شعار قسم مدونات

سيِّد الأيام "عرفة"

صعود الحجاج إلى عرفات وجبل الرحمة تتضمن مشاهد للدعاء من الرجال والنساء إضافة إلى تلاوة القرآن وبعضهم يبكي والبعض اصطحب أطفاله معه وآخرون جاؤوا على كرسي متحرك كل ذلك في موكب إيماني مهيب طلبا لرحمة الله الرحيم الغفور - تصوير عقبة الاحمد - مكة المكرمة
صعود الحجاج إلى عرفات وجبل الرحمة (الجزيرة)

أجرى الله تعالى في خلقه سنّة التفضيل، ففضّل بعض الأيام على بعض، والأيام الفاضلة هي مواسم لنفحات الله يتفضل فيها على عباده فيغفر الذنوب، ويرفع الدرجات، ومن تلك الأيام الفاضلة يوم عرفة، فقيل إن يوم عرفة أفضل الأيام لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة؛ ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثا غبرا ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير يوما أكثر عتقا من النار من يوم عرفة»، وقيل يوم الجمعة لحديث :«لا تطلع الشمس على يوم أفضل من يوم الجمعة»، وقد وفق العلماء بين الحديثين بأن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة أفضل أيام العام؛ فنحن إذن نستقبل هذا العام أفضل الأيام باتفاق الرأيين لاجتماع اليومين في يوم واحد، وهو الاتفاق الذي حصل في حجة الوداع.

يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وقد اختلف أهل العلم في سبب التسمية بعرفة، ولهم في ذلك أقوال: أحدها أن آدم وحواء عليهما السلام افترقا بعد هبوطهما إلى الأرض ثم اجتمعا في هذا اليوم بعرفات وتعارفا؛ فسمي به. الثاني أن جبريل عليه السلام كان يري إبراهيم الخليل عليه السلام المناسك ويقول له: أعرفت؟ فيقول عرفت.

الثالث أن إبراهيم عرف فيه أن رؤياه حق فقد رأى في منامه ليلة التروية أنه يذبح ابنه فروى -أي نظر وتفكر- في يوم التروية هل رؤياه من الله أم من الشيطان؟ ثم تكررت له الرؤيا ليلة عرفة فلما أصبح عرف أنها من الله تعالى فسمي اليوم بعرفة.

وفي هذا اليوم من الفضائل ما لا يعدّ ولا يحصى، فهو سيد الأيام كما في الحديث وبه أقسم الله تعالى في قوله: {والشفع والوتر} فقد قال ابن عباس: الشفع يوم الأضحى والوتر يوم عرفة، وهو المشهود في قوله تعالى: {وشاهد ومشهود}، وقد وردت في فضله أحاديث كثيرة منها حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم»، وقد عدّه النبي صلى الله عليه وسلم عيدا فقال: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب».

ويطلب في هذا اليوم المبارك الإكثار من ذكر الله تعالى إذ هو من الأيام المعلومات في قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} [سورة الحج:28].

وفي صوم هذا اليوم لغير الحجاج أجر عظيم لا ينبغي أن يفوت المؤمن المتعرض لفضل الله تعالى، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه فقال: «يكفر السنة الماضية والسنة القابلة».

أما الحجاج فلا يصومون بل يفطرون لما في الإفطار من التقوى على الدعاء المطلوب في هذا اليوم، ويؤيد ذلك ما روي عن أم الفضل رضي الله عنها: «أنهم شكـوا في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن، فشرب وهو يخطب الناس بعرفة».

يبيت الحجاج ليلة التاسع من ذي الحجة بمنى ويصلون الصبح بها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يفدون إلى عرفة بعد طلوع الشمس مع الإمام فلا يجاوزون بطن محسر حتى تطلع الشمس على ثبير، ويقولون في سيرهم: "اللهم إليك توجهت ووجهك الكريم أردت ونحوك قصدت وما عندك طلبت وإياك رجوت وبك وثقت، أسألك أن تبارك لي في سفري وأن تغفر لي ذنوبي وأن تقضي حوائجي وأن تجعلني ممن تباهي به من هو أفضل مني إنك على كل شيء قدير، اللهم اجعل ذنبي مغفورا وحجي مبرورا وارحمني ولا تخيبني إنك على كل شيء قدير".

ويلبّون ويقرؤون القرآن، ويكثرون من سائر الأذكار والدعوات، ويكثرون من قول: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة:201].

فإذا وصلوا ينزل الإمام بـ"نمرة" إذ فيه ضربت قبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وكانت عائشة رضي الله عنها تنزل به وينزل الناس حيث شاؤوا، فإذا قرب الزوال فإنه يستحب للمحرم أن يغتسل كغسله عند دخوله مكة، فإذا زالت الشمس ذهب إلى مسجد عرفة ليصلي مع الإمام الظهر والعصر جمعا وقصرا، فإذا فرغ من الصلاة أخذ في التهليل والتكبير والتحميد وذهب إلى موقف عرفات، وعرفة كلها موقف لا فضل لموضع منها على غيره لقوله صلى الله عليه وسلم: «عرفة كلها موقف».

وهو موقف عظيم المنزلة تسكب فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، وهو أعظم مجامع الدنيا، وعليه قوام الحج بإجماع العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»؛ فمن فاته عليه حج قابل باتفاق العلماء وعليه الهدي في قول أكثرهم.

فعلى الواقف أن يلزم السكينة والوقار مكثرا من الاستغفار والندم على ما فاته في جنب الله، مخلصا التوبة مما اقترف في سالف أيامه، مقلعا عن جميع الذنوب، عازما على عدم الرجوع إليها، طالبا من الله العون، مبالغا في الانكسار والخضوع مظهرا شدة افتقاره، مضطرا في دعائه، مخبتا موقنا من الإجابة من كريم غني، وفي الحديث :«أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة» خافضا لصوته، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا» والأحسن أن يبدأ دعاءه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لقول ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا دعا أحدكم فليصلّ على النبي صلى الله عليه وسلم فإنها مقبولة والله تعالى أكرم من أن يقبل بعض دعائك ويرد بعضه".

وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: "أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في الموقف: «اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك مآبي ولك يا رب تراثي، اللهم إنـي أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح».

ووقت الوقوف من الزوال كما تقدم إلى طلوع الفجر من يوم العيد ولا يجب الوقوف في جميع الوقت إجماعا، واختلف الأئمة فيما يحصل به الركن، فالمالكية يجب عندهم الوقوف ابتداء من الزوال والركن الوقوف بجزء من الليل، بعكس الشافعية والحنفية فالركن عندهم الوقوف بالنهار، أما الليل فالوقوف واجب يجبر بالدم.

فإذا سار الإمام عن عرفة سار معه، ويستحب أن يسلك الطريق التي بين المأزمين حتى إذا وصل إلى مزدلفة نزل بها وصلى المغرب والعشاء جمعا وقصرا، ثم يلقي عصاه بها ويبيت ليلته فيها.