في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة

حفظ

"ناس الغيوان" و"جيل جيلالة".. سفراء الأغنية المغربية في أصقاع العالم الوثائقية
مجموعة جيل جيلالة تصنع ملحمة الغناء الشعبي الملتزم في سبعينيات القرن الماضي (الجزيرة)

من الصعب اليوم أن نربي أنفسنا على محبة الوطن، وما ينهض عليه من قيم وطنية وإسلامية معتدلة وأخرى إنسانية كونية منفتحة على العالم، خارج تعميم درس التاريخ والفلسفة والفنون، على مدارسنا المغربية (وربما الشيء نفسه بالنسبة لكل مدارسنا العربية)، مهما كانت نوعية الفئة العمرية، ومهما كانت مدة تدريسها أو تكوينها.. وربما من الممكن تعميم هذا على كل المجتمعات التي تعيش قلق "الهوية" في زمن تمزق الذات وعزلتها عن ذاتها الجماعية الحقيقية.

التاريخ يرتبط بالذاكرة، وبسؤال الوثيقة، والنبش فيما وقع ولماذا وكيف، إلخ؟ ودرس الفلسفة يسهم في التربية على طرح السؤال، وثقافة النقد، وتقوية حاسة العقل وغيره. وماذا عن الفنون؟ هي بوابة لتكوين ذائقة المتلقي، وجعله يتربى على مواطن الجمال، ومحاربة كل أشكال العنف والتطرف.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

هذه عناصر بسيطة، من الممكن الوقوف عليها حينما نعمم هذه الدروس على المتعلم (في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية) والطالب الجامعي (في المرحلة الجامعية)، حتى ولو كان في كلية عسكرية أو أمنية أو طبية أو تقنية أو متخصصة في البكتيريا أو في التربة.

خارج تعميم هذه الدروس مجتمعة، في وحدة دراسية موحدة، أو مقدمة بشكل منفصل، من الممكن القول إننا نسهم في تربية أجيال لا ذاكرة لها، بل أجيال غير مدركة لحقيقة الوطن ورموزه التاريخية والحضارية والفنية.. أجيال هي اليوم في قبضة التكنولوجيا، والعديد من أوهام شبكات التواصل الاجتماعي (دون نفي لمنافعها)، والتي تقضي فيها مدة ربما تصل أحيانا إلى "25" ساعة في اليوم. ولعل العديد من الأحداث التي تقع، حاليا، داخل أو خارج أرض الوطن تؤكد، فعلا، أننا أمام لحظة تاريخية علينا أن نعيد فيها السؤال كيف نكون أبناءنا اليوم؟

هل علينا السير في تعليمهم معلومات، وجب حفظها وإرجاعها يوم الامتحان، وبالتالي بها نقومهم، ونختم سنتنا الدراسية فرحين بـ"تفوقهم" وبحصولهم على عمل في شركات أو في إدارات، بل من الممكن لهم أن يصبحوا أرباب شركات، إلخ، لكنهم في العمق مجرد أدوات تقنية صالحة للعمل، دون تمكنهم من معرفة ما الوطن؟ وما تاريخه؟ وما حضارته؟ وما فنونه؟ وما رائحة تربته؟

إنني لا أفرق بين الحق في المطالبة باسترجاع ما زال بين يدي المحتل من أراضينا المغربية، ودرس في الفلسفة والتاريخ والفنون

زمن السبعينيات وأثر التاريخ والفلسفة والفنون في الوطن

لندقق النظر، اليوم، في طبيعة الأجيال الجديدة التي تعيش بيننا. صحيح لكل جيل الحق في اختياراته، وفي ذوقه، وفي البحث عن رزقه، وفق حاجات عصره، إلخ، لكن الوطن أمانة وتربة وتاريخ وذاكرة وحضارة ورائحة جدات وآباء، إلخ، من اللازم أن يبقى جامعا وحاضنا لنا، بل وغير مفرطين في ثقافته وحضارته والتعريف بنسائه ورجاله الذين بنوه واستشهدوا من أجله، لننعم نحن اليوم وغدا.. وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. بخيراته المتعددة.

إعلان

إن ما يجري حولنا، اليوم، من عدم الاهتمام، بذاكرة المغرب الجماعية العريقة، يؤكد بوضوح، أن حقل التعليم والتربية والتكوين والبحث والمعرفة والثقافة، إلخ، مجالات من الممكن الترافع والتدافع من أجل اعتبارها مجالات لا تقل أهمية عن قيمة الحدود المغربية من طنجة وحتى لكويرة. كيف؟

إنها مجالات أعتبرها ذات بعد سيادي. إنني لا أفرق بين الحق في المطالبة باسترجاع ما زال بين يدي المحتل من أراضينا المغربية، ودرس في الفلسفة والتاريخ والفنون. من فرط في تدريس هذه الثلاثية، قد يفرط، لا قدر الله، في ذاكرته الجماعية، وحضارته وثقافته، إلى درجة أنه قد يكون في يوم ما أمام أجيال غير مدركة لقيمة الوطن، وغير عارفة لطرح سؤال من قبيل ما الوطن؟ وما الذاكرة الجماعية؟ وهل لي ما يميزني عن غيري؟ أم أنا مجرد كائن استهلاكي تقني آكل لأعيش وأموت ولا يهمني لا تاريخ وفلسفة ولا فنون؟

حينما نعود إلى زمن المغرب الخصب، ثقافيا وسياسيا، خصوصا في بداية السبعينيات، سنجد أنفسنا أمام أجيال مغربية تربت في حضن عرف بمحبة الفنون، ولعل صوت جيل جيلالة وناس الغيوان، ولمشاهب، ومسرح الطيب الصديقي، والملحون، والأندلسي، وسينما البوعناني، وفن العيطة، وعبد الهادي بلخياط، وعبد الوهاب الدكالي، والحلقة، إلخ، بالإضافة إلى محبة الفلسفة والتاريخ.

كل هذا جعلنا فعلا أمام فترة تاريخية خصبة، بكل مكوناتها ورموزها الفلسفية والأدبية والسياسية والفنية والثقافية الشعبية، بل أكاد أجزم أن هذه الأصوات والرموز المعرفية والفنية، التي بصمت المغرب خلال هذه الحقبة، أسهمت في تكوين جيل لا يزال قادرا على العطاء، إن لم أقل إنه جيل أسهم في بناء المغرب الحديث، ومن خلال وجوده في محطات سياسية وأكاديمية وثقافية وفنية، إلخ، ولعل آثاره حاضرة إلى يومنا هذا، وربما تحول هذا الجيل إلى مصدر غني به تقوت ذاكرة المغرب الثقافية والفنية والتاريخية.

صوت جيل جيلالة، من الأصوات الفنية التي تعلمنا منها الشيء الكثير. صوت جماعي شعبياً فني، نحت ذاته الجماعية من الغناء الشعبي الجماعي المغربي، بل طور العديد من الأشكال الغنائية المغربية الراقية مثل فن الملحون، وتمكن من أن يحدد له مقعدا فنيا في خريطة المغرب الطربي الشعبي الذي أسهم في بلورة وتقوية حاستنا الفنية وذائقتنا الجماعية.

لا خير في مدرسة لا تدرس ذاكرتها الطربية الجماعية الشعبية، وغيرها للمتعلم. كيف من الممكن صيانة الذاكرة الجماعية، دون جعل بعض مكوناتها على الأقل، مادة دراسية ولو مرة واحدة في الشهر؟

من فرط في ذاكرته الثقافية الشعبية الجماعية، بكل تأكيد سيسهم هذا في التربية على الفراغ والخواء، بل سيكلف هذا التفريط في توفير المال واللوجستيات، لمواجهة العديد من هذه الأجيال ذات الذاكرة المحدودة وغير العارفة بتاريخها وفلسفتها وفنونها، إلخ.

جيل جيلالة صوت فني شعبي جماعي، وهو جزء أيضا من الذاكرة المغربية الجماعية الخالدة، والتي قدمت العديد من الفنون الشعبية ليصان بها العقل والروح معا.. أكثر من هذا فهذا الصوت صوت شعبي يشبه جراحنا وأفراحنا وهمومنا وأحلامنا، ما تحقق منها، وما لا يزال مؤجلا حتى اليوم.

إعلان

صوت من خلاله من الممكن تتبع العديد من تفاصيل الحياة في هذا الوطن منذ بداية السبعينيات.. يكفي العودة إلى تفكيك المتون الغنائية التي غنتها هذه المجموعة ودراستها من زوايا منهجية متعددة (تاريخية وسوسيولوجية وسيكولوجية ولسانية وبنيوية وسيميائية وثقافية، إلخ) لنتأكد فعلا من أنها التقطت العديد من انشغالات المغاربة، ومن زاوية منفتحة على العالم.. غنوا من أجل الوطن .. وفي الوقت نفسه نددوا بمن نهب خيراته.

وبجانب هذا غنوا أيضا من أجل الحب والسلام .. ورفعوا صوتهم من أجل المحبة الإنسانية بمفهومها الصوفي العميق.. راغبين في أن يسود الأمن والأمان كل أنحاء هذا العالم، والذي يتسع لكل سكانه، وخيراته تكفيه، وبالتالي لا خير في حروب تدمر البشر وأحلامه وسعادته.

جيل جيلالة.. الوشم الدائم في ذاكرتنا الجماعية

صوت جيل جيلالة.. وشم في ذاكرتنا المغربية الجماعية. صوت يشبهنا في تفاصيل حياتنا اليومية العديدة. من هنا تألقت هذه المجموعة، ولا يزال تألقها حاضرا بصيغ عديدة في عوالمنا الفنية البصرية (سهراتها المسجلة داخل وخارج المغرب).

جيل جيلالة، اليوم، هي فرح/جرح غائر في ذواتنا..وجب تعليمه وتدريسه في كل المراحل الحياتية الدراسية بمدارسنا المغربية، باعتباره جزءا من هذه الذاكرة المغربية الفنية والثقافية العريقة. متى تصبح هذه الأصوات.. حاضرة في منظومتنا التربوية، لتتعلم منها الأجيال الحالية والآتية، العديد من نفحات الأتربة التاريخية الشعبية المغربية العريقة..؟

بكل تأكيد، ستبقى مجموعة جيل جيلالة، ذلك الصوت الذي يهزنا دوما كلما سمعناه. صوت يرافقنا في ترحالنا داخل وخارج المغرب.. وهو "كود" فني وثقافي عند من عاش بكل جوارحه تاريخ المغرب الحديث في فترة السبعينيات العريقة.. هو اليوم جزء من ذاكرتنا المغربية.. والإنسانية ككل.

جيل جيلالة صوت لرحلة جديدة

كيف من الممكن أن يشكل هذا الصوت الغنائي الشعبي المغربي، الذي تجاوز حدود المغرب، وأصبح تراثا فنيا إنسانيا خالدا، منطلقا جديدا لأصوات شابة جديدة في إطار ما يمكن تسميته، بتسليم المشعل، لجيل جديد قادر على فهم ما قامت به هذه المجموعة، وفي الوقت نفسه، تطوره وفق ذوق جديد يتساير مع حاجاتها لا سيما في ظل عولمة رهيبة ومخيفة، همها الوحيد تعليب كل شيء لبيعه؟

بكل تأكيد، فتوثيق إبداعات جيل جيلالة، ومن خلال أشكال تعبيرية متعددة، يبقى واجبا ثقافيا في عنق من يدبر أسئلة الثقافة في بلادنا، لاسيما في زمن تطور التكنولوجيا، وما تتيحه من إمكانات متعددة للقيام بهذا الواجب.

واجب ليس فقط في عنق من يدير القطاع العمومي للثقافة، بل حتى قطاع التعليم والتربية، ومبادرات المجتمع المدني، فكل هذه المكونات مطالبة اليوم بالإسهام في توثيق ذاكرة جيل جيلالة، وبقية العناصر المكونة لذاكرتنا الجماعية المغربية، حتى لا تصاب هذه الذاكرة بالمحو.

رحلات إبداعية جديدة من الممكن نحتها، من خلال ما راكمته هذه المجموعة الغنائية الشعبية العريقة، لكن، صيانة ما أبدعته هذه المجموعة وتحويله إلى مادة تربوية للتدريس والمسرح والتشكيل والنحت والبحث فيه، وتوثيقه، إلخ، هو اليوم، واجب وطني لا يقل، في نظري، عن قيمة واجب حماية الحدود من كل اعتداء خارجي. فحماية الذاكرة والحدود، هما معا قطبان يسيران في نفس التوجه.. ويحققان نفس الوظيفة.

المصدر: الجزيرة

إعلان