يناير.. عيد الأمازيغ

فرقة مغربية محلية تقدم عروضا من التراث الفني الأمازيغي (الجزيرة)

إن لكل شعب في هذه المعمورة ثقافة وتاريخا، ونخص بالذكر الشعوب المتوسطية والأفريقية؛ فهي غنية بالتراث الإنساني الضارب في العمق والمتجذر منذ القدم.

ويعد يناير/كانون الثاني، عيد الأمازيغ، مثالا حيا على هذا التراث الإنساني العتيق، الذي لا يزال ينبض بثقافة وتاريخ أهله. ونحن الآن بصدد استعراض بعض اللمحات حول هذا العيد المميز، الذي يعد مدخلا للعام الجديد في التقويم الأمازيغي.

إن كلمة "يناير" في الأصل مزيج بين كلمتين أمازيغيتين؛ فكلمة "يان" تعني أول، و"يور" تعني الشهر، ومعنى يناير هو "أول الشهر". و"ينار" أو "يناير" ليس مجرد شهر عادي وعابر بالنسبة للشعب الأمازيغي، بل هو بمثابة التذكرة الراسخة لقوم عاشوا وعاصروا وصاهروا عديد الأقوام، وصارعوا ولا يزالون يصارعون من أجل إثبات وجودهم.

من المعروف أن لكل شعب وقوم ثقافة وتاريخا وأرضا يقطنون فيها ويعمرونها من بني جنسهم وتراثهم، ويصنعون فيها تقاليدهم. وهذا كله استجابة للنداء الفطري للوجود؛ فهذا الأخير لا ينبغي أن يكون منحصرا في الجسمانية فقط، بل ينبغي أن يترجم إلى كفاح يصنع التراث والحضارة، ويبقي أبناءه ينقشون بصمتهم، التي هي من صلبهم وروحهم.

وإذا تكلمنا عن الأمازيغ فنحن بصدد إعطاء نموذج مثالي لشعب لا يزال يقاوم للحفاظ على تاريخه ولغته، رغم كل التغيرات الحضارية التي نشهدها. وما يناير إلا تجديد وتذكير بأن الأمازيغ لا يزالون على عهد أسلافهم الأوائل؛ تجديد محفز على العلم والعمل، وتذكير مستمر للأجيال، الحاضرة منها والآتية، بعبق تاريخ الشعب الأبي وثمرة كفاحه.

اعترفت حكومات الدول المغاربية بـ"يناير" عيدا وطنيا؛ وتعد الجزائر أول دولة في شمالي أفريقيا تعترف به عيدا وطنيا وعطلة رسمية مدفوعة الأجر سنة 2018، وتليها المغرب سنة 2023

أصالة وبعد روحي

تتجلى الأصالة في التراث المحلي المعروف من طعام شهي وألبسة تقليدية، أما البعد الروحي فهو التقرب إلى الله عن طريق الدعاء بأن تكون سنة مليئة بالفلاح والخير الوفير. ومن العادات النبيلة كذلك تقديم الطعام للفقراء وأصحاب الدخل القليل، لتعم الفرحة بين الأفراد.

إعلان

ويزيد الأطفال الصغار الجو بهجة حين نراهم يطوفون بين الأروقة والأزقة، يضحكون ويمرحون بملابسهم الأنيقة التي تفوح عبقا أمازيغيا.

إن يناير/كانون الثاني بمثابة الصدى الذي يصدح به كل أمازيغي ومغاربي، مترجما إياه إلى حفلات مليئة بالبهجة، حيث يجتمع الأفراد لإقامة وليمة وسط الاحتفالات الممزوجة بالموسيقى الشعبية والأكلات اللذيذة من أطباق تقليدية شهية، أشهرها الكسكس، وحلويات من شتى الأنواع.

ومن بين العادات النبيلة التي تقام في يناير/كانون الثاني تقديم أطباق الطعام والألبسة للفقراء وأصحاب الهمم؛ فهنا تتجسد صورة من صور الإنسانية والأخوة بين الأمازيغ، ومن جهة أخرى نشاهد بهجة الأطفال الصغار هنا وهناك، وهي كفيلة بمحو أجواء الكآبة.

وهناك عادة كانت تمارس في الماضي، وهي أن يتناول كل فرد من أفراد الأسرة الواحدة دجاجة بمفرده، لضمان الامتلاء والازدهار طيلة السنة الجديدة.

يناير/كانون الثاني ليس مجرد احتفال، بل هو تذكرة تاريخية لشعب قاوم ولا يزال يقاوم من أجل فرض هويته وثقافته ولغته، رغم كل التغيرات الطارئة. إنه عيد شعبي وتذكرة خالدة بأصل لا يقتلع، بل لا يزال متشبثا بجذوره.

وقد اعترفت حكومات الدول المغاربية بـ"يناير" عيدا وطنيا؛ وتعد الجزائر أول دولة في شمالي أفريقيا تعترف به عيدا وطنيا وعطلة رسمية مدفوعة الأجر سنة 2018، وتليها المغرب سنة 2023، معترفة به إجازة رسمية.

اليوم قد امتد الصدى، واكتسبت السنة الأمازيغية بعدا دوليا لا يقتصر فقط على البلدان الأفريقية والمغاربية، بل يمتد حتى إلى أوروبا وأمريكا وكندا ومناطق أخرى

ما يشاع عند المؤرخين

وجب العلم أن احتفالات يناير/كانون الثاني تعود إلى العصور القديمة، قدما يفوق بعض الحضارات؛ والقول إن هذا الاحتفال راجع لاعتلاء الملك شيشناق عرش مصر قول لا يوافق الدلائل التاريخية الدقيقة الدالة على قدم هذا الاحتفال لأول مرة.

كما أن يناير/كانون الثاني مرتبط بأساطير وقصص شعبية تروى، أشهرها قصة المرأة العجوز التي تحدت برد الشتاء بالخروج وسط الصقيع لرعي ماعزها، وبعد فعلتها هذه قام الشهر بمعاقبتها في اليوم التالي بموجة برد شديد ردا على عنادها. ورغم أن هذه القصة تعتبر أسطورة خيالية، فإنها تعكس قدم الاعتقاد.

وهناك أيضا رواية تقول إن أصل الاحتفال مرتبط بالسنة الفلاحية، سنة زراعية مليئة بالتفاؤل، وقد تم تحديد بداية الاحتفال في اليوم نفسه الذي تبدأ فيه السنة الزراعية الجديدة.

اليوم قد امتد الصدى، واكتسبت السنة الأمازيغية بعدا دوليا لا يقتصر فقط على البلدان الأفريقية والمغاربية، بل يمتد حتى إلى أوروبا وأمريكا وكندا ومناطق أخرى، وهذا يدل على اتساع رقعة المجتمع الأمازيغي والاعتراف بالأصالة التاريخية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان