لن يحبك كما أنت إلا والديك

قبل أن نخوض في صلب الموضوع دعونا نتحدث عن الحب في مفهومه الشامل على اعتباره: عاطفة نبيلة وشعور سام تترقى وتتجمل به حياتنا وتتلون بألوان بهية تجعل لوجودنا في هذا العالم قيمة وتميز فارق، ولا يمكن البتة أن يستقيم المرء ويكون سويا بدونه، فيظل بحاجة إليه طيلة مدة عيشه على هذه البسيطة، ومن يفهم الحب جيدا ويطبق معانيه الجميلة بصدق في مكانه المناسب؛ بتوظيفه توظيفا صحيحا وسليما من كل شوائب النفاق والخداع، فإنه يكون كمن منح لنفسه منبعا قويا للطاقة الإيجابية، ومصدرا زاخرا بالعطاء الإنساني النبيل على مدار مشواره الحياتي. فهل هذا المفهوم الذي قدمناه للحب قائم في مجتمعنا أم زال ولم يعد موجودا؟

 

إن الحب في جوهره يبقى قيمة ثابتة لا تتغير أبدا، لكن تعامل الإنسان معه باستغلاله استغلالا سلبيا والاستخفاف به هو الذي أحدث تغيرا بارزا، والعيب كل العيب في الإنسان بالدرجة الأولى قبل الواقع الحقيقي المادي الذي يعيش فيه والواقع الافتراضي الذي أصبح أيضا متنفسا جديدا يتواجد فيه بكثرة، كان الحب منذ عقود قليلة يسكن في قلوب تعرف معناه وحقيقته وتستوعبه جيدا، لهذا كان يحظى باحترام وتقدير لما فيه من رفعة وفضل على المرء ذاته وعلى غيره، كما لا ننكر أنه في الماضي كان هناك مناخ مجتمعي يتنفس فيه الحب بشكل أكثر تحفظا؛ لذا كانت تكتسيه نوع من القداسة في نفوس المحبين.

 

ولنعرف حقيقة الحب السائد في زمننا سنلج للموضوع من باب المقارنة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون؛ لتتضح الصورة أكثر، ولتتخذ الأفكار التي نصوغها صبغة حجاجية مقنعة يزال معها الشك وسوء الفهم عن كل ذات مفكرة. كثيرا ما تجد نفسك مجرد وسيلة لتحقيق مصالح من يدعون حبك نفاقا وخداعا، فنتألم وتصبح خائب الأمل، وهذا ما قد يدمر علاقات كثيرة سواء كانت أسرية أو مرتبطة بالأصدقاء، ولربما تجعل مثل هذه المواقف المرء ينسحب بشكل نهائي من حياة من ادعوا حبه زيفا، ومن الجيد دائما أن تدرك مبكرا هذا الحب غير الصادق الذي يقدم لك. وحديثنا هنا عن المصلحة ليس من باب الاستنقاص منها وربطها بالشر والسوء والنفاق والمادية، فنحن ممن يدعو لقضاء حوائج الناس ونفخر أن يرى الآخرون مصالحهم عندنا فنقضيها لهم قدر المستطاع، وإنما نرفض استغلال المصلحة واقترانها بالخديعة والمكر وإظهار ما هو باطل لا أساس له من الصحة لتحقيق نفع شخصي؛ بتغليفها بالحب وإظهاره على أنه حقيقة صادقة، لكن الواقع المستبطن شيء مناقض لذلك تماما، لأنه مجرد ادعاء للحب مرهون بمصلحة فاسدة وغرض نفعي زائل.

 

الحب مسؤولية نحملها بكل أركانها، وليس مجرد نزهة وقتية نسعد به للحظات عابرة، ثم لمجرد ما أن يقع ما يخدشه ويسيء إليه نتخلى عنه ونمل منه فنعود أدراجنا بدونه

لا يمكن تصور أبوين بكامل قواهما العقلية والقلبية أن يحبا ابنهما أو بنتهما لغرض مادي إلا إن كانوا غير أسوياء ومرضى نفسانيين، فالوالدين هم وحدهم من يحبوك لشخصك كما أنت بكل ما يوجد فيك من عيوب ومحاسن، وليس لمصلحة ما، وهذا لا ينفي وجود أناس يحبونك بصدق حبا في الله غير وقتي؛ أي لا ينتهي لحين انتهاء المنفعة التي توجد فيك، لكن القصد أن حب الأم والأب أرقى وأصفى من أي حب، لأنه حب جبلي ولا يرتبط بالإعجاب بما يوجد فيك أو بما تمتاز به عن غيرك، لهذا نقول بأن: حب الوالدين لِما يخرج من أصلابهم له رمزية خاصة، فهو من بين أسمى وأعلى درجات الحب الإنساني، لكونه متخم بنبل العطاء المستدام الخالص من الأطماع والأغراض الشخصية، أي أن حب الوالدين لولدهم متجرد من الماديات والمصالح؛ فهُم يحبانه في جميع الحالات؛ سواء كان جميلا أو دميم الخِلْقَةِ، غنيا أو فقيرا، وحتى لو رزقوا بطفل ناقص فهو محبوب بأي شكل من الأشكال.

 

إننا نعيش في زمن مفتقر للحب الصادق بين الأصدقاء، بحيث أنه أصبحت المصالح متبادلة هي التي تحكم هذا النوع من العلاقات، وبمجرد ما أن تنتهي المصلحة تزول كل تلك المشاعر الزائفة التي كانت تقدم على أنها حب، فالأصدقاء الزائفين أصبحوا الفئة الطاغية عكس الأصدقاء الحقيقين الذين يمثلون الفئة القليلة والنادرة، ولكن كما هو الحال في أرقى القطع المعدنية الثمينة سيكون من الصعب جدا معرفة ما إذا كانت أصلية من الظاهر، وإنما يلزم استخدام الوسائل الدقيقة التي تكشف ذلك ألا وهي: المواقف في وقت الشدة، أراهن رهانا لا يحتمل الخسارة على أنه يوجد داخل الدائرة المقربة جدا لكل واحد منا أصدقاء مزورين عاطفيا عددهم ليس بالقليل، ودوما حب المصلحة بين الأصدقاء كالغمامة في صيف مشمس وكالسراب بقيعة سرعان ما يتلاشى، في المقابل فإن الصداقة التي تحمل حبا صادقا يوجد فيها نكران الذات إخلاصا لمن تتقاسم معهم هذه الرابطة، فيكون الصديق هنا محبا لك في الله؛ فتجده الأنيس الناصح، والرفيق الصادق، والجليس العاقل التقي، وهذا مما يمكن تصنيفه ضمن المنح الربانية، فأن تكون ممن يتمتع بصداقة صادقة فأنت منعم بنعمة عظيمة من حيث لا تدري.

 

أما فيما يتعلق بالحب في العلاقات الزوجية فقد أصبح عملة نادرة، بحيث أن هذه العلاقات الآن يغلب على معظمها الجانب المادي المرتبط بما يقدمه الطرفين لبعضهما البعض، مما يعني أنها أصبحت خالية من المعنى الحقيقي للحب الذي ينبغي أن تقوم عليه كأساس من الأسس اللازمة لتكون العلاقة مبنية على قواعد متينة، فكلا الطرفين ينتظر من الآخر أن يقدم له ما يمنحه السعادة على طبق جاهز دون اعتبار لما سيكلف الطرف الآخر من معاناة بمختلف أنواعها، لهذا ارتبط اليوم مفهوم الحب بكم تعطي من متع مادية، وعلى الرغم من أن كليهما يحاول إرضاء الطرف الآخر، إلا أن مفعول العاطفة المقترنة بمختلف الصور والأشكال المتعلقة بالأغراض الشخصية سرعان ما ينتهي، لأنها لا تلامس العمق ولا تلامس المشاعر بصدق، فالعلاقة الزوجية تحتاج إلى حب صادق لا طمع فيه وإلا صارت هناك مسافة بعيدة بين الطرفين تتسع أكثر كلما كانت هنالك ضائقة ومحنة، وهذا ما يمكنه أن يصنع مشكلات خطيرة جدا؛ لوجود الحرمان العاطفي من مشاعر الحب الصادقة التي تدع طرفا يلجأ لأطراف أخرى خارج العلاقة الزوجية، لأنها تحتويه عاطفيا وتسمع له وتقدّر مشاعره بصدق، فَلِمَ يصنع الأزواج هذه الفجوة المدمرة بينهم بتمسكهم بما لا ينفع وتركهم لما هو أساس؟ في الماضي عندما كان الحب حقيقة حاضرا بصدق ومتجذرا بعمق في الحياة الزوجية، كانت المسافات بين الأزواج متقاربة جدا رغم الاختلاف الظاهري المتجلي بوضوح، ولم تكن المادة والمصلحة الذاتية متحكمة في العلاقات الزوجية بقدر ما كانت العاطفة الصادقة أقوى من أي شيء آخر، وليست المغريات القائمة اليوم عذرا للتخلي عن الحب الصادق واللهث وراء المتع الزائلة والنزوات العابرة.

 

قد يكون من الصعب جدا الاعتراف بأن أساس الحب المدعى براغماتي بامتياز، لأن الذي يستغل الحب لنيل مراده نواياه فاسدة ويخلو من المصداقية، وليس عجيبا أن النفاق والخداع عنده يعد مجرد شيء عادي جدا، لكنه رغم ذلك ليس من الأمر المعجز أن نكتشف حقيقة الحب الذي يقدم لنا ونعرف مدى مصداقية من يدعون حبنا، فهناك مؤشرات كثيرة توضح صدق هذا الحب من عدمه، فمثلا الذين سنذكرهم من المستبعد أن يكونوا ممن يحملون ذرة حب صادق تجاهك؛ كالذي تعود الكذب عليك بدون اكتراث، والذي يقدم لك القليل ويحتفظ لنفسه بالكثير، والذي يتهرب من التضحية من أجلك ويقدم مصلحته وإن كان فيها إلحاق الأذى والإضرار بك، وكذلك الذي لا يذكرك بالخير إلا في حضورك، والذي لا يهمه أمرك في شدتك ومحنتك، وأيضا الذي لا يخاف عليك وأنت في موضع الضعف ويعجبه فقط أن يشفق عليك.

 

خلاصة القول؛ الحب مسؤولية نحملها بكل أركانها، وليس مجرد نزهة وقتية نسعد به للحظات عابرة، ثم لمجرد ما أن يقع ما يخدشه ويسيء إليه نتخلى عنه ونمل منه فنعود أدراجنا بدونه، كل تجربة حب حقيقية كيفما كان نوعها أي مع مختلف الأطراف تأخذ من أرواحنا الكثير وتعطينا أكثر؛ فنكون بها منعمين بطاقة وجدانية كبيرة لا يستهان بها رغم ما يمكننا أن نخسره جراء خوض غمارها، فبالحب نعيش الحياة بكل ما فيها من خطأ وصواب، ونعطي ونكتسب منه تجربة لا يمكن أخذها من أي شيء آخر، لأنها تجعل المحب يتصرف بمنطق الحب لا المصلحة؛ فيصير بذلك قادرا على مواجهة ذاته والآخر والعالم من حوله بسلام وود وإن بدا له منهم السوء، والحب المكنون في قلبه والبادي حقيقة في الظاهر يثريه أخلاقيا وقيميا، رغم كل ما قد يسلبه منه في بعض المواقف القاسية التي تحويها تجارب الحب بمختلف صنوفها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة