معالجة الأسباب الجذرية لكوارث الفيضانات في باكستان

A woman sits on a cot as floodwater approaches her village in Garh Maharaja, in Jhang district, Pakistan, Tuesday, Sept. 2, 2025. (AP Photo/K.M. Chaudary)
الكاتب: من العوامل الرئيسية التي ساهمت في الفيضانات، النمو الفطري للجمعيات السكنية الخاصة، التي بنيت مباشرة في قيعان الأنهار وسهولها (أسوشيتد برس)

الفيضانات المروعة التي تجتاح باكستان ليست كارثة طبيعية، بل هي نتيجة حتمية لأزمة من صنع الإنسان، تمتد لعقود من الزمن، وتتجذر في سوء الإدارة لأثمن مورد في البلاد: المياه.

ففي كل عام، يسمح لمياه الأمطار التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات بالاندفاع دون حسيب أو رقيب نحو البحر، مما يمثل إهدارا هائلا لإمكانات، كان من شأنها لو تم استغلالها أن تغيّر وجه الأمة، ولكن هذه المياه- بدلا من ذلك- تحولت إلى سلاح دمار شامل موجه ضد شعبها.

وبينما يوفر تغير المناخ عذرا مناسبا، فإن الملايين من النازحين والثكالى والمعدمين يعرفون الحقيقة… لقد تمت هندسة هذه الكارثة عبر فساد ممنهج وهيمنة من قبل النخبة، ورفض واعٍ لإقامة البنية التحتية اللازمة لحماية السكان.

إن فيضانات 2025 هي الفاتورة التي حان وقت سدادها لأمة يحكمها النهب.

من العوامل الرئيسية التي ساهمت في الفيضانات، النمو الفطري للجمعيات السكنية الخاصة، التي بنيت مباشرة في قيعان الأنهار وسهولها الفيضية النشطة

تشريح الكارثة

إن العلم بأسباب الفيضانات وعلاجها بسيط، لكن السياسة التي تقف خلفها معقدة بشكل مدمر. فجوهر هذه الكارثة ليس غزارة الأمطار، بل هو فشل الدولة المدروس.

  • سوء إدارة المياه: يكمن الفشل الإستراتيجي الأكبر لباكستان في عجزها عن تخزين المياه! فعلى مدى عقود، أخفقت الحكومات المتعاقبة في بناء السدود والخزانات الرئيسية، وهذا ليس بسبب نقص الأموال، بل بسبب غياب الإرادة.

يتجه الغضب الشعبي بشكل متزايد نحو الأسر السياسية الراسخة، بمن في ذلك عائلتا شريف وزرداري، وطبقة الإقطاعيين الأقوياء، الذين يقول النقاد إنهم أشرفوا على عقود من هذا الإهمال الكارثي.

لقد اختفت الأموال المخصصة للبنية التحتية للمياه باستمرار في ثقب أسود من الفساد، مما ترك الأمة مكشوفة تماما أمام دورات الرياح الموسمية المتوقعة.

إعلان
  • التوسع العمراني المتهور في مجاري الأنهار: من العوامل الرئيسية التي ساهمت في الفيضانات، النمو الفطري للجمعيات السكنية الخاصة، التي بنيت مباشرة في قيعان الأنهار وسهولها الفيضية النشطة.

هذه المشاريع، التي تم التصريح بها عبر استغلال القوانين والنفوذ السياسي، تخنق الممرات المائية الطبيعية، مما يخلق نقاط اختناق مميتة، تجبر مياه الفيضانات على التدفق نحو مناطق كانت آمنة سابقا… والمفارقة المأساوية هي الغمر الكارثي للعديد من هذه الجمعيات نفسها.

ومن الأمثلة البارزة، التي استشهد بها خبراء البيئة، مشروع "بارك فيو سيتي" في لاهور، وهو مشروع تطوير واسع النطاق مرتبط بالوزير الاتحادي محمد عليم خان، تم بناؤه بشكل مثير للجدل داخل السهل الفيضي لنهر رافي، مما أعاق مساره الطبيعي.

  • التحويل المتعمد لحماية مصالح النخبة: تأتي الاتهامات الأكثر إدانة مباشرة من الضحايا على الأرض؛ فهناك ادعاءات واسعة النطاق ومستمرة بأن مياه الفيضانات يتم تحويلها عمدا بعيدا عن الأراضي الزراعية الشاسعة، ومصانع السكر، والمصانع التابعة لكبار الإقطاعيين والشخصيات السياسية.

إن ضخ المزيد من أموال المساعدات في هذا النظام المنهار دون تغيير جذري هو أمر غير مجدٍ.. يجب على المجتمع الدولي أن يطالب بمستويات غير مسبوقة من الشفافية

ويتم ذلك عن طريق إحداث تصدعات إستراتيجية ومتعمدة في السدود والحواجز الواقية، وتوجيه الطوفان القاتل بقسوة نحو القرى والمستوطنات الفقيرة.

بالنسبة للملايين، الخيار واضح: يتم التضحية بمنازلهم وحياتهم لحماية الأصول التجارية للنخبة الحاكمة.

  • التدمير البيئي الذي ترعاه الدولة: تتفاقم الأزمة بسبب إزالة الغابات على نطاق واسع، لا سيما في المناطق الشمالية. فقد قامت مافيا أخشاب قوية، تعمل بحصانة سياسية، بتجريد سفوح الجبال من غطائها النباتي، مما دمر قدرة الأرض الطبيعية على امتصاص مياه الأمطار، وخلق فيضانات مفاجئة ومميتة تتدفق إلى الأسفل، وتجرف كل شيء في طريقها.
  • العوامل الإقليمية المفاقمة: في حين أن السبب الجذري هو الفشل الداخلي، فإن العوامل الخارجية تزيد الوضع سوءا؛ فالإفراج الموسمي عن المياه الفائضة من السدود الواقعة في أعالي مجرى النهر في الهند، يضاعف من ذروة الفيضانات في أنهار باكستان الشرقية.

ومع ذلك، فإن أمة تتمتع بقدرة تخزين كافية للمياه يمكنها إدارة هذا التدفق. وبدونها، يصبح الأمر مجرد موجة أخرى في مد دمار لا يمكن إيقافه.

التكلفة الاقتصادية، التي تقدر بأكثر من 35 مليار دولار أميركي، هي مقياس لعجز البنية التحتية في البلاد. إن تدمير القطاع الزراعي سيشل الاقتصاد لسنوات

التداعيات المدمرة: الثمن الإنساني للجشع

إن عواقب هذا الفشل الذي ترعاه الدولة مكتوبة على وجوه النازحين وفي حصيلة القتلى المتزايدة، التي تشير التقديرات الآن إلى أنها تجاوزت 900 شخص. إن نزوح الآلاف من الناس ليس مأساة، بل هو فظاعة، وقد كانت الاستجابة الرسمية استمرارا للجريمة الأولى.

  • المتاجرة بالمساعدات: تعاني جهود الإغاثة من نفس الفساد الذي تسبب في الكارثة… تزعم التقارير من جميع أنحاء البلاد أن المساعدات المحلية والدولية يتم اختلاسها بشكل منهجي، أو بيعها في السوق السوداء، أو توزيعها حصريا على الجماعات ذات الصلات السياسية.
  • السياسة فوق البشر: وصل تسييس المساعدات إلى مستوى جديد مقزز؛ فقد وجهت اتهامات واسعة لحكومة إقليم البنجاب تحت قيادة مريم نواز بعرقلة أعمال الإغاثة من خلال الإصرار على وضع صور سياسية على طرود المساعدات، معطية الأولوية للترويج الذاتي على حساب الاحتياجات الماسة لضحايا الفيضانات.
  • الآثار المتوقعة: تتفشى الآن أزمة صحية مع انتشار أمراض الكوليرا وحمى الضنك، وأزمة الأمن الغذائي. هذه ليست عواقب غير متوقعة، بل هي النتائج المعروفة لسياسات تتعامل مع المواطنين على أنهم أناس يمكن الاستغناء عنهم.
  • الانهيار الاقتصادي: التكلفة الاقتصادية، التي تقدر بأكثر من 35 مليار دولار أميركي، هي مقياس لعجز البنية التحتية في البلاد. إن تدمير القطاع الزراعي سيشل الاقتصاد لسنوات، مما يضمن أن الفقراء الذين فقدوا كل شيء سيواجهون الآن تضخما مفرطا ومجاعة.

إن بناء السدود والحواجز هو تحدٍ تقني، أما كسر قبضة النخب السياسية والإقطاعية التي تربح من معاناة الجمهور، فهو الصراع الحقيقي

الطريق إلى الأمام: ما بعد المساعدات، نحو المحاسبة

إن ضخ المزيد من أموال المساعدات في هذا النظام المنهار دون تغيير جذري هو أمر غير مجدٍ.. يجب على المجتمع الدولي أن يطالب بمستويات غير مسبوقة من الشفافية؛ لضمان عدم سرقة مساهماته.

إعلان

يجب أن تكون هذه اللحظة نقطة اللاعودة بالنسبة لباكستان.. لم يعد من الممكن أن يقتصر المطلب على بنية تحتية أفضل فحسب، بل يجب أن يكون المطلب هو العدالة. يجب أن ينصب التركيز على تفكيك الهياكل الكليبتوقراطية (حكم اللصوص) التي أبقت البلاد رهينة لعقود.

إن بناء السدود والحواجز هو تحدٍ تقني، أما كسر قبضة النخب السياسية والإقطاعية التي تربح من معاناة الجمهور، فهو الصراع الحقيقي.

ستنحسر مياه الفيضانات في نهاية المطاف، لكن يجب أن تترك وراءها عزيمة لا تتزعزع لمحاسبة أولئك الذين دبروا هذه الكارثة المتعمدة، ولاستعادة الأمة من النخب التي تفضل رؤيتها رافضة التخلي عن امتيازاتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان