مشروع غاز أمريكي بـ25 مليار دولار يواجه اتهامات بالسيطرة الروسية السرية

يواجه مشروع أمريكي لتصدير الغاز الطبيعي المسال من ألاسكا، بقيمة 25 مليار دولار، أزمة تتجاوز الخلافات الإدارية إلى مخاطر العقوبات والتدخل الروسي في قطاع الطاقة الأمريكي، بعدما كشفت تحقيقات صحفية عن تمويل غير معلن قدمته شركة نوفاتك الروسية للمشروع، وسط محادثات بين واشنطن وموسكو بشأن صفقات طاقة محتملة مرتبطة بمفاوضات إنهاء الحرب في أوكرانيا.
وبحسب تحقيقين نشرتهما صحيفتا فايننشال تايمز ونيويورك تايمز، فإن شركة بولار ترين للغاز الطبيعي المسال، التي تطور المشروع، تلقت تمويلا مرتبطا بنوفاتك رغم عدم حصولها على الموافقات الأمريكية اللازمة للتعامل مع المجموعة الروسية، وهو ما دفع رئيسها التنفيذي السابق جويل ريدل وعددا من كبار المسؤولين إلى مغادرة الشركة.
قصص مقترحة
list of 2 itemsونقلت فايننشال تايمز عن ريدل قوله إنه استقال في سبتمبر/أيلول بعدما اكتشف أن نوفاتك لا تكتفي بتوفير التكنولوجيا للمشروع، بل تموله وتؤثر في توجهاته الإستراتيجية، خلافا لاعتقاده الأولي بأن التمويل يأتي من مستثمرين أمريكيين وشركة تك ويف لإدارة المشروعات الصناعية، ومقرها أبو ظبي.
وفي المقابل، نفت بولار اتهامات رئيسها التنفيذي السابق، ووصفت تصريحاته بأنها صادرة عن موظف سابق ساخط، مؤكدة التزام أنشطة المشروع بالقوانين الأمريكية. كما أعلنت نوفاتك أن تنفيذ المشروع يتطلب الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة من السلطات الأمريكية والروسية.
تمويل عبر أبو ظبي وحصة ملكية روسية محتملة
كشفت نيويورك تايمز -استنادا إلى مراسلات ووثائق داخلية- أن مسؤولين بارزين في نوفاتك، بينهم رئيسها التنفيذي ليونيد ميخيلسون ونائب رئيسها دينيس سولوفيوف، ناقشوا توفير ما يصل إلى 15 مليون دولار عبر شركة تك ويف لتمويل أنشطة المشروع الأمريكي.
وبحسب الصحيفة، أظهرت مراسلات أعقبت اجتماعا عُقد في أبو ظبي أواخر أغسطس/آب أن دفعة أولى بقيمة 5 ملايين دولار كان يُفترض تحويلها مطلع سبتمبر/أيلول.

وأوردت فايننشال تايمز رسائل عبر تطبيق واتساب، اطلعت عليها، يظهر فيها سولوفيوف وهو يناقش تمويل المشروع ويسعى إلى تسريع تحويل الأموال إلى بولار.
لكن التطور الأبرز -وفق نيويورك تايمز- تمثل في إعلان نوفاتك أنها تسعى إلى امتلاك حصة أقلية في المشروع، وهو ما قد يحول دورها من مورد للتكنولوجيا إلى شريك يمتلك مصلحة مالية مباشرة في تصدير الغاز الأمريكي.
وتعني هذه المشاركة المحتملة أن الشركة الروسية قد تستفيد من المشروع عبر مسارين: بيع تقنيات تسييل الغاز والمعدات المرتبطة بها، والحصول على عوائد مستقبلية من حصتها الاستثمارية، إذا استُكمل المشروع وحصل على الموافقات المطلوبة.
وتعود بداية المشروع إلى مارس/آذار الماضي، عندما طُرحت خطة للاستفادة من منشأة روسية غير مكتملة ونقلها إلى ألاسكا. وذكرت فايننشال تايمز أن الشركة طلبت إذنا من وزارة الخزانة الأمريكية للتفاوض مع نوفاتك، لكنها لم تكن قد حصلت على الموافقة عند ظهور الخلاف بشأن التمويل.
وتشير الصحيفتان إلى دور شركة تك ويف الإماراتية في هيكل المشروع وتمويله، لكنهما لم تثبتا أن الشركة الإماراتية ارتكبت مخالفة قانونية. وأكدت بولار أن تك ويف قدمت التمويل وبدأت أعمالا هندسية أولية بمشاركة مقاولين أمريكيين.
غاز أمريكي بتكنولوجيا روسية
يستهدف المشروع استغلال احتياطيات الغاز الطبيعي المصاحب لإنتاج النفط في شمال ألاسكا، حيث يعاد ضخ كميات كبيرة من الغاز المستخرج إلى باطن الأرض بسبب محدودية البنية التحتية اللازمة لنقله.
وبحسب التفاصيل الفنية التي نشرتها نيويورك تايمز، تخطط بولار لشراء منشأة ضخمة من نوفاتك، مصنوعة من الخرسانة والفولاذ ويبلغ وزنها نحو 640 ألف طن، وتركيبها في منطقة ميلن بوينت قبالة الساحل الشمالي لألاسكا.
ومن المقرر تزويد المنشأة بمعدات لتسييل الغاز، قبل شحنه على ناقلات متخصصة قادرة على العمل في المياه الجليدية وتوجيهه إلى الأسواق الآسيوية.
لكن الخطة تواجه تحديات فنية وبيئية، بينها ضحالة المياه في الموقع المقترح، واحتمال تأثير المشروع في أنشطة صيد الحيتان التقليدية والمجتمعات المحلية، فضلا عن الحاجة إلى تصاريح اتحادية متعددة.
كما يواجه المشروع منافسة من خطة أخرى، تحظى بدعم أمريكي، لإنشاء خط أنابيب للغاز بطول 800 ميل، بتكلفة تقديرية تبلغ 50 مليار دولار، لنقل الغاز من شمال ألاسكا إلى ساحلها الجنوبي، بما يتيح تصديره إلى آسيا.
وذكرت نيويورك تايمز أن اليابان وكوريا الجنوبية قد تشاركان في تمويل مشروع خط الأنابيب المنافس، سعيا إلى تعزيز أمن إمداداتهما من الغاز.
العقوبات على طاولة المفاوضات
تكتسب القضية حساسية إضافية بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على مشروع نوفاتك الروسي "آركتيك للغاز الطبيعي المسال 2" منذ عام 2023، والتي عرقلت تشغيله بكامل طاقته المستهدفة البالغة نحو 20 مليون طن سنويا.
وكشفت فايننشال تايمز -نقلا عن أشخاص مطلعين على المحادثات الأمريكية الروسية- أن المناقشات شملت احتمال استعانة مشروع ألاسكا بخبرات نوفاتك مقابل رفع العقوبات عن المشروع الروسي.

لكن نوفاتك نفت وجود ارتباط بين استخدام تقنياتها في ألاسكا وتخفيف العقوبات عن منشأتها الروسية، مؤكدة أنها تتعامل مع المشروع الأمريكي بوصفه فرصة مستقلة.
ومن جهتها، أفادت نيويورك تايمز بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ناقش الخطوط العامة لمشروع ألاسكا مع مبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر خلال محادثات الشهر الماضي.
وأوضحت الصحيفة أنه لا توجد مؤشرات على علم المبعوثين بالتمويل الروسي غير المعلن أو بطبيعة الارتباط المالي بين بولار ونوفاتك، في حين قال مسؤول أمريكي إن المشروع طُرح بصورة عامة دون مناقشات تفصيلية.
وتزامنت هذه الاتصالات -بحسب نيويورك تايمز- مع بحث فرص تعاون أخرى في قطاع الطاقة، شملت احتمال بيع حصة من شركة لوك أويل الروسية إلى الحكومة الأمريكية ومستثمرين آخرين، إلى جانب مشاركة أمريكية محتملة في صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا.
استقالات وأخطار على مستقبل الاستثمار
أدت الخلافات بشأن مصادر التمويل إلى استقالة ريدل وعدد من المسؤولين التنفيذيين، بينهم المدير المالي دان تشاندرا ونائب الرئيس التنفيذي جيم سميث.
واستندت نيويورك تايمز إلى وثائق تُظهر أن ريدل قدم استقالته قبل أن ترسل الشركة خطابا بإنهاء خدماته، خلافا للرواية التي قدمتها بولار عن ظروف مغادرته.
وأشارت الصحيفتان إلى مذكرة قانونية أعدها مكتب بيكر بوتس، حذرت من أن ارتباط المشروع بنوفاتك قد يثير مخاوف لدى السلطات الأمريكية المختصة بالعقوبات، ويؤثر في إصدار التراخيص والموافقات التنظيمية.
ويحتاج المشروع على وجه الخصوص إلى موافقة وزارة الخزانة الأمريكية لاستخدام معدات نوفاتك، وتصريح من اللجنة الفيدرالية لتنظيم الطاقة لإنشاء منشأة التصدير.
وفي حين عينت "بولار" تيم توكينغتون -الذي سبق له إدارة عمليات غولدمان ساكس في روسيا– رئيسا تنفيذيا بالإنابة، أكدت أنها تواصل البحث عن مستثمرين وشركاء تنفيذ أمريكيين.
وبينما تسعى واشنطن إلى تعزيز صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، تضع هذه التطورات مشروع ألاسكا أمام معادلة معقدة: الاستفادة من التكنولوجيا الروسية لتطوير مورد أمريكي إستراتيجي، مقابل أخطار تنظيمية وسياسية قد تعرقل التمويل والتنفيذ، في ظل استمرار العقوبات على قطاع الطاقة الروسي.
ولا تزال الاتهامات المتعلقة بمخالفة العقوبات غير محسومة، ولم تورد الصحيفتان صدور قرار قضائي أو تنظيمي يثبت وقوع انتهاك من جانب الشركات المعنية.