سمات العقل العربي.. هكذا نفكر

blogs مقهى

للحضارة تعريفات عدة ونظريات تدور حول نشوئها توقف عندها علماء الاجتماع العرب والغرب، القدماء والمعاصرون باستفاضة واختلفوا في بعض جوانبها، لكنهم اتفقوا على أن من عوامل نشوئها "التفكير"، فالفكر وعاء الحضارة وأداتها في آن واحد، والعلاقة بين أساليب التفكير وما يطغى على العقل من سمات، وبين الحضارة كالعلاقة بين البيضة والدجاجة، فهي تتأثر بها وتؤثر بها، فاعلة لها، ومنفعلة بها.. واليوم في أمتنا العربية نقف عند واقعنا الحاضر نرنو إلى إرث من حضارة سابقة كانت لنا يوماً، وأحلام لحضارة نرجو أن تكون لنا يوماً. هذا الواقع الذي نحن عليه والذي يجدر بنا أن نتبصر أهم أسبابه لنعلم على أي أرض نقف.. واقع أهم ما أوصلنا له سمات عقلنا العربي والتي تتمثل بـ انهزامنا الحضاري أمام أمة الغرب من ناحية وأمام أمتنا التاريخية من ناحية أخرى الأمر الذي جعل عقلنا الجمعي يأخذ أحد اتجاهين:

 

التمسك بالقديم والوقوف الدائم على أطلاله والتغني بأمجاده والتقوقع في إطاره، فتارة لا يجد العربي نفسه محققاً مركزا ذا قيمة في خضم الفورة الإنتاجية والمادية والمعرفية الحالية، ولا يجد لنفسه مكاناً أمام المد العولمي، فيشعر باللاجدوى والتهميش فيهرب إلى الماضي ويوغل في الانتساب إليه، وتارة يقف أمام المد العولمي وقوف الخائف الذي يخشى على نفسه وعروبته وأصالته من الذوبان والانسحاق وانعدام الهوية، فيهرب أيضاً إلى الماضي فيوغل بالاحتماء بعباءته والتمسك به والتعامل معه بتقديس.

 

التغريب والتماهي مع الحضارة الغربية والانتماء لها، والانبطاح أمام مظاهرها والتعامل معها من منطلق الضعيف الذي يريد اكتساب المكانة من القوي بالانسلاخ عن جلده وارتداء ثوب القوي، المشكلة هنا أن هذا الانتماء يكون للظاهر فحسب، فنرى العربي مستهلكاً لكل ما تقدمه الحضارة الغربية بدءاً من العلوم والمعارف وانتهاء بالأدوات والمنتجات، على نحو لا يساهم بحال من الأحوال بالسير قدماً نحو وضع حجر الأساس لحضارته الخاصة، فالمنتجات لا تؤسس للحضارة ، بل تكون وليدة عنها، الفكر وحده الذي يؤسس للحضارة ويقيم صرحها، يقول مالك ابن نبي رحمه الله: (إن المقياس العام فى عملية الحضارة هو أن الحضارة هى التى تلد منتجاتها، وسيكون من السخف والسخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة حين نريد صنع حضارة من منتجاتها).

 

ومن سمات العقل العربي أيضاً
إعلان
التعصب الطائفي والمذهبي والحزبي: وهي صفة تشكل عائقاً مهماً في وضع حجر الأساس لأي حضارة، وتشكل عبئاً على الواقع العربي وتتمثل في: "كل من لا يشبهني فهو ضدي"، الأمر الذي يكاد يكون سمة عامة للعقل العربي

تقديس الأفراد لا الأفكار فنجد في قواميسنا مصطلحات الفخامة والسيادة والجلالة والسمو والسعادة التي تسبق المناصب، ونجد عبارات الدوام الخلود وإلى الأبد التي ترددها الجموع الغفيرة لحكامنا، الأمر الذي عززته أغلب الأنظمة العربية، حتى إنها جعلت دولنا ترتبط بشخص الحاكم، ولا حياة لدولة دون حاكمها، مهما كان ظالماً ممتطياً عنق الحكم مستولياً عليه، كما أن الكثير من الحركات والدعوات في مجتمعاتنا العربية تكتسب وجودها بوجود موسسيها فتعيش إن عاشوا وتموت إن ماتوا، تعلو إن علوا، وتسقط إن سقطوا، فنرى اللافتات تعلو بصور الأعلام وأقوالهم والشعارات تتكرر على الألسنة بالحياة لهم.. الأمر الذي يكون على حساب الأفكار التي تحتاج دوماً بالنسبة للعربي لرمز أو أيقونة يجسدها ويقود الجموع ليناضل من أجلها، دون أن تكتسب قوة الحياة إن مات، أو قوة البقاء إن ضعف..

 

تقديس العادات والتقاليد

مع أهمية العادات والتقاليد في مجتمعنا كونها تمثل إرثاً مجتمعياً يعبر عن ممارسات اجتماعية متوارثة من الأجداد إلى الأحفاد، إلا أنها تلقى في مجتمعاتنا العربية تقديساً ملفتاًـ إذ يتعامل العربي مع عاداته وتقاليده بالتزام يجعلها أقرب للوحي السماوي عن الإرث المجتمعي، مع أن الكثير من هذه العادات والتقاليد فيها ما فيها من الأثر السلبي على حياة الفرد والجماعة كالعادات والتقاليد المرهقة والمكلفة في كل من الزواج والوفاة وغيرها.. بالإضافة للأمثال الشعبية التي تعتبر قواعد عامة نكررها ونمتثلها في سلوكنا وحياتنا مع أن فيها من السلبية الكثير..

 

التعصب الطائفي والمذهبي والحزبي: وهي صفة تشكل عائقاً مهماً في وضع حجر الأساس لأي حضارة، وتشكل عبئاً على الواقع العربي وتتمثل في: "كل من لا يشبهني فهو ضدي"، الأمر الذي يكاد يكون سمة عامة للعقل العربي، والذي تجعل صاحبه يؤطر الأشخاص والجماعات ضمن قوائم تتعلق بدينه ومذهبه وأيدلوجيته ومنطقته وحزبه وتوجهه لتجعل كل من يختلف عنه عدوه عليه إسقاطه والنيل منه..

 

التأثر بالخطاب الديني والخطاب العاطفي

تمثل السلطة الدينية واحدة من أهم موجهات العقل العربي وتفكيره، إذ تمارس قوة مباشرة وغير مباشرة في تحريك بوصلته وتوجيه دفته متواطئة بذلك مع الأنظمة الحاكمة في أغلب دولنا العربية التي تسخرها لتكريس استبدادها وتوطيد أركان حكمها، يقول الدكتور مدحت صفوت في كتاب: فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال:

 

"وحسبُنا أن ننظر إلى الممارسات التي ترتكبها هذه السُلطة -الدينية- في حق كل شخص يُفكِّر، أو يحاول أن يأتي بجديد، حيثُ ما إن يختصُّ هذا الشخص بالتفكير والنقد في مسألةٍ مُعَيَّنة، حتَّى يظهر الباطن الكهنوتي للخطاب الأصولي الإسلامي، في صورة شبه احتكاريَّة للحق المُطلق، وبطريقة ردعيَّة وتضييقيَّة على العقل، وينقلب الوضع رأسًا على عقب فوق رأس كل مُفكِّر حقيقي ومُثقف حُر، وربما لا نجد مُجتمعًا من المجتمعات الدينيَّة إلَّا ونرى تواطؤًا بَيِّناً بَيْنَ السُلطة الدينيَّة والسياسيَّة فيه، لمجاراة المصالح بينهما، وُمضاعفة جذوة الاستبداد والقهر والتجهيل للمُجتمع بأكمله، حتَّى يكون استبدادًا مُحكَم الطريقة من شَتَّى النواحي، وبذلك يكون التناقض بين الإنكار النظري والإقرار الفعلي للمبدأ الكهنوتي في الذهنيَّة الإسلاميَّة، والواقع العربي".

إعلان
التفكير الفردي: من المعلوم أن التفكير الفردي يبدأ لدى الإنسان بالفطرة إذ يبدأ الإنسان حياته ككائن فردي أناني، ومع الوقت، يندمج التفكير الأناني الطفولي مع الجماعة التي ينتمي اليها الفرد. فيكتسب أسلوب التفكير الجماعي

فالسلطة الدينية تسيطر على العقل العربي وتصادر طرائق تفكيره وتوجهه، وكذلك العقل العربي يتأثر بالخطاب العاطفي تأثراً كبيراً، سواء أكان هذا الخطاب مسموعاً أو مكتوباً، فقد عرف العربي منذ القديم بشعره الغزلي وقصائد الحب الجياشة والتي عوض بها عن خشونة حياته، بالإضافة لما تعرض له العربي على مدى عصور من كوارث وحروب وويلات، والتي جعلته يجنح إلى العاطفة ليعوض القسوة التي تداهم حياته، لذلك فالشعوب العربية أكثر الشعوب عاطفة، الأمر الذي وعته الأنظمة الحاكمة واستغلته أحسن استغلال، يذكر الكاتب الأميركي نعوم تشومسكي في كتابه «عشر استراتيجيات للتحكم بالشعوب» أن إحداها «استثارة العاطفة بدل الفكر»، مشيراً إلى دور الخطاب العاطفي في تعطيل التحليل المنطقي للعقل، وبالتالي الحس النقدي للأشخاص، كما أنّ استعمال المفردات العاطفية تصل بسهولة إلى العقل الباطن وتتحكم به… الأمر الذي يفسر لنا اعتماد خطب السياسيين على العبارات الرنانة والكلمات العاطفية التي تحرك الشعوب وتتأثر بها، ويكفي أن نتذكر خطبة عبد الناصر التي أعلن بها استقالته كيف حركت الجماهير فنزلت إلى الشوارع رافضة تنحيه مطالبة بأن يبقى..

 

اقتصار النص الديني في العقل العربي على التأثير الشعائري للتعاليم الدينية دون التطبيق الحياتي والسلوكي: إذ يجنج العقل العربي في تعامله مع النص الديني على التطبيق الشعائري له، فنراه يقبل على العبادة كماً لا كيفاً، شكلاً لا مضموناً، أداء لا أسلوب حياة.. فنرى المسلم يحصي عدد الركعات والأذكار والختم ويحرص عليها، ويعد صفحات القرآن التي يتلوها أو يحفظها ويتقيد بأوراد ذات عدد معين أكثر من حرصه على العمل بمقاصد الدين وروح الشريعة، ولنا أن نتذكر كم من النصوص الموضوعة والتي لا أصل لها في الشريعة توجه المسلمين للتقيد بأعداد محددة من الأذكار والأوراد، الأمر الذي يمنح المسلم نوعاً من التخدير أنه ملتزم دينياً ولو كان هذا الالتزام لا ينعكس على سلوكه وأخلاقه ومعاملته..

 

التعلق بالغيبيات والماورائيات: فالعقل العربي تجاوز مسألة الإيمان بالغيب للتعلق بالغيب، فنراه يسكت عن حقه أو يقعد عن نصرة المظلوم ثقة منه بأن الله سينتصر له، وأن عقاب الظالم سيكون في الآخرة، كما يتجاوز التوكل على الله المأمور به للتواكل، فيترك اتخاذ الأسباب ويلجأ للدعاء ويقعد عن فتح باب الفرج ويجلس منتظراً النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين، مخالفاً بذلك واحداً من أهم قوانين الحياة وهو قانون "السببية" فلكل نتيجة سبب، وعندما لا نقوم بالسبب لا تكون النتيجة التي نرجوها، بالإضافة لتعلق العربي بقصص الخرافات والأساطير والجن والسحر والعين والحسد والتي يلجأ لها لما فيها من قدرة على تخليصه من المشاكل والمشاعر السلبية من غضب وخوف وخيبة أمل وتخفف عنه مسؤوليته حيال الأمور الصعبة التي يواجهها في واقعه، ولنا أن نلقي نظرة على القنوات الفضائية لنرى كم من المشعوذين ينتشرون ويلقون رواجاً سواء في قراءة الطالع أو التنبؤ بالمستقبل أو حل المشاكل بناء على الأبراج وحروف الأسماء والألوان وغيرها، ولنا أن نعرف أن من أكثر الكتب مبيعاً في عالمنا العربي هي كتب الأبراج..

 

التفكير الفردي: من المعلوم أن التفكير الفردي يبدأ لدى الإنسان بالفطرة إذ يبدأ الإنسان حياته ككائن فردي أناني، ومع الوقت، يندمج التفكير الأناني الطفولي مع الجماعة التي ينتمي اليها الفرد. فيكتسب أسلوب التفكير الجماعي، ولكننا في عالمنا العربي نجد مهارة الاندماج مع الجماعة بقيت قاصرة، شارك في قصورها مناهج التعليم وطرقه التي ترسخ مبدأ الفردية في تلقي المعلومات ومعالجتها في الذهن وحفظها بشكل تلقيني وصولاً إلى جعل هذا الحفظ مقياساً لتقرير المصير في الجامعة والتخصص، وحتى في المرحلة الجامعية.. الأمر الذي يجعل العربي غير قادر على الانخراط المجتمعي والإبداع الفكري الذي أهم مقوماته التفكير الجماعي..

 

هذه بعض السمات التي يتصف بها العقل العربي والتي كانت ومازالت أهم ما أوصلنا إلى واقعنا الحالي، وما لنا لواقع أفضل إلا التخلي عن هذه السمات واكتساب سمات إيجابية تؤسس لحضارة نرجوها.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان