: الحيوات السرية للدماغ (مواقع التواصل)

     

حبك لنفسك لا يعتمد بالضرورة على حب الناس لك!

"عندما تكون مختلفا، فعلى الأرجح لن ترى ملايين الصفوف المعجبة بك، بل ستُركز على القلة التي لا تتقبلك"

(جودي بيكولت، تغيير القلب)

  

تنتشر مقولة شائعة بين أوساط داعمي تعزيز مفهوم "التطبع" وكسب أكبر قدر ممكن من المعجبين، تقول: "حبك لنفسك هو انعكاس لحب الناس لك"، وهو ما يعرض معادلة ضمنية طرفاها يتناسبان طرديا، كلما زاد حب الناس وقبولهم لك، زاد حبك لنفسك، والعكس صحيح. في هذا يُقدِّم الدكتور بوزيداني لـ "ميدان" ما يراه من وجهة نظره صحيحا، فيقول إنها مقولة نسبية في مصداقيتها، فيمكن بالفعل أن تكون ثقتك في نفسك سببا يُحبِّب الناس بك، ولكن هناك أناس لن يتقبّلوا وجودك بسبب ثقتك في نفسك! فعلى الرغم من أنها الصفة نفسها، فإنها تجذب وتُنفر. وبالعودة للأنماط المختلفة للشخصية، فالشخصية الانطوائية تكتسب حبها لنفسها من دواخلها وذاتها، ولن يُشكِّل حب الناس عاملا فارقا في تقبُّل الشخص الانطوائي لنفسه، بحيث يصعب إسقاط هذه المقولة عليه، ولكنه قد يلعب دورا مهما في حب الشخص الانبساطي لنفسه، الذي يتأثر بالمحيط ويكتسب طاقته وحيويته من الخارج لا من الداخل.

  

يُنهي الدكتور بوزيداني حواره مع "ميدان" باستدراك نقطة وجب فرد المساحة لها، وهي أنك قد تظن أن الناس لا يحبونك، وربما ظنك صحيح وفي مكانه، خاصة إذا كانوا هؤلاء أناسا طيبين قريبين نتوقع محبتهم، ومع ذلك لا يحبوننا. لذا، يقترح الدكتور في هذه الحالة التي يصل بها الفرد إلى الوعي بمشكلة تواجهه من قِبل الجميع إلى مواجهة الذات، والاعتراف أن هناك ما يدعو الناس إلى الابتعاد عنه بشكل مُتفق، إلى جانب ضرورة أن يعي المرء نمط شخصيته، هل هو انطوائي أم انبساطي؟ فوعي الشخص بنمط شخصيته ومنبع طاقته واتزان ما داخله بما يتناسب مع خارجه سيساعده في الوصول إلى بداية الطريق الذي يتعاكس مع قبول الناس له.

   

ماذا عن الطفل؟


  

"لا تشُك في نفسك، من هُنا يُولد الكارهون"

(توركيوس أومينك)

  

قد ذكرنا فيما سبق أن هناك ما يُسمى "عقدة الرفض" التي تتشكّل بسبب انقطاع علاقة -أو اضطرابها- في سنوات الطفل الأولى، أو سنواته التواصلية التي تتأثر بأي خلل ينمو مترسبا في دماغ الطفل بانيًا فوقه أسسه وفلسفته الخاصة في التعامل مع الغير أو الحكم عليهم مستقبلا. فكيف يُمكن تجنيب الطفل دوامة حب الناس له أو نفورهم منه؟ في هذا الشأن طُرح هذا السؤال على المستشار التربوي الدكتور خليل الزيود؛ كيف يُمكننا إقناع الطفل في سنواته الأولى أن حبنا له أو حبه لنفسه لا يتأثر بعدد مَن يحبونه أو مَن لا يحبونه، خاصة أن الطفل ينخرط في مجتمع منفصل في مدرسته، وله علاقاته وصداقاته الاجتماعية الخاصة التي من الممكن أن يكون بعضها ناجحا والآخر فاشلا؟ يجيب الدكتور الزيود ويشرح لـ "ميدان" أن النقاش والحوار المنفتح مع الطفل يُعدّ أهم خطوة، واختلاق سيناريوهات افتراضية منطقية تُناسب مفهومه للمنطق بالدرجة الأولى.

    

مثل تجسيده للحدث، كسؤاله عن الناس الذين لا ينسجم معهم، أو الذين لا يشعر تجاههم بأي حب، هل يحق لهم أن يغضبوا منه أو يبادلوه مشاعر الكره؟ أو على سبيل المثال ضرب أمثلة مبسطة من محيطه، كتفضيله للون على آخر، قميص على آخر، لعبة على أخرى، وهكذا. هذا كله يُفيد في تقريب الصورة للطفل التي تتمحور حول تقبل فكرة أنه ليس من الضروري أن يكون الشخص المفضل لدى الجميع، وأنه أمر طبيعي لا يجب أن يؤثر على ثقته في نفسه أو على حبه لنفسه. كما يضيف الدكتور الزيود ضرورة أن يكون الأهل والمعلمون أنموذجا للطفل في حفظ حقه في الاختلاف، وأن لا يُجبر على حب ما لا يحبه، خاصة إذا أخذنا في عين الاعتبار أنماط الشخصية التي سبق ذكرها، فعالم الطفل من أعقد العوالم التي يمر بها الفرد في أطوار نموه، حيث يمتلئ بالتناقضات والتداخلات غير المفهومة للوهلة الأولى، ويقع الكثير من المربين والباحثين في شؤون الطفل في التيه بسبب عدم القدرة على فهم المسارات الحقيقية لتصرفاتهم، خاصة تلك التي تنطوي على علاقتهم بالواقع والمحيطين بهم، فتجد أن مفهومي الانطواء والانفتاح يحتاجان إلى نظر عميق وعدم الوقوف على شاطئ الصورة.

    

في النهاية؛ الأمر ليس مرهونا بك. رُبما تقع أحيانا في فخ تخمينات دماغك، وترجمته لسلوكيات ربطها بالماضي، أو أنك ترتكب بالفعل ما يُنفِّر الناس منك، أو ربما نمط شخصيتك يتأثر أكثر بالمحيط. ولكن عموما هو ليس مرهونا بك، ويحدث مع الجميع، ويمكن للوعي هنا أن يكون الفيصل بين أن تهيم في عالم غير مفهوم من الحب والبغض، القرب أو النفور، أو أن تكون خريطة تعاملك مع الغير واضحة للحد الذي يجعلك تُمسك أول خيط القبول وتقبل الحقيقة كما هي، فالبشر في طبيعتهم لا يقبلون الجميع، أغلب الظن أنك أنت أيضا لا تقبل الجميع!

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة