مما يميِّز ابن خلدون عن كثير من العلماء أنه ترجم لنفسه ترجمة وافية في كتاب سمَّاه "التعريف بابن خلدون ورحلته شرقًا وغربًا"، وهو بذلك من أوائل العلماء الذين كتبوا مذكراتهم الشخصية، فقد ذكر في كتابه نسبه ونشأته، وشيوخه الذين تعلم عليهم، ثم ذكر رحلاته وما تعرض له خلالها من أخطار، وما ولي فيها من مناصب بدءًا من بلده تونس، وانتهاء بمصر مقره الأخير، مرورًا بتلمسان والمغرب وغرناطة، وغيرها من البلدان.
وابن خلدون هو ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون. يرجع نسبه إلى الصحابي الجليل وائل بن حجر رضي الله عنهما، وقد رحل أجداده من حضرموت إلى الأندلس مع بدايات الفتح الإسلامي لها، وصارت لهم رئاسة في الأندلس، ثم أجلوا عنها إلى تونس في أواسط المئة السابعة للهجرة، وفي تونس ولد ابن خلدون عام 732هـ.
رحل ابن خلدون إلى غرناطة في الأندلس عام 764هـ وفيها التقى صديقه الوزير لسان الدين بن الخطيب (ت 776هـ).
حفظ ابن خلدون القرآن الكريم صغيرًا على يدي الشيخ أبي عبد الله محمد بن بُرَّال الأنصاري، وبعد أن أتمّ حفظه قرأه عليه بالقراءات السبع المشهورة، ثم قرأ عليه كتاب التقصي لأحاديث الموطأ لابن عبد البر (ت 463هـ) وغير ذلك من العلوم، وكان ممن درس عليهم في تونس الفقه والعربية والمنطق وغيرها من العلوم: والده محمد بن محمد بن خلدون (ت 749هـ)، وكان من أبرز شيوخه إمام العربية والأدب بتونس أبو عبد الله محمد بن بحر، وإمام المحدثين بتونس أبو عبد الله محمد بن جابر الواد ياشي (ت 749هـ)، وغيرهم كثير.
كانت أول وظيفة وليها ابن خلدون في تونس كتابة العلامة عن السلطان المحجور أبي إسحاق (ت 770هـ)، وكان وهو في تونس يرغب بالسفر إلى المغرب الأقصى حيث دولة بني مرين أقوى دويلات المغرب، وكان يطمح أن يلبي فيها رغباته وميوله في طلب الرياسة والجاه، وبعد أن تمَّ له السفر إلى المغرب اتصل بالسلطان أبي عنان (ت 759هـ)، فجعله السلطان في مجلسه العلمي، وطلب منه أن يحضر الصلاة معه، ثم عيّنه ضمن كُتّابه وموقعيه، ومنذ ذلك الحين ظهر ابن خلدون شخصية بارزة في الدول المغربية، ثم وشي للسلطان أن ابن خلدون يدبر مؤامرة عليه فقبض عليه السلطان وسجنه، وبعد عامين من السجن توفي السلطان أبو عنان فأخرج ابن خلدون وأعيد لوظائفه في الدولة، ثم ولي للسلطان أبي سالم (ت 762هـ) كتابة السر والإنشاء، وخطة المظالم (القضاء) وغيرها، وبعد ذلك كانت رحلته الأولى إلى الأندلس.
رحل ابن خلدون إلى غرناطة في الأندلس عام 764هـ وفيها التقى صديقه الوزير لسان الدين بن الخطيب (ت 776هـ)، وفي غرناطة أرسله سلطانها سفيرًا إلى ملك قشتالة لتنظيم العلاقات وعقد الصلح بينهم، فقام ابن خلدون بالمهمة خير قيام. عرض عليه خلالها ملك قشتالة أن يقيم عنده على أن يعيد له تراث أسرته في إشبيلية، ولكن ابن خلدون أبى، وعاد إلى غرناطة، وفيها وقعت بينه وبين ابن الخطيب الشحناء فرحل إلى تلمسان.
ظلت الأحداث تتقاذف ابن خلدون يمنة ويسرة دون أن تحقق له طموحه الذي كان يسمو إليه في الرياسة ونحوها، فآثر لذلك اعتزال السياسة والانقطاع إلى البحث والتأليف.
انتهى المطاف بابن خلدون مرة أخرى في تلمسان، وفيها اعتزل مدة 4 أعوام في قلعة بني سلامة، فنعم بالهدوء والاستقرار، وبدأ كتابة مؤلفه الكبير في التاريخ "ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر"، فأخرج مقدمته التي اشتهر بها في 5 أشهر بعد أن "أُلهم تلك النظريات والمباحث المهمة التي تتبوأ مكانة رفيعة بين ثمرات التفكر البشري"، ثم إن ابن خلدون يحدثنا عمَّا اعتراه في تلك الخلوة التي أخرج فيها مقدمته المشهورة فيقول "وأكملت المقدّمة على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها، وتألّفت نتائجها"، وبعد ذلك رجع إلى تونس حيث مكتبته الزاخرة التي تسعفه في إتمام مشروعه في كتابة تاريخ الخليقة، ثم كانت رحلته الأخيرة إلى مصر.
كان ابن خلدون قد طلب من السلطان برقوق أن يكتب لسلطان تونس أبي العباس الحفصي (ت 796هـ)، يطلب منه الموافقة على سفر أهل ابن خلدون إلى مصر، وكان سلطان تونس قد احتجزهم عنده طمعًا في عودة ابن خلدون لتونس، فلبى برقوق طلبه.
وصل ابن خلدون إلى مصر عام 784هـ بعد 10 أيام من تولّي السلطان برقوق (ت 801هـ) حكم المماليك، وكان تولي برقوق السلطة بداية لحكم المماليك الشركس ونهاية لحكم المماليك الأتراك. أقام ابن خلدون في الأزهر مدرّسًا للحديث والفقه المالكي وغير ذلك من العلوم، ثم حظي باهتمام السلطان برقوق فعيَّنه مدرسًا في المدرسة القمحية، ثم عيَّنه قاضيًا لقضاة المالكية، وفي هذا المنصب جرت عليه محن كثيرة فعزل منه 5 مرات، وذلك بسبب مواجهته الفساد الذي كان سائدًا في مؤسسة القضاء.
وكان ابن خلدون قد طلب من السلطان برقوق أن يكتب لسلطان تونس أبي العباس الحفصي (ت 796هـ)، يطلب منه الموافقة على سفر أهل ابن خلدون إلى مصر، وكان سلطان تونس قد احتجزهم عنده طمعًا في عودة ابن خلدون إلى تونس، فلبى برقوق طلبه، وأرسل إلى سلطان تونس بذلك، فأرسلهم سلطان تونس، وأرسل معهم بعض الجياد هدايا للسلطان برقوق، وكان أن غرقت السفينة بهم قرب مرسى الإسكندرية، وفي ذلك يقول ابن خلدون "فلما قاربوا مرسى الإسكندرية عاقتهم عواصف الرياح عن احتلال السفينة، وغرق معظم ما فيها من الحيوان والبضائع، وهلك أهلي وولدي فيمن هلك، ونفقت تلك الجياد".
ثم كان من أبرز الأحداث التي جرت لابن خلدون إبان إقامته في مصر لقاؤه بتيمورلنك في دمشق، وذلك بعد أن ذهب مع السلطان فرج بن برقوق (ت 815هـ) لقتاله، ثم كان أن رجع السلطان إلى مصر تاركًا دمشق تواجه تيمور وحدها؛ فسعى علماؤها في طلب الصلح من تيمور، ثم كان أن ذهب ابن خلدون لذلك والتقى بتيمورلنك، وبعدئذ قفل راجعًا إلى مصر منتظمًا في وظيفته، وظل في مصر إلى أن توفي عام 808هـ، "ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر".
تكلم ابن خلدون في كتابه "التعريف" عن المنهج العملي الذي سلكه في القضاء، وهدف من ورائه إلى إصلاح الفساد الذي شاع في مؤسسة القضاء في دولة المماليك، ثم كان أن كتب رؤية إصلاحية خاصة بتلك المؤسسة في رسالة سمَّاها "مزيل الملام عن حكام الأنام"، حقق هذه الرسالة وأثبت نسبتها لابن خلدون فؤاد عبد المنعم أحمد، وطبعها في كتاب سمَّاه "ابن خلدون ورسالته للقُضاة مزيل الملام عن حكام الأنام" ثم ذيَّل كتابه بذكر نص رسالة ابن خلدون.
ثم إن ابن خلدون قد عرض في كتابه "التعريف بابن خلدون" رؤيتَه الإصلاحية المتعلقة بمؤسسة العلاقات الخارجية أيضًا، وذلك من خلال مساعيه في تقوية الصلات بين السلطان برقوق وسلاطين المغرب الإسلامي وقد نحج في ذلك كما قال، وذكر في كتابه "التعريف" أيضًا لقاءاته بتيمورلنك أيضًا وما انتهت إليه تلك اللقاءات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

