مجلس السلام الأمريكي: هيمنة جديدة باسم السلام في غزة

FILE - President Donald Trump shakes hands with Prime Minister of Hungary Viktor Orban, left, during a signing ceremony on his Board of Peace initiative at the Annual Meeting of the World Economic Forum in Davos, Switzerland, Thursday, Jan. 22, 2026. (AP Photo/Markus Schreiber, File)
يصافح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان (يسار) خلال مراسم توقيع مبادرته «مجلس السلام» (أسوشيتد برس)
  • النادي العالمي الجديد: "مجلس السلام" الأمريكي أنموذجا

أثبتت الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ـ إن كان ثمة حاجة إلى مزيد من الأدلة ـ أن الأيام التي كان بالإمكان فيها الاعتماد، ولو نسبيا، على الأمم المتحدة في الحفاظ على الأمن والاستقرار الدولي، قد ولت.

ففي أعقاب الحرب على قطاع غزة، ظهرت مقترحات دولية عديدة تهدف إلى إدارة المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار، ومن بين هذه المقترحات إحداث "مجلس السلام" (Board of Peace).

يعد هذا المجلس هيئة دولية جديدة تم الإعلان عنها في يناير/كانون الثاني 2026 بقيادة الولايات المتحدة، وتحديدا من قبل الرئيس دونالد ترمب ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف (Responsible Statecraft, 2026)، في إطار النادي العالمي الذي يعمل الرئيس الأمريكي على إنشائه، والذي من بين أهدافه إزاحة أو تهميش الأمم المتحدة.

ويمثل المجلس "المرحلة الثانية" من خطة سلام شاملة، تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح والحوكمة التكنوقراطية وإعادة الإعمار في قطاع غزة (Crisis Group, 2026). ومع ذلك، فإن إنشاء هذا المجلس خارج إطار هيئة الأمم المتحدة يثير أسئلة جوهرية حول الشرعية الدولية والفاعلية العملية.

تتمحور جل مواد الميثاق على قواعد العضوية في المجلس، التي تجعل الرئيس الأمريكي (ترمب بنفسه) صاحب سلطة مطلقة، ويختار ترمب جميع الأعضاء الآخرين، وله الحق في عزلهم

الهيكل المقترح وأسس العمل

وفقا لميثاق مجلس السلام، سيرأس هذا المجلس الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه، وسيتألف من مجموعة من الدول التي تتم دعوتها للانضمام (International Crisis Group, 2026). والعضوية قد تكون مرتبطة بمساهمة مالية تقدر بمليار دولار للحصول على مقعد دائم (Responsible Statecraft, 2026). ويتكون الهيكل التنظيمي للمجلس من:

  • المجلس العام: هيئة تتألف من الدول الأعضاء.
  • المجلس التنفيذي: هيئة تنفيذية يتم تعيين أعضائها من قبل الرئيس الأمريكي، وقد أعلن أن من بينهم جاريد كوشنر، وتوني بلير، ووزير الخارجية التركي، ومسؤول قطري رفيع المستوى (Responsible Statecraft, 2026).
  • مجالس خاصة بالدول: مثل "المجلس التنفيذي لغزة"، المكلف بالإشراف المباشر على القطاع.
إعلان

ومن الناحية القانونية، يستند المجلس إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، والذي حدد نهاية صلاحياته في نوفمبر/تشرين الثاني 2027 (ASIL, 2025). ومع ذلك، يلاحظ المحللون أن الميثاق التأسيسي للمجلس لا يشير إلى ميثاق الأمم المتحدة صراحة، مما يثير تساؤلات حول مدى ارتباطه بالإطار الدولي القائم (Crisis Group, 2026).

وتتمحور جل مواد الميثاق على قواعد العضوية في المجلس، التي تجعل الرئيس (ترمب نفسه، الشخص الوحيد المذكور بالاسم) صاحب سلطة مطلقة، ويختار ترمب جميع الأعضاء الآخرين، وله الحق في عزلهم.

ويستطيع الرئيس (المذكور 35 مرة في الميثاق) تحديد موعد اجتماعات المجلس ومواضيعها، كما يمكنه إصدار القرارات من تلقاء نفسه، أما بقية الأعضاء فيخضعون للقواعد، إلا إذا اشتروا عضوية مدى الحياة مقابل مليار دولار "نقدا"، وحتى هذه العضوية لا تضمن، على ما يبدو، عدم عزلهم من قبل الرئيس الأمريكي.

ولطالما أثار موضوع عدم المساواة المتمثل في الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدةـ وهم المنتصرون في الحرب العالمية الثانيةـ استياء بقية العالم، فقد شل استخدام حق النقض (الفيتو) الممنوح للأعضاء الدائمين، ولا سيما من قبل روسيا، والولايات المتحدة، عمل المجلس كهيئة للحوكمة العالمية.

وقد يستبدل مجلس السلام بهذا الاحتكار الدولي للسلطة ظلما بنوع آخر، ألا وهو نوع من العضوية الدائمة لا تستطيع تحمله إلا الدول الغنية، هذا إلى جانب تمتع ترمب وحده بحق النقض المطلق (The Guardian, 2026).

