صورة من غزة.. نزوح بعد إخلاء

حفظ

epaselect epa12347859 Displaced Palestinians from the northern Gaza Strip flee with their belongings to a displacement camp along Al-Rasheed Street, west of Gaza City, 02 September 2025 (issued 03 September 2025). According to the UN around 90 percent of the population or 1.9 million people in Gaza have been displaced since the start of the conflict. EPA/HAITHAM IMAD
الوضع في غزة الآن عبارة عن موجات متكررة من النزوح وكل نزوح يليه آخر وسط تهديد مستمر للمدنيين (الأوروبية)

تساقطت علينا في حي الدرج أوراق قيل لنا إنها مناشير مكتوبة باللغة العربية موقعة من رئيس أركان جيش الاحتلال، ويطلب فيها من سكان الحي إخلاء بيوتهم والخروج منها إلى أي مكان باتجاه الجنوب حرصا على سلامتهم.

قلت لابنة عمي وفي يدها ورقة يقال لها منشور:

يا سلام! يقتلوننا من جهة ويحرصون على سلامتنا من جهة أخرى.

قالت لبنى وهي جالسة على طرف الشباك المفتوح:

هل سمعت بقصة الذئب الذي ألقى بخطبة في أكل اللحوم وأن يصبح نباتيا مثل الخراف؟

قلت: لا، لم أسمع.. لا بد أنها حكاية طريفة، وهل صدّقت الخراف؟

قالت لبنى: نعم صدّقته الخراف الحمقاء الساذجة وصفقت له.

قلت: وبعدها ماذا حصل؟

قالت لبنى: شعر الذئب بالسعادة وهو يسمع تصفيق الخراف بيديها ورجليها وهي منبطحة على الأرض باطمئنان، ثم نزل عن منصة الخطابة، وصافح كبير الخراف وهو يحلم بوجبة طازجة من لحم الخراف المخدوعة.

وقلت معلقا: وهكذا انطلت الخدعة على الخراف المسكينة فغدر الذئب بعدها، وبوجبة يومية من لحم الخراف ظفر.

دخل عمي غرفة ابنته لبنى وعلامة الغضب والحيرة على وجهه وقال لنا باستغراب ودهشة: تتحدثان بهدوء وبرودة أعصاب والناس يخلون بيوتهم لينجوا من قصف لعين قادم.

قالت ابنة عمي لبنى لأبيها وهي تنزل عن الشباك نخلي بيتنا بسهولة دون أن نعرف إلى أين نذهب.

قالت ساخرة: نذهب إلى لا مكان.

قال عمي: إلى جنوب القطاع.. إلى مكان أكثر أمنا.. سأتصل بصديقي سائق سيارة النقل الكبيرة ليحضر.

كان السائق مشغولا بإخلاء بيته ونقل عائلته وعائلة جاره الذي استشهد وهو يقاوم المحتلين الصهاينة.

A dimly-lit room in a modest house in the Al-Daraj neighborhood of Gaza. Lubna sits on the edge of an open window, holding a thin leaflet written in Arabic. Her cousin stands nearby, looking at the paper with skeptical sarcasm, engaging in a tense dialogue. In the background, Uncle Jalal enters the room, his face marked by anger, confusion, and exhaustion. The atmosphere is heavy with anxiety over looming bombardment. The scene captures the contradiction between the leaflet’s false promise of safety and the reality of danger, shown in Lubna’s clever smirk, her cousin’s disbelief, and the worried father’s demeanor.
أوراق إخلاء تهدد الحي ولبنى تشبّه الوضع بخراف تنخدع بالذئب والعائلة تستعد للرحيل جنوبا (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة)

خرج عمي مرتبكا وحائرا لا يدري ماذا يفعل، ولم يلبث أن عاد وهو يطمئننا: حصلت على عربة يجرها حصان وبأجرة معقولة.

إعلان

الوقت يمر بسرعة، علينا أن نعد كل شيء يلزمنا قبل أن تحضر العربة.

كأنه حلم، وجدنا أنفسنا نمشي وراء العربة في شارع الرشيد المحاذي لبحر غزة، لا أستطيع أن أصف الناس الماشين جماعات وفرادى وهم لا يعرفون إلى أين يذهبون، تذكرت معلمة التربية الإسلامية وهي تتحدث لنا في درس الدين عن يوم القيامة، "يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى".

كنا نمشي في الشارع الذي يمتد بنا إلى منطقة أسمع بها لأول مرة منطقة المواصي التي زعم جيش المحتلين القتلة أنها آمنة، وأنها مخصصة للنازحين من الشمال.

حين وصلنا بعد تعب شديد وعذاب أشد رأيت مجموعة من الخيام البيضاء منصوبة على الرمال، لا أدري لماذا رأيتها تميل إلى اللون الأسود، وحين تخيلت أن العدو الذي اعتاد على الغدر بنا سيقصفنا ونحن في الخيام رأيتها تميل إلى اللون الأحمر.

A crowded Rashid Street alongside the Gaza seashore, filled with displaced people walking in groups or alone, carrying their belongings. The family walks behind a wooden cart pulled by a weary horse—mother holding little Hazem’s hand, Lubna clutching a small bag, and Uncle Jalal leading with determination. The Mediterranean sea shimmers in the background, but the sky is gray and threatening. Their faces express fatigue, bewilderment, and fear, echoing a scene reminiscent of Judgment Day. The cart and the family’s unity stand out amid the chaos and uncertainty.
العائلة تنزح جنوبا خلف عربة تمر بشوارع غزة المزدحمة وتصل لمخيمات تبدو مهددة بالقصف (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة)

فوجئنا بصديق لعمي جلال يعمل -كما عرفنا فيما بعد- مع وكالة الأونروا لإغاثة اللاجئين ينادي عليه: جلال، صديقي جلال، تعال.

سارع عمي إليه فقال له: توقعت أن تجيئوا إلى هنا، وكنت أعرف أن عائلة أخيك معك فأعددت لكم خيمتين، تعال معي.

أخذنا ننقل الأمتعة والأغراض من العربة الكبيرة إلى داخل الخيمتين، وما إن انتهينا ونحن نشعر بتعب أضيف إلى تعب دفع عمي إلى سائق العربة أجرته، فانطلق الشاب صاحب العربة وهو يحث حصانه إلى المشي بسرعة لعله يجد عائلة نازحة تحتاج إلى نقل ومساعدة.

احتضنت أمي أخي حازم وهي تواسيه "تعبت يا حبيبي، كلنا تعبنا، لكن تعب الرّجْلين يهون عن تعب البال، حسبي الله ونعم الوكيل".

مد أخي الصغير حازم يده ليمسح دمعة تسللت إلى خد أمي وهو يطيّب خاطرها بكلامه البريء "لا تحزني يا ماما ولا تخافي، بابا حكى لي إذا اشتد القصف علينا يا حازم وأصر الأعداء على هدم بيوتنا وقتلنا سيأتي العرب حتى ينقذونا، العرب يا حازم أهلنا وأقاربنا ولا يمكن ينسونا يا بابا..".

ضمت أمي حازم الصغير إلى صدرها وهي تقول له: إن شاء الله يا حازم كلام بابا يتحقق حتى ينقذونا يا حبيب بابا وماما.. الله كريم يا ماما.

مرت أيام النزوح بسرعة عجيبة مع أني كنت أتوقع أن تكون بطيئة المرور ثقيلة الساعات "ياه.. صار لنا هنا شهرين ودخلنا في الثالث والحرب بدلا من أن تهدأ حولنا تشتد وتصبح أكثر وحشية وخطورة، بدأت المواد الغذائية التي حملناها معنا تقل حتى إن العلب الفارغة أصبحت أكثر بكثير من العلب المليئة، لم نعد نملك في الخيمة التي أخذت تشفق علينا سوى كمية من الطحين تكفي لخبزة واحدة على الصاج والنار".

A makeshift camp of white tents (imagined to fade into black and red), set on the sands of Al-Mawasi. Jalal’s family unload their few belongings, the mother hugs Hazem, Lubna is exhausted, and the father converses with an UNRWA aid worker. Nearby, the mother kneads and bakes the last bit of flour on a simple outdoor stove—three stones forming a circle, flames gently licking the pan. Faces are pale, eyes are tired, and empty containers pile up beside a polluted pool of water and a hill of trash with an empty sugar bag. The scene emphasizes hunger, the final loaf of bread, and the struggle for survival and dignity.
العائلة تصل للخيام بإغاثة الأونروا تكافح التعب والجوع وسط تصاعد القصف والحرب (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة)

والأرز بقي منه بقية لا تكفي لطبخة تشبعنا، أما السكّر فقد نفد تماما ورأيت أمي البارحة تحمل كيسه الفارغ وتلقي به على تلة من النفايات المتراكمة أمام خيمتنا.

كل هذا يهون عن المياه العادمة ذات الرائحة الكريهة التي أخذت تشكل بركة من الماء الملوث الذي أصبحنا نخاف منه على صحة أجسامنا المهددة بالقذائف والرصاص الأعمى الذي لا يميز بين صغير وكبير.

إعلان

أشعلت أمي كومة صغيرة من الحطب في موقد خارج الخيمة صنعته من 3 أحجار متقابلة، ثم وضعت الصاج على نار الموقد وأخذت تخبز العجنة الأخيرة من الطحين الذي تبقى لنا في الكيس.

جلسنا أنا وأخي أمام الموقد وأمي تقول: ابتعدوا عن النار، وكأننا لم نسمع ونحن نقترب أكثر من الموقد لا لنستدفئ وإنما للهفتنا في انتظار أول رغيف نتحدى به الجوع.

فرغت أمي من إعداد الخبز لنا، أطفأت نار الموقد بالماء، واصطحبتنا إلى داخل الخيمة وهي تبشرنا بوجبة لذيذة من الزيت والزعتر والخبز الساخن أخذنا نغمس الخبز بالزيت والزعتر متلذذين بكل لقمة وكأننا نذوقها لأول مرة.

Inside a dimly-lit tent in the refugee camp, the exhausted family sits closely together around a small plate with a few pieces of coarse bread, a little olive oil and thyme—their last remaining food. The atmosphere is heavy with hunger and sorrow; their faces are pale, sad, cry, eyes tired, and their movements slow. The mother pauses from eating and quietly goes to the neighboring tent, where the cries of hungry children echo in the silence. Hazem, the youngest, sees their suffering, and with an earnest, innocent gesture, offers the last piece of his own bread. His face is a mix of tenderness and hope, while the mother embraces him with tears in her eyes, and Lubna forces a sad smile. Through the entrance, other tents and starving children watch with longing. The only warmth is the faint golden light falling on their faces, symbolizing compassion and resilience in the midst of harsh deprivation.
العائلة لا تجد ما يسد رمقها إلا بصعوبة بالغة (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة)

بينما كنا منهمكين في الأكل سمعنا في الخيمة المجاورة أصوات صغار يتصايحون، تخلت أمي عن اللقمة التي كانت بيدها وذهبت تستطلع الأمر، ولم تلبث أن رجعت لتقول لنا: يا حرام، يصيحون من ألم الجوع وأمهم لا تدري ماذا تفعل، ما رأيكم أن تتنازلوا عن رغيف واحد سأقسّمه عليهم، إنهم ثلاثة.

حمل أخي حازم الرغيف، وقال لأمي: أنا سأقدم الرغيف لهم وهم يقسمونه بينهم.. أنا أعرفهم يا أمي وألعب معهم دائما.

قبّلت أمي صغيرها وهو يحمل الرغيف وهي تقول: عظيم وكريم أنت يا حازم، النبي عليه الصلاة والسلام وصانا على سابع جار.

قلت وأخي حازم يخرج بالرغيف: وكيف إن كان هذا الجار في خيمة للنازحين الفارين من الجوع والموت؟!

وإن من أقل الواجب الوطني والقومي والإنساني على كل صاحب قلم حر أن يرسم صورة دامية على الأقل لأبشع وأقذر حرب إبادة وحشية تجري في قطاع غزة صدمت التاريخ المعاصر وأذهلت البشريّة جمعاء.

وعلى كل صاحب قلم شريف وحر أن يرسم بقلمه صورة حية وناطقة مثل هذه الصورة المؤلمة والصارخة في وجه الموت المبرمج والجوع الممنهج والتهجير المتكرر من مكان غير آمن إلى مكان غير آمن، وربما يكون أشد خطورة، ولا بد لهذه الصورة المؤلمة التي سيتم رسمها أن تكون فتاة من جباليا أو من حي الزيتون قد رسمتها ودونتها في مفكرتها الثقافية أو في دفتر مدرسي قصفت مدرسته ولم يحترق وبقيت تضمه إلى صدرها وتنزح به من بيت مهدم إلى مخيم.

ما رأي حملة الأقلام العرب وغير العرب في هذه الدعوة المفتوحة للرسم بالكلمات لمئات الصور الدامية والمؤثرة لعلنا نقيم معرضا دوليا للوحات أدبية وصحفية ندعو لزيارته سكان الكرة الأرضية ليشاهدوا بشاعة وقذارة هذه الحرب التي ألقت بأطنان قنابلها على رؤوس أهلنا في قطاع غزة المنكوب؟!

المصدر: الجزيرة

إعلان