- إسرائيل على صفيح ساخن.. هل ينقذ "النواة الصلبة" نتنياهو من حافة الهاوية؟
على وقع طبول الانتخابات التشريعية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يبدو المشهد السياسي في إسرائيل كمن يقف على حافة بركان. ثلاث سنوات مرت على هزة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الزلزال الذي هز أركان الدولة العبرية وفتق جدرانها الأمنية والنفسية، وما زالت شظاياه تتطاير حتى اللحظة. والأكثر إثارة للدهشة ليس فقط حجم الخراب الذي خلفه ذلك اليوم، بل قدرة رجل واحد على البقاء فوق ركام الأزمات: بنيامين نتنياهو.
هذه الانتخابات، في حد ذاتها، حدث استثنائي؛ فللمرة الأولى منذ عام 1973 تكمل حكومة إسرائيلية ولايتها كاملة دون حل مبكر، وللمرة الأولى منذ عام 1988 يخوض الكنيست دورته كاملة دون انتخابات مبكرة. بعبارة أخرى، نجا نتنياهو من كل الأزمات التي كانت كفيلة، في أي سياق سياسي آخر، بإسقاط حكومته أكثر من مرة.
في مدينة ديمونة الجنوبية، إحدى القلاع الانتخابية الحصينة لليمين الإسرائيلي، تختزل كلمات إحدى الناخبات الشابات، بحسب تقرير ميداني لصحيفة لوموند (Le Monde) الفرنسية، مشهدا سيكولوجيا معقدا: لا مكان هناك لمساءلة الفشل الحكومي، ولا لتحميل نتنياهو مسؤولية الإخفاق الاستخباراتي والعسكري الأسوأ في تاريخ إسرائيل. بل على العكس، تتغذى العقول هناك على نظريات المؤامرة: "إنها ليست خطيئة نتنياهو، بل خيانة داخل الجيش لإسقاطه"، وصولا إلى ترديد أن "اليسار يدعم الإرهاب". هذه ليست حالة فردية معزولة بقدر ما هي انعكاس لحالة نفسية أوسع داخل "النواة الصلبة" لليمين واليمين المتطرف.
يبقى المجتمع العربي الفلسطيني داخل الخط الأخضر فاعلا لا يمكن تجاهله، وإن دخل هذه الانتخابات بخريطة حزبية أكثر تشظيا مما توحي به الشعارات
تآكل القاعدة أم صمود "الزعيم الأبدي"؟
رغم هذا الولاء الذي يشبه أحيانا "العقيدة"، فإن نتنياهو ليس بمعزل عن النزيف. الرجل الذي راكم نحو 19 عاما في رئاسة الوزراء عبر ثلاث فترات متقطعة (1996-1999، ثم 2009-2021، ثم منذ ديسمبر/كانون الأول 2022)، متجاوزا بذلك الرقم القياسي لمؤسس الدولة "ديفيد بن غوريون" (نحو 13.5 عاما) منذ صيف عام 2019، لم يعد كما كان.
الأرقام لا تكذب: فمن 32 مقعدا حصدتها قائمته في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2022، تشير استطلاعات سبتمبر/أيلول 2026 إلى خسارة الليكود نحو ثلث مقاعده. إنه تراجع ثقيل لأي سياسي تقليدي في أي ديمقراطية أخرى.
والمشهد بات أكثر تعقيدا بظهور منافس جديد لم يكن حاضرا في المعادلة سابقا: الجنرال المتقاعد غادي آيزنكوت، الذي تصدرت قائمته "يشار" العديد من استطلاعات الرأي الأخيرة، متقدمة على الليكود نفسه، في مؤشر على تصدع واضح داخل الخريطة الانتخابية التقليدية لليمين والوسط معا.
لكن نتنياهو، بخبرته الماكرة في تدوير الأزمات، يعرف كيف يشد عصب قاعدته الصلبة. إنه يلعب على وتر الخوف الهوياتي، مصورا المعركة الانتخابية لا كصراع على إدارة الدولة، بل كحرب وجودية بين "أنصار الدولة الحقيقيين" و"المتآمرين الخونة".
الأحزاب العربية.. انقسام في المعسكر، اتفاق على الهدف
في خضم هذا الاستقطاب، يبقى المجتمع العربي الفلسطيني داخل الخط الأخضر فاعلا لا يمكن تجاهله، وإن دخل هذه الانتخابات بخريطة حزبية أكثر تشظيا مما توحي به الشعارات. فبعد أن دفع الناخبون العرب ثمن الانقسام في الانتخابات السابقة، وقع زعماء الأحزاب العربية الأربعة في يناير/كانون الثاني 2026 اتفاقا أوليا في بلدة سخنين لإحياء "القائمة المشتركة".
لكن التفاهم لم يصمد كاملا؛ فحزب "رعام" برئاسة منصور عباس فضل الترشح منفردا مجددا، متبنيا نهجا براغماتيا يراهن على استدعائه لاحقا للانضمام إلى ائتلاف حكومي بمعزل عن باقي الأحزاب العربية، بينما أعادت "الجبهة" و"تعل" و"بلد" تشكيل قائمة مشتركة مصغرة برئاسة يوسف جبارين.
هذا الانقسام بين "براغماتية رعام" و"وحدة القائمة المشتركة" ليس تفصيلا هامشيا؛ فاستطلاعات الرأي الأخيرة تمنح القوائم العربية ثقلا قد يشكل بيضة القبان في معادلة برلمانية متقاربة بين معسكري نتنياهو والمعارضة.
ومع ذلك، يظل السقف السياسي لهذا الثقل التمثيلي محدودا؛ فتاريخيا، تستبعد الأحزاب العربية من حسابات تشكيل الائتلافات الحكومية اليمينية، بينما يتحفظ جزء من المعارضة "الصهيونية" نفسها عن التحالف العلني معها، خشية اتهامها بـ"الاعتماد على أصوات عربية" في خطاب انتخابي ما زال يوظف الهوية سلاحا. بذلك يجد الناخب العربي نفسه، مرة أخرى، في موقع القوة العددية والتأثير غير المباشر، دون أن يترجم ذلك بالضرورة إلى موقع فعلي في معادلة الحكم.
هل يملك نتنياهو نفسه أوراقا كافية للبقاء في السلطة عبر ائتلاف بديل، حتى لو لم يفز حزبه بالمركز الأول؟
إسرائيل ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول.. انقسام لا رجعة فيه
تؤكد هذه المشاهد أن المجتمع الإسرائيلي بات أسير انقسام عميق وعضوي. فمن جهة، تقف قطاعات واسعة تحمل حكومة نتنياهو مسؤولية الانهيار الاستخباراتي الكبير والتعنت السياسي الذي أطال أمد الحرب وأمعن في العزلة الدولية. ومن جهة أخرى، يغلق "الأنصار المخلصون" أبواب عقولهم أمام الحقائق، محتمين بفقاعات الوهم والمؤامرة، وكأن الاعتراف بالخطأ يعني تقويض فكرة الكيان بأكملها.
في 27 أكتوبر/تشرين الأول، لن يقف الناخب الإسرائيلي أمام صندوق اقتراع عادي، بل أمام استفتاء مصيري: هل تستطيع إسرائيل التحرر من سطوة الزعامات الأبدية وثقافة المؤامرة، أم إن "النواة الصلبة" ستنجح في سحب الدولة بأسرها إلى نفق مظلم جديد؟
وحتى لو خسر الليكود صدارته لصالح "يشار" أو غيره، يبقى السؤال الأعمق مفتوحا: هل يملك نتنياهو نفسه أوراقا كافية للبقاء في السلطة عبر ائتلاف بديل، حتى لو لم يفز حزبه بالمركز الأول؟ الجواب ليس بعيدا، لكن تكلفته ستحدد وجهة الشرق الأوسط برمته.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