أعربت إسرائيل عن معارضتها العلنية لتكوين "المجلس التنفيذي لغزة"، خاصة بسبب مشاركة تركيا وقطر، مما يمنحها مبررا لرفض العملية الدبلوماسية برمتها لاحقا

التحديات والعقبات الرئيسية

يواجه مجلس السلام عدة تحديات جسيمة تعترض نجاحه منذ البداية:

  • فشل المرحلة الأولى: تشير التقارير إلى أن "المرحلة الأولى" من خطة السلام في غزة، والتي كانت تركز على وقف إطلاق النار والإغاثة الإنسانية، لم تتحقق بشكل كامل. فقد استمرت الهجمات، وكان تدفق المساعدات أقل بكثير من المتفق عليه (Responsible Statecraft, 2026). هذا الإخفاق يقوض مصداقية الانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيدا.
  • رفض الأطراف المعنية: لم توقع حركة حماس على خطة السلام ذات النقاط العشرين، التي يستند إليها المجلس (Responsible Statecraft, 2026). علاوة على ذلك، أعربت إسرائيل عن معارضتها العلنية تكوين "المجلس التنفيذي لغزة"، خاصة بسبب مشاركة تركيا وقطر، مما يمنح إسرائيل مبررا لرفض العملية الدبلوماسية برمتها لاحقا (Responsible Statecraft, 2026).
  • أزمة شرعية دولية: ينظر إلى المجلس على أنه محاولة للالتفاف على مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وتقويض نظام الأمن الجماعي القائم (Crisis Group, 2026). فالطبيعة الانتقائية للعضوية، والتركيز على المساهمات المالية، يغذيان الشكوك حول نزاهة وحياد هذه الآلية.
  • عقبات عملية: تواجه الهيئة التكنوقراطية الفلسطينية "اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة" صعوبات هائلة في العمل بسبب القيود الإسرائيلية، بما في ذلك منع الموظفين العموميين من الوصول إلى غزة (Responsible Statecraft, 2026). كما أن إنشاء قوات دولية يواجه صعوبات كبيرة؛ بسبب استمرار العنف المسلح.

على الرغم من أن مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة يوفر إطارا مؤسسيا لتحقيق السلام في قطاع غزة، فإن رغبة ترمب في رئاسة المجلس بنفسه قد تأتي بنتائج عكسية، نظرا لموقفه المؤيد لإسرائيل

ينبغي أن يشكل "مجلس السلام" أداة فعالة للسلام، وليس فقط محاولة لترسيخ هيمنة دبلوماسية أحادية الجانب وتجاوز الأطر متعددة الأطراف. والواقع أن هيكليته تعكس نهجا معاملاتيا (Transactionalism) في الدبلوماسية، حيث تكون العضوية والتأثير مرتبطين بالمساهمة المالية أكثر من الالتزام بالمبادئ الدولية.

إعلان

لكن نجاح أي خطة لبناء السلام في غزة يتطلب أساسا مختلفا تماما، كموافقة حقيقية من جميع الأطراف الرئيسية، بما في ذلك حماس وإسرائيل، وآلية حوكمة محايدة وشفافة تتمتع بثقة المجتمع الدولي، مع وقف فعلي ودائم للعدوان، ورفع الحصار بشكل كامل لتمكين إعادة الإعمار.

كما ينبغي على ترمب أن يتدخل شخصيا في المفاوضات عند المنعطفات الحاسمة، متبعا نموذج كامب ديفيد الذي طرحه كارتر، والذي يفصل بين الأطراف ويلعب دور الوسيط الحقيقي. ويجب على ترمب كسب ثقة كلا الجانبين والحفاظ عليها، ومعرفة أولوياتهما بدقة، وأن يكون مستعدا لممارسة الضغط عند الضرورة، لا مجرد تقديم الحوافز.

وعلى الرغم من أن مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة يوفر إطارا مؤسسيا لتحقيق السلام في قطاع غزة، فإن رغبة ترمب في رئاسة المجلس بنفسه قد تأتي بنتائج عكسية، نظرا لموقفه المؤيد لإسرائيل.

بدلا من ذلك، ينبغي على الولايات المتحدة تعيين شركاء إقليميين مرموقين أو شخصيات دولية في مناصب بارزة، مع الحفاظ على سيطرتها غير المباشرة، لضمان ثقة الفلسطينيين والإسرائيليين بالمجلس.

كما ينبغي على المفاوضين السعي لخلق بيئة للمحادثات بمنأى عن الضغوط الداخلية، ومن الأفضل أن يكون ذلك على الأراضي الأمريكية، مع تقديم فرق أمريكية دعما متواصلا في وضع ترتيبات قابلة للتنفيذ لإدارة غزة وإعادة إعمارها.

ومن المفترض أن تحافظ الولايات المتحدة على تركيزها طوال فترة التنفيذ، متجنبة خطأ إدارة كلينتون المتمثل في تجميد المفاوضات وإعادة إطلاقها مرارا وتكرارا، خلال محادثاتها مع سوريا وإسرائيل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان