مع حلول الذكرى الثالثة لاندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول، يقف العالم أمام ظاهرة إنسانية تتجاوز في عمقها حدود الفهم النفسي التقليدي.
فقد تشكلت تجربة غزة خلال ثلاثة أعوام متواصلة تحت وطأة القصف الممنهج، والجوع القسري، والفقد، والنزوح، والإبادة الشاملة لمقومات الحياة، لتصبح تجربة غزة تساؤلا يوجه إلى أعرق المدارس النفسية: كيف يواصل الإنسان الحياة والابتسام والرغبة في البقاء، عندما يجرد قسرا من كل مقومات وجوده؟
يقودنا هذا السؤال مباشرة إلى نظريات الطبيب النفسي فيكتور فرانكل ومدرسته في "العلاج بالمعنى"، التي ترى أن أحد أهم المحركات للسلوك الإنساني ليس مجرد الرغبة في اللذة أو القوة، بل السعي لإيجاد معنى وغاية للحياة.
وبالنسبة لفرانكل، يمكن اكتشاف المعنى عبر ثلاثة مسارات أساسية: الإنجاز والعمل النافع، والتجربة العاطفية والقيمية، ثم اتخاذ موقف إنساني واع تجاه المعاناة الحتمية التي لا يستطيع الإنسان تغييرها أو الهرب منها.
في غزة تواجه الأطر النفسية تحديا في الإحاطة بصدمات متراكمة ومتتابعة، يصعب التعافي منها ما دامت مصادرها مستمرة، وما دام المفجوع محروما من المسافة الآمنة اللازمة لبدء ترميم نفسه
وعند إسقاط هذه الأطر على واقع غزة بعد ثلاثة أعوام متواصلة من الإبادة، تبدو مدرسة العلاج بالمعنى إطارا شارحا في بادئ الأمر، إلا أنها لا تكفي وحدها لتفسير جميع أبعاد التجربة الغزية.
فمع أن فرانكل لم يحصر الإنسان في ذاته الفردية، بل تحدث أيضا عن التسامي بالذات، ظل جانب مهم من العلاج بالمعنى متمركزا حول الفرد ومسؤوليته في اتخاذ موقف تجاه ظروفه.
أما في غزة، فإننا أمام مستوى آخر من إنتاج المعنى؛ معنى جمعي وتكافلي يتشكل داخل مجتمع كامل يتعرض للتهديد في بيته وأرضه ووجوده وشبكته الاجتماعية.
ومن هنا يصبح السؤال أوسع من: كيف يجد الفرد معنى لمعاناته؟ ليصبح: كيف تحافظ جماعة بأكملها على قدرتها على إنتاج المعنى والاستمرار، بينما تتعرض بنيتها الاجتماعية والمادية نفسها للتدمير؟
ولا تكتمل قراءة التجربة الغزية من زاوية إنتاج المعنى وحدها؛ لأن السؤال لا يتعلق فقط بكيفية استمرار الإنسان، بل أيضا بطبيعة الجرح النفسي نفسه في بيئة لم يتوقف فيها مصدر الصدمة.
ففي غزة تواجه الأطر النفسية تحديا في الإحاطة بصدمات متراكمة ومتتابعة، يصعب التعافي منها ما دامت مصادرها مستمرة، وما دام المفجوع محروما من المسافة الآمنة اللازمة لبدء ترميم نفسه.
وعليه، يمكن وصف التجربة الغزية بالصدمة المتشابكة؛ فهي أشبه بشبكة تتشابك خيوطها من صدمات متلاحقة: النزوح، وقصف البيت، والفقد، والخوف، والدمار، والجوع. وهذه الصدمات لا تقع بصورة منفصلة، بل تتشابك فيما بينها؛ بحيث لا تبدأ صدمة جديدة من نقطة الصفر، وإنما تعيد تنشيط ما سبقها، فتتضاعف وطأة الوجع، ويبقى الإنسان في صدمات لم يتح لها أن تتحول إلى ماض.
واللافت هنا أن الصمود في غزة لا يظهر بوصفه مرحلة لاحقة للصدمة، وإنما ممارسة تحدث في قلبها؛ فالإنسان لا ينتظر انتهاء الخطر كي يعيد تنظيم حياته، بل يحاول إنتاج الحياة بينما لا تزال أسباب الفقد قائمة.
ويتجلى هذا الصمود في رفض الاستسلام رغم سلب الأمن، وفي تحويل الألم اليومي إلى رباط واع في سبيل الأرض والوطن. ويظهر ذلك أيضا في الرعاية المجتمعية المتبادلة؛ فالكوادر الطبية وفرق الدفاع المدني تواصل العمل تحت القصف، ويتقاسم النازحون الطعام والماء، وتفتح الخيام لإيواء الأيتام واحتواء المنكوبين ومواساة المحزونين.
غير أن ذلك لا يعني بالمطلق إضفاء طابع مثالي على الألم، ولا يعني وجود بشر خارقين أو أساطير في غزة؛ فإرادة الحياة لا تعني غياب الفاجعة، ولا تعني التعافي المكتمل؛ فقد يكون الإنسان صامدا ومجروحا نفسيا في الوقت ذاته، ويساعد الآخرين وهو في حداد، ويبتسم في لحظة وهو يحمل داخله تراكما هائلا من الخسارات.
إن أهل غزة لم يكونوا قراء لكتيبات التعافي النفسي، لكنهم أعادوا، في قلب الكارثة، ابتكار أدوات للاستمرار؛ أسسوا الكتاتيب والمدارس داخل الخيام البلاستيكية وبين الركام
ومن هنا لا يمكن اختزال الثبات الغزي في صفة بيولوجية أو إرث جيني أو تفسير سطحي يصف سكان غزة بأنهم أكثر قدرة على الاحتمال من غيرهم.
بل يمكن فهم جانب مهم من هذا الثبات في ضوء رأس مال اجتماعي متجذر، وروابط أسرية ومجتمعية كثيفة، ووعي ديني ووطني عميق، وذاكرة جمعية صيغت عبر عقود طويلة من الصراع والحصار والفقد، وأنتجت لدى المجتمع قدرة على تحويل المعاناة الفردية إلى مسؤولية مشتركة.
إن أهل غزة لم يكونوا قراء لكتيبات التعافي النفسي، لكنهم أعادوا، في قلب الكارثة، ابتكار أدوات للاستمرار؛ أسسوا الكتاتيب والمدارس داخل الخيام البلاستيكية وبين الركام، وواصلوا عقد القران والاحتفاء بميلاد طفل جديد، وواصلوا صناعة الحياة من العدم.
وهنا تتجاوز تجربة غزة أن تكون مجرد تطبيق مباشر لنظريات النفس الوجودية الغربية. إنها لا تنفي تلك النظريات ولا تسقط قيمتها، وإنما تدفعها خطوة أبعد: من دراسة الفرد الذي يبحث عن معنى لمعاناته، إلى دراسة الجماعة التي تنتج المعنى بصورة مشتركة كي تحافظ على وجودها وهويتها وروابطها وقدرتها على البقاء.
من قلب الإبادة، تكتب غزة فصلا جديدا في فلسفة الصمود الإنساني؛ فصلا لا ينكر الجرح، ولا يمجد الألم، لكنه يكشف قدرة الإنسان والجماعة معا على التشبث بالمعنى حين تصبح الحياة نفسها فعلا من أفعال المقاومة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

