شعار قسم مدونات

قراءة في مذكرات مسألة حياة أو موت

مسألة موت وحياة المؤلف ارفين د.يالوم ومارلين يالوم
غلاف كتاب مسألة موت وحياة للمؤلف ارفين د.يالوم ومارلين يالوم (الجزيرة)

كما أن لكل علاقة (زوجية) بداية ونهاية، سواء طالت أو قصرت، توجد أيضًا "سيرورة" تستحضر ما اتسمت به هذه العلاقة – إن حق لها الارتياد – من مباهج وأحزان، ومن صدفة جامعة، وفراق حتمي – إما نختارها نحن بـ (الفراق) وإما يطفئها الموت ويحيلها إلى مملكة العدم -. ولن نحتاج لكثير جهد إن استدعينا بعض الأمثلة الشهيرة من الروايات ورثاء الشعراء، الذين خاضوا تجربة موت أحبابهم وعبروا عنها كل بأسلوبه، وخلدت أسماءهم وظلت تجابه الموت. ليس بدءًا من الجواهري حين رثى زوجته بقصيدته الشهيرة "ناجيت قبركِ" أو نزار وهو يصف حجم معاناته في اغتيال زوجته بلقيس الراوي، ولا انتهاء بغازي القصيبي عندما استشعر دنو أجله فعزى زوجته برحيله عنها في حديقة الغروب.

هل فعلًا أن قوة العلاقات تقاس بتقادمها شريطة وجود المرونة حد ما ذهب خبراء العلاقات، أم بسعة التفاهم والوضوح بين الشريكين!

في مذكرات "مسألة موت وحياة" للزوجين، الدكتور النفساني والمؤلف الشهير إرفين يالوم، والكاتبة والأستاذة في الأدب المقارن مارلين يالوم، نقرأ تجربة استثنائية، جريئة وصادمة، مليئة بالحكمة والهشاشة والأهم من ذلك كله، مواسية، ويقدر لها أن تكون حوارًا مهمًا لما يحيط بالموت من حوار. يحكيها الزوجان فصلًا بفصل، بعد أن عاشا أكثر من 60 عاما، تبقى الفصول الأخيرة فيكملها يالوم وحده لأن مارلين قد رحلت…

سبق أن حظيت المكتبة العربية، بأبرز مؤلفات الكاتب والطبيب النفساني إرفين بالوم، "عندما بكى نيتشه" و"علاج شوبنهاور" و"مشكلة سبينوزا" ومؤخرًا "مسألة موت وحياة" والتي ترجمها كلها خالد الجبيلي.

هل فعلًا أن قوة العلاقات تقاس بتقادمها شريطة وجود المرونة حد ما ذهب خبراء العلاقات، أم بسعة التفاهم والوضوح بين الشريكين، أم بحسب الرأي القائل إن السببين معًا إضافة إلى مكانة الشريكين وحظوتهم في المجتمع…؟

في مستوى التحليل الفردي لا أعتقد أن هناك إجابة…لكن من حسن حظ كاتبي مسألة موت وحياة أن علاقتهما تجاوزت هذه المعايير، وقدمت نموذجا ثريا إذا ما أشير إلى العلاقات الخالدة، نموذجا يعول عليه في الإجابة عن التساؤل السابق. لكن ومن سوء حظهما أيضًا أن ألم الفراق يتضاعف ويصبح أكثر حدة بمقدار حجم العلاقة. وبتعبير أدق استهلِلت به مذكراتهما: "الحزن هو الثمن الذي ندفعه لقاء شجاعتنا كي نحب الآخرين".

يتخلى إرفين، عما كان عليه في مؤلفاته التي أشرنا إليها، فقد عرف عنه أن أسلوبه قائم على الاسترسال والتتابع، في مسألة موت وحياة يوفر على القارئ عدد كبير من التساؤلات، فإصابة زوجته مارلين بالسرطان النقوي وفكرة انهاء حياتها بمساعدة طبيب – بعد عدم استجابتها للعلاج – حاضرين من الفصل الأول.

المذكرات بكل بساطة – ودون تخمة أو بدانة سردية وثرثرة لا طائل منها – تنم عن مصداق وألم ما كتباه. إذ كتبت المذكرات بناء على طلب مارلين بعد أن استشعرت دنو أجلها "أريد أن نوثق الأيام والأشهر الصعبة الماثلة أمامنا، فقد تكون تجارِبنا أنا وأنت ذات فائدة لأزواج آخرين يواجه أحدهما مرضًا مميتًا".

في مرحلة متأزمة من حياة أرفين، قبل أن يحظى بمكانته المرموقة، عندما كان العزل العنصري سائدًا آنذاك في واشنطن، وكانت أسرته البيضاء الوحيدة في الحي… يتذكر أرفين تجربته السيئة… إلى أن يتعرف إلى مارلين في الصف التاسع، ويتذكر كيف أثر وجودها في حياته، وبأنه مدين لها بكل جزء من نجاحه، كونها فتحت له نافذة العالم الإبداعي، ولولا وجودها لفعل ما فعله جميع رفاقه المقربين في كلية الطب ولما رأى كتابًا واحدًا من كتبه النور.

 

يصارح إيرفين يالوم زوجته مارلين وقراءه برغبته في انهاء حياته، بأن يموت معها في وقت واحد وعلى يد طبيب واحد، ويدفنا في قبر واحد، فتجيبه مارلين بلطف لا يخلو من دعابة بأنها لم تسمع قط في كل مقابر أمريكا عن تابوت فيه اثنين.

لا شك أن القارئ سرعان ما يدخل إلى غمار الحزن المتكثف من أول فصل، وبخاصة مع استسلام مارلين للسرطان، إذ كانت أمام مفترق طرق أخير "أحلاهما مر" فإما أن تنتظر موتها بالتقسيط، مع كل ما قد يصحب ذلك من معاناة وخور في الجسد وآلام تزداد كل يوم، وإما أن تختصر الأمر وتمشي هي إلى الموت، وهو خيار رجحت كفته لديها، لا سيما بوجود قانون يمنح الأطباء الحق في مساعدة المرضى على انهاء حياتهم إذا كانوا يعانون معاناة فظيعة من مرض عضال لا سبيل إلى علاجه.

‏إلى جانب معاناة مارلين يشير الكتاب أيضا إلى إصابة أيرفين بمرض في قلبه، إضافة إلى ضعف ذاكرته إذ بدأت تخونه في تذكر ماضيه.. يتفاقم الأمر حين يصل إلى نسيان مواعيده مع مرضاه. لكن ورغم مرض مارلين لطالما أعادت إليه ماضيه كأنها تحتفظ بنسخة كاملة لها عنه.

يصارح إيرفين يالوم زوجته مارلين وقراءه برغبته في انهاء حياته، بأن يموت معها في وقت واحد وعلى يد طبيب واحد، ويدفنا في قبر واحد، فتجيبه مارلين بلطف لا يخلو من دعابة بأنها لم تسمع قط في كل مقابر أمريكا عن تابوت فيه اثنين. لكنه لم يفكر في نفسه بل في أثر الانتحار على مسيرته المهنية.

يقول: "سيكون إنهاء حياتي بمثابة خيانة لعملي معهم، ولعملنا معا. فقد ساعدتهم على أن يتخلصوا من آلامهم ومعاناتهم، وعندما أواجه ما عانوه، أختار أن أهرب من التزامي تجاههم. لا، لا يمكنني أن أفعل ذلك. إن مساعدة المرضى يقبع في جوهر حياتي: شيء لا يمكنني أن أنتهكه. لا أستطيع أن افعل ذلك، ولن أفعله".

يستحثها أولادها الأربعة وأحفادها وكل محبيها على البقاء ويذعن إيرفين ويومئ لها بالموافقة – على إيقاع نيتشاوي – لأنها تدرك أن زوجها قد منحها كل شيء وعاشا كما يريدان: "يموت كثير من الناس في وقت متأخر، ويموت بعضهم في وقت مبكر جدًا، مت في الوقت المناسب" "الذي أصبح كاملًا، الذي أصبح ناضجًا، يريد أن يموت، أما الذي لم ينضج بعد فإنه يريد أن يعيش، كل من يتألم يريد أن يعيش حتى يصبح ناضجًا ومبتهجًا، وتواقًا- يتوق إلى ما هو أبعد، إلى ما هو أعلى، إلى ما هو أكثر إشراقًا".

يكمل إيرفين فصول الكتاب وحده، يشعر باللاجدوى، ويصيبه الاكتئاب، فما قيمة الحياة من دون زوجته وملهمته وعراب ذاكرته مارلين. ويناجيها: مارلين لم أفتقدكِ أنتِ فقط أغلى وأعز شخص علي في الكون، وإنما مساحة من ماضي تلاشت بذهابك".

قبل رحيل مارلين

في جلسة علاجية للطبيب النفساني يالوم، وصفته مريضة بالمتعجرف لأنه لم يثمن خسارتها بفراق زوجها! قالت له: "حياتك ليست حقيقية، تحيط بك عائلتك دائمًا وتعيش حياة دافئة ومريحة فما الذي يمكن أن تعرفه الفقدان".

  • افترض أن زوجتك أو أحد أبنائك مات الآن كيف سيكون تصرفك؟

بعد مئة وعشرة أيام على وفاة مارلين، يأخذ يالوم كلام مريضته بمزيد من الجدية ويعترف بأنها كانت محقه، فحياته آنذاك – قبل أن ينال منه الفقد – منعته من فهم الدمار الناجم عن خساراتها، وإذا كان عليه أن يراها الآن بعد أن خبر وفاة مارلين فإن عمله سيكون مختلفًا تماما.

يكمل إيرفين فصول الكتاب وحده، يشعر باللاجدوى، ويصيبه الاكتئاب، فما قيمة الحياة من دون زوجته وملهمته وعراب ذاكرته مارلين. ويناجيها: مارلين لم أفتقدكِ أنتِ فقط أغلى وأعز شخص علي في الكون، وإنما مساحة من ماضي تلاشت بذهابك".

في هذه المذكرات استطاع الزوجان أن يشرحا الكثير من مشاعرهما تجاه بعضهما بأسلوب واضح وصريح، ويصلان إلى حافة الكلمات بفلسفة تأملية عن الموت وكيف تكون وأنت موارب بابه…! هذا الكتاب أو المذكرات انطبق عليه قول نيكوس كزنتزاكيس "لا تترك للموت سوى قلعة محترقة".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.