هل تحوّل كثرة المشاريع النفطية وشح المياه محافظة البصرة إلى صحراء؟

البصرة تعد أكبر مدينة نفطية في العالم وتنتج ما نسبته 73% من نفط العراق وبمعدل 3 ملايين برميل يوميا تقريبا، وتستحوذ على 4 حقول نفطية من أصل 6 عملاقة بالعالم، ويقدر احتياطها النفطي بأكثر من 93 مليار برميل.

A worker walks at Nahr Bin Umar oil field, north of Basra, Iraq December 21, 2015. Iraq has signed deals worth $1.4 billion to ship about 160,000 barrels per day of crude to two Indian refiners in 2016, sources said, upping the ante in a race among exporters to cement their market share in Asia - the world's top oil consuming region. Picture taken December 21 2015. REUTERS/Essam Al-Sudani
حقل نهر بن عمر في البصرة أحد أكبر الحقول النفطية في العراق (رويترز)

البصرة– تواجه محافظة البصرة جنوبي العراق مصيرا مجهولا مع ازدياد المشاريع النفطية فيها، بالإضافة إلى استمرار تقليل الحصص المائية من منابعها في إيران وتركيا، مما قلّل من مساحة الأراضي الزراعية فيها، وهذا ما يزيد من احتمال أن تتحول إلى منطقة صحراوية خلال السنوات المقبلة.

واتجه العراق بعد العام 2003 إلى الاهتمام أكثر بالنفط من خلال زيادة كميات الإنتاج، لينعكس ذلك سلبا من جانب آخر على الهواء والصحة العامة لسكان المناطق النفطية، وأفقد الزراعة عاملين مهمين هما التربة والمياه، مع معاناة المناطق الجنوبية مثل البصرة من مشكلة الملوحة الناجمة من طبيعة السهل الرسوبي وقلة كفاءة عمليات الاستصلاح وتلوثت التربة والمياه الجوفية في مناطق متعددة منها.

الخبير النفطي والباحث الإقتصادي البصري د. نبيل المرسوميالمرسومي اعتبر البصرة أكبر مدينة نفطية بالعالم حيث تنتج نحو 3 ملايين برميل من الخام يوميا (الجزيرة نت)

 أكبر مدينة نفطية

وتُعدّ البصرة أكبر مدينة نفطية في العالم وتنتج ما نسبته 73% من نفط العراق وبمعدل 3 ملايين برميل يوميا وتستحوذ على 4 حقول نفطية من أصل 6 عملاقة في العالم، ويقدّر احتياطها النفطي بأكثر من 93 مليار برميل، وهذا ما يجعل استحواذ العمليات النفطية على أجزاء شاسعة من مساحتها البالغة نحو 19 ألف كيلومتر مربع كبيرا، حسب الخبير النفطي والباحث الاقتصادي البصري الدكتور نبيل المرسومي.

كما تتميز البصرة بكثرة محاصيلها الزراعية على الرغم من أن المياه التي تسقى بها هي من الآبار الإرتوازية، على عكس المياه الإروائية القليلة جدا.

الحمداني كشف في وقت سابق عن انخفاض كميات المياه الواردة من إيران وتركيا بنسبة تبلغ 50% (الجزيرة)

قنوات دون جدوى

ولمعالجة مشكلة شح المياه وقلة الحصص المائية، فتح العراق قنوات حوار ومباحثات مكثفة خلال السنوات الماضية مع تركيا وايران من خلال وزارتي الموارد المائية والخارجية، إلا أن جميعها لم تُساهم في حل المشكلة حتى الآن، مما انعكس سلبا على إنتاج الأراضي الزراعية.

وكان وزير الموارد المائية العراقي مهدي الحمداني قد كشف في وقت سابق عن انخفاض كميات المياه الواردة من إيران وتركيا بنسبة تبلغ 50%، نتيجة بناء العديد من السدود والمشاريع على منابع نهري دجلة والفرات.

وتعدّ معظم الأراضي الزراعية في البصرة ملحية، إلا أن المتحدث باسم وزارة الزراعة حميد النايف أعرب للجزيرة نت عن خشيته أن تكون هناك نسبة انحسار كبرى للمساحات الزراعية، مع تأكيده استمرار جهود وزارته مع وزارة الموارد المائية لفتح قنوات جديدة لإيصال المياه الى البصرة وبشتى الطرق لإدامة الزخم فيها وتوفير الأمن الغذائي للمواطن وخاصة من محاصيل الخضروات.

النايف أعرب عن خشيته من أن تكون هناك نسبة انحسار كبرى للمساحات الزراعية (الجزيرة نت)

هل تتحول البصرة إلى صحراء؟

ولا يختلف رأي كبير خبراء الإستراتيجيات والسياسات المائية رمضان حمزة عن رأي النايف بشأن النتائج السلبية من انخفاض منسوب المياه وقطع الحصص المائية، منها قطع إيران نهري الكارون والكرخة اللذين كانا يغذيان شط العرب (جنوبي البلاد) ويحافظان على نسب الملوحة فيه، مما أدى إلى تمدد اللسان الملحي إلى شط العرب وبالتالي زيادة التلوث وخسارة الاستفادة من مياه الشط المذكور.

وأما تركيا فهي الأخرى ساهمت في ازدياد الضرر على حصة مياه المدينة من خلال إقامة السدود على نهري دجلة والفرات، مما أدى إلى قلة الوارد المائي كون البصرة آخر نقطة تصلها المياه، وبالتالي تردي نوعية مياه قناة البدعة التي تعتمد عليها دجلة، وفق رأيه.

حمزة اعتبر تردي البنى التحتية لمشاريع المياه وقدمها وعدم إجراء الصيانة الدورية أمورا أدت لتأزيم الوضع بالبصرة (الجزيرة نت)

وبالإضافة إلى ذلك، فإن تردي البنى التحتية لمشاريع المياه وقدمها وعدم إجراء الصيانة الدورية، كل هذه العوامل -كما يقول حمزة للجزيرة نت- ساهمت في حدوث أزمة مياه حقيقية شهدتها المدينة عام 2018 وتلتها أزمات متتالية، عازيا السبب في ذلك إلى عدم حل أصل المشلكة، بل لا يزال يُعتمد على الحلول الترقيعية، وهذه الإجراءات لا تناسب التعامل مع مصادر المياه وخاصة عندما يتعلق الأمر بمياه الشرب لمدينة كبيرة يقطنها الملايين.

وعن احتمال أن تحوّل كثرة المشاريع النفطية وانخفاض منسوب المياه والحصص المائية محافظة البصرة إلى صحراء خلال السنوات القادمة، لا يحصر حمزة في رده على سؤال الجزيرة نت مخاطر هذه الظاهرة على البصرة فقط بل يشمل فيه المناطق المحاذية لنهر الفرات.

واعتبر أنها مُعرضة لزحف الصحراء لقلة الإمدادات المائية في النهر، وعدم قيام الحكومة بجهود لإنشاء أحزمة خضراء والاستفادة من مياه البزل التي تذهب سدى إلى شط العرب وتلوثه لأغراض إنشاء أكبر المراعي في الصحراء العراقية.

تردي الأوضاع وشح المياه أديا إلى خراب العديد من بساتين النخيل التي تشتهر بها البصرة (الجزيرة نت)

مخاطر المشاريع النفطية

وتوافقا مع رأي حمزة، يُحذر الخبير النفطي نبيل المرسومي من الآثار السلبية من زيادة المشاريع النفطية التي ستغدو البصرة بسببها منطقة صحراوية خلال السنوات الـ15 أو الـ20 القادمة، بالإضافة إلى الزحف السُكاني الذي يُحوّل المزيد من الأراضي الزراعية والبساتين إلى أراض سكنية باستمرار الإستراتيجية العراقية لزيادة الإنتاج النفطي.

ومع استمرار عمليات حفر الآبار النفطية لزيادة الإنتاجية، يترتب على ذلك إنتاج غاز مصاحب ملوث للبيئة بحيث ينتج كل برميل من حقول البصرة نحو 700 قدم مكعب من الغاز الذي يؤدي بدوره إلى تلوث الهواء، بالإضافة إلى تلوث التربة من حقن مخلفات العمليات النفطية في الأرض وحقن المياه المختلطة مع النفط أثناء فصلها.

ويتلف كل قدم مكعب من هذه السموم -كما يؤكد المرسومي للجزيرة نت- حوالي 4 آلاف قدم مكعب من المياه العذبة والجوفية في البصرة، وهذا ما يزيد من عوامل تدمير الزراعة.

وينتقد الباحث البصري عدم وجود ضوابط تعاقبُ من خلالها الشركات النفطية على عمليات الضرر الكبير الذي تسببه في البيئة، لخلو عقود التراخيص من أي عقوبات صارمة على الشركات التي تقوم بعمليات كبيرة في إتلاف الأراضي الزراعية.

وللعوامل السلبية أعلاه، باتت المحافظة بحاجة ماسة ليس للأراضي الزراعية فحسب، وإنما للأراضي السكنية أيضا في ظل غياب إستراتيجية واضحة للقطاع الزراعي، بالإضافة إلى درجة الملوحة العالية في شط العرب حول مزارع كبيرة، مما قد يحوّلها إلى صحراء جرداء نتج عنها زيادة الغبار والملوثات الكبيرة في ظل غياب مصدّات خضراء يمكن أن تقلل من هذه الأضرار.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة