الروائي المصري فتحي إمبابي: جيلي خرج للدنيا بأحلام عريضة ولهذا خصصته بكل هذا الاهتمام

حفظ

الروائي فتحي امبابي في بيته بجوار لوحة أروى صالح
الروائي المصري فتحي إمبابي في بيته بجوار لوحة الروائية أروى صالح أحد أعلام الحركة الطلابية في أوائل السبعينيات (الجزيرة)

الروائي المصري فتحي إمبابي أحد المهمومين بأوجاع الإنسان العربي في كل مكان، يشغله سؤال الهوية والمصير، ويؤكد أن حالة السلام بالمنطقة ليست إلا قشورا تخفي من تحتها انفجار العنف في أي لحظة بأي مكان.

كتب إمبابي 3 روايات عن المغتربين العرب في ليبيا مع فورة النفط، ورواية عن حرب الخليج، وعددا من الأعمال عن جيل السبعينيات من رفاق الحركة الطلابية في مصر خلال حكم عبد الناصر والسادات الذين ماتوا كمدا وقهرا في عمر الزهور، ومنذ سنوات وهو متفرغ لمشروعه الكبير "خماسية النهر" في محاولته الدؤوبة لإعادة رسم الهوية المصرية، وتفكيك وإعادة تركيب التباسات التاريخ عن المنطقة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ويقول الروائي والمهندس فتحي إمبابي -المولود في 1949- أن جيله عاش حلم الثورة بكامل تدفقاتها، وانخرط في الحركة الطلابية بكل رومانسيتها، ولكن "سرعان ما صدمنا التاريخ بمراراته، وأدمتنا السياسة بعنفها وخشونتها.. فحملتُ آلامي وأشجاني، وجعلتُ من أحلامي حقيبة سفر أحملها أنَّى ارتحلتُ".

ويستدرك "ولكي أرى الصورة كاملة ابتعدت في رحلة الخروج الطويلة، وهالني ما رأيت.. رأيت الذئاب والضباع وهي تنهش لحم الوطن، من شباب أجبرته الظروف على السفر، فلم يلق من الأشقاء إلا اللعنات والإهانات، فكانت رواية "مراعي القتل" بكل عنفها ودمويتها".

الروائي المصري فتحي إمبابي أصدر مجموعة من الروايات أبرزها 3 كتب من "خماسية النهر"
الروائي المصري فتحي إمبابي أصدر مجموعة من الروايات أبرزها 3 كتب من "خماسية النهر" (الجزيرة)

ويتابع "لما ذهبت بعيدا شهدت أن عمر مؤامرة الغرب على مصر يتعدى القرون، فرجعت وغزلت من عجائب التاريخ نسيجا، حِكْتُ منه تاريخا موازيا للفقراء، فكتبت "شرف الله" و"نهر السماء".

ويقول أيضا "وسطرت مسيرة الغرباء في خروج المصريين إلى بلاد الأشقاء، وتلفعت بالتاريخ وأنا أرتدي "أقنعة الصحراء" وصورت هجمة الغرب في الاحتلال الأميركي للعراق".

ويقول "توغلتُ في الجغرافيا إلى أعماق أفريقيا حيث منابع نهر النيل فكتبت "عتبات الجنة"، وحكيت ملحمة اثني عشر ضابطا حكمتْ عليهم سلطة الاحتلال بالإعدام لاشتراكهم في الثورة العرابية، ثم خففت الحكم ونفتهم إلى مديرية خط الاستواء الواقعة في أعالي النيل ليراقبوا مقياس النيل، ولكنهم عاشوا عمرهم يعلّمون الأفارقة الزراعة ويحاربون تجارة الرقيق".

إعلان

واحتفل إمبابي بخروج الكتاب الثالث من خماسية النهر "رقص الإبل"، بعد أن سبقتها "نهر السماء" و"عتبات الجنة". ورواية "رقص الإبل" هي قصة عشق شخص يدعى التلب وابنة عمه مسك الجنة، من قبائل (الحمر)، التي تقيم في (النهود) غرب كردفان بالسودان، وترعى الإبل والماعز، وبينما التلب في رحلة رعي، وهب الجد مسك الجنة (التي ماتت أمها الجارية الشركسية مسمومة) زوجة إلى ابن قاضي الأُبَيِّض مقابل ضم أراضٍ إلى القبيلة.

عاد التلب فلم يجد عشقه فجن جنونه، وذهب إلى الأبيض يبحث عنها، حيث التقى (المهدي) الذي كان يمهد لإطلاق دعوته في عموم السودان، فالتحق به وصار من أنصاره، وتستمر أحداث الرواية على خلفية حروب دارت بين جيش المهدية والقوات المصرية، وتوجت في نوفمبر/تشرين الثاني 1883 بمقتل 13 ألف جندي وضابط من القوات المصرية بقيادة الجنرال هكس في معركة (شيكان).

وبمناسبة صدور روايته الأخيرة، كان للجزيرة نت هذا الحوار مع الروائي المصري:

  • رواياتك تعتمد على التاريخ، وتعرج منه إلى سماوات مختلفة من الإبداع، يظهر هذا واضحا في عملك الأخير "عتبات الجنة"، وقبله "نهر السماء" ثم "مراعي القتل"، ما أهمية التاريخ في العمل الروائي؟

المصري يتراوح عمره ما بين 7 آلاف إلى 10 آلاف سنة، غيّر خلال هذه الآلاف من السنين لغته مرتين، وديانته مرتين، وهناك حوالي ألفي سنة تبدو فجوة ومنطقة مظلمة سقطت من تاريخه، بداية من التاريخ الهيليني والروماني، وحتى نهاية حكم الأسرة العلوية، ومع هذا الانقطاع التاريخي، نحن أمام عقل حدث به انفصال.

ومن هنا تظهر مشكلة الوعي التاريخي لدى المصريين، ما أدى إلى أن وعي العقل عند المصريين تكون من تاريخ السلطة، ومصر مجتمع يتكون من الفلاحين والسلطة، والسلطة طوال الوقت كقوة غازية تحمي تاريخها، من هنا كان لا بد من إعادة قراءة التاريخ المصري بصيغة مختلفة.

من ناحية أخرى، انبثقت حالة من الوعي لدى المصري خلال الـ200 سنة الأخيرة، مع قدوم الحملة الفرنسية، التي شقت الكفن عن هذا الجسد، الذي تم وضعه في غياهب القبور لقرون طويلة، وفك رموز حجر رشيد، واكتشاف الحضارة المصرية القديمة، وكنا من قبل لا نرى في الحضارة المصرية إلا أنها حضارة "المساخيط والملاعين".

ولما جاء محمد علي كشف عن حقيقة المصريين، واكتمل هذا الظهور مع ولاية كل من إبراهيم باشا وسعيد باشا، وبدأت الدولة المصرية تأخذ شكلها الحقيقي، وبدأ أولاد الفلاحين في الخروج من تحت حكم الأتراك وغيرهم من الجماعات الغربية.

  • هل كان محمد علي الألباني وأولاده وطنيين من وجهة نظرك أكثر من أبناء مصر، وهل كانت سياستهم في خدمتها فعلا؟

محمد علي كان وطنيا ومخلصا لمصر كأشد أبنائها إخلاصا، جاء إليها وعمره 29 سنة واستطاع أن يؤسس إمبراطورية ضخمة جدا، استطاع أن يستوعب أهمية مصر ومكانتها الحقيقية في التاريخ وفي الجغرافيا، وقام بعمليات ومشروعات في قمة الذكاء والإستراتيجية، قام بتدبير مذبحة للمماليك في القلعة ليقضي عليهم تماما، ومن هم المماليك في الحقيقة؟ هم العبيد المتحكمون في رقاب المصريين لأكثر من 600 عام، بهذا الفعل استطاع أن يزيح عن مصر هذا الطاعون، عبيد يتحكمون برقاب الشعب لمئات السنين، وهذه هي الفكرة الأساسية في رواية "نهر السماء".

إعلان
  • ما الهاجس لكتابة "خماسية النهر"، وما الخط الفكري الذي قادك للكتابة في الرواية التاريخية وتغطية الفترة من 1775 إلى 1890، هل كانت هناك خطة لأن تكتب 5 أجزاء؟

عندما بدأت في الكتابة كانت خطتي أن أكتب رواية واحدة عن المصريين، أفكك تاريخهم وأوضح بعض المسكوت عنه في هذا التاريخ، ما شغلني كما قلت هو البحث عن الهوية وأسباب الهزيمة.

ثم إنني أردت أن أجرب الدراما الإنسانية في الكتابة عن الحرب، لأن رواية الحرب غالبا ما تجمع كل العناصر الإنسانية الغريبة والعجيبة من المأساة والحب والموت والكراهية، البطولة والشجاعة والجنس.

فضلا عن أنني اهتممت من الأول بأن تكون هناك ثقافة عسكرية لدى مصر، لأننا في حرب، وكل ما يدور من حولنا من سلام هي مظاهر، لكن الحرب متوقعة في أي لحظة، ويجب أن ننتبه لهذا ونستعد له.

  • تربط بين النيل والجيش في كتابة التاريخ المصري، كيف ذلك؟

منذ 2500 سنة عندما سيطر الرومان على مصر، دوّنوا دستورا جديدا للتعامل مع المصريين ينص على عزلهم تماما عن كل سلطات الحكم، وحرمانهم من تملّك الأرض ومن التجنيد أو الترقي في الجيش.

وهناك أيضا حالتان تؤكدان أن الجيش المصري من المؤسسات الضرورية التي لا غنى عنها لتكوين الدولة، ويخبرنا التاريخ أنه عندما أعطيت الفرصة لأبناء الفلاحين للاندماج في الجيش خلال فترة حكم محمد سعيد باشا لم تمر سوى 20 عاما فكانت ثورة عرابي.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى سمح الإنجليز بتجنيد أبناء الفلاحين في العسكرية كقوة مساندة لقوات الاحتلال خلال الحرب، ولم تمر فترة 16 عاما أخرى، حتى اندلعت ثورة الضباط في 1952.

رواية "نهر السماء" لفتحي إمبابي إحدى روايات خماسية النهر
رواية "نهر السماء" لفتحي إمبابي إحدى روايات خماسية النهر (الجزيرة)

وكم كنت سعيدا، وأنا أكتب رواية "عتبات الجنة" عن 12 من الضباط الذين كانوا من نواة أول جيش للفلاحين، اشتركوا في أحداث الثورة العرابية 1881، ويتم نفيهم إلى قلب أفريقيا بحجة حماية مقياس النيل، وهناك تبدأ ملحمتهم، يعلّمون الأفارقة الزراعة، وليموتوا كلهم في حروبهم ضد تجارة الرقيق، ولا يعود إلى مصر إلا ضابط واحد يروي بطولاتهم المجهولة.

  • أراك وقد أصدرت أكثر من كتاب عن جيلك "جيل السبعينيات"، لماذا تخص هذا الجيل وحده بكل هذا الاهتمام؟

أنا ابن الناصرية كما قلت من قبل، وعشت تجربة هذا الجيل، الذي أسميه بجيل الصدمة المروعة، جيل خرج للدنيا بأحلام عريضة، ثم فوجئ بالأحلام تنقلب كوابيس مخيفة، ولما أفاقوا من الصدمة، وأرادوا أن يعبّروا عن رفضهم طوردوا وعذبوا.

وعاما بعد عام وجدنا ما كان يسمى عدوا أصبح صديقا، والشقيق أصبح عدوا، فمنهم من هجر البلاد بلا رجعة، ومنهم من قضى نحبه في عمر الزهور، ومنهم من حمل نعشه على كتفه، ومنهم من ينتظر قدرا طال أمده، وتعبيرا عن أحزان جيل السبعينيات كتبت هذه الأحزان في كتب "السبعينيون"، وجيل السبعينيات" و"سهام صبري" ومقالات ومقتطفات أخرى كثيرة.

اعتقلت مرتين، الأولى في 24 يناير/كانون الثاني 1972 وبقيت 20 يوما، بسبب الاعتصامات ومظاهرات الطلبة التي تمت في ذلك الوقت وشملت كل الجامعات في مصر احتجاجا على عدم نشوب الحرب، وفي المرة الثانية اعتقلت مع كثير من الطلبة، قبضوا علينا في نهاية عام 1972، وبقينا رهن الاعتقال 10 شهور كاملة، وأفرجوا عنا وبعد أيام قامت حرب أكتوبر.

رواية "أقنعة الصحراء" للكاتب فتحي إمبابي تتلفع بالتاريخ وتروي مسيرة المهاجرين
رواية "أقنعة الصحراء" للكاتب فتحي إمبابي تتلفع بالتاريخ وتروي مسيرة المهاجرين (الجزيرة)
  • مع كل هذه الأعمال الكبيرة والمشوار الطويل، أنت بعيد عن جوائز الدولة، لماذا؟

لا أقول سرا، إنني مستبعد تماما من قبل الأجهزة الثقافية للدولة، وهناك حالة تعتيم على أعمالي، ولا تتم الإشارة إليّ في أي من الجوائز، وفي مؤتمر "الرواية والمدينة"، طالبتُ برحيل مبارك، فغضب مني جابر عصفور، وباقي القيادات الثقافية.

إعلان
المصدر: الجزيرة

إعلان