حرب الأسبوعين ودورها في قيام دولة بنغلادش

تحتفل بنغلادش في السادس عشر من ديسمبر/ كانون الثاني من كل عام بـ"يوم النصر" الذي شكل نهاية للحرب الثالثة بين الهند وباكستان والتي عرفت بـ"حرب الأسبوعين" عام 1971، وهي في الوقت ذاته بداية لقيام جمهورية بنغلاديش الشعبية بعد انفصالها عن باكستان.

 

هذا التقرير محاولة لتسليط الضوء على هذه الحرب.. ما هي أسبابها؟ وما أبرز نتائجها؟ وكيف انقسم الموقف الدولي تجاهها؟ في الثاني من ديسمبر/ كانون الثاني عام 1971 أعلنت الهند الحرب على باكستان وهي تعد ثالث نزاع عسكري يندلع بين الدولتين منذ انفصالهما عن بعض عام 1947 وإعلانهما دولتين مستقلتين، تعود حرب الأسبوعين إلى جملة من الأسباب تمثلت في الأتي:

 

– تفاقم الخلافات الداخلية في دولة باكستان بعد نتائج انتخابات عام 1970 والتي نالت فيها عصبة عوامي البنغالية الفوز بالأغلبية وهيأت لزعيمها شيخ مجيب الرحمن تشكيل الحكومة، فيما رفض الرئيس الباكستاني يحيى خان والطبقة السياسية في كراتشي انفراد مجيب الرحمن بهذه الحكومة خوفا من تطبيق برنامج النقاط الست الذي يرمي إلى انفصال باكستان الشرقية.
– بعد فشل المفاوضات بين شيخ مجيب الرحمن والرئيس الباكستاني يحيى خان غادر الاخير دكا في 24 مارس/ آذار 1971، وبعد يوم واحد اعلن من كراتشي انطلاق حملة عسكرية للقضاء على ما وصفته السلطات الباكستانية بحركة التمرد في باكستان الشرقية، ولجأت الى القمع والبطش والاعتقالات.

– إعلان الرئيس الباكستاني يحيى خان، فرض الأحكام العرفية في باكستان والعودة إلى الحكم العسكري وتأجيل انعقاد الجمعية الوطنية التشريعية.

أسفرت الحرب عن هزيمة قاسية لدولة باكستان تمثلت بخسارة شطرها الشرقي والتمهيد لإعلان دولة بنغلادش المستقلة، بعد دخول القوات الهندية إلى دكا في 14 ديسمبر/ كانون الثاني عام 1971 واضطرت القوات الباكستانية إلى توقيع وثيقة الاستسلام

– بعد انطلاق الحملة العسكرية تدفق الملايين من اللاجئين من باكستان الشرقية إلى الهند والذين وصلت أعدادهم إلى أكثر من تسعة ملايين مهاجر سبب وجودهم عبء على ميزانية الهند.

– تذرعت الهند أن باكستان تمارس قمع حرية البنغاليين وفيهم ما يقارب خمسة عشر مليوناً من الهندوس، وحرمتهم من ممارسة حقهم الديمقراطي في الحكم.

– قامت السلطات الهندية بتدريب فدائيين بغاليين من الهندوس والمسلمين وتكوين جيش (الموكيتي باهيني) أو جيش التحرير البنغالي وتشكيل حكومة مؤقتة لباكستان الشرقية في مدينة كلكتا الهندية.

– العداء التاريخي بين الهند وباكستان منذ انفصال الأخيرة عن الهند عام ١٩٤٨، فكانت الهند تتحين الفرص من أجل إنزال أية ضربات موجعة التي من الممكن أن تضعف باكستان خصوصا بعد حروب عديدة بين الطرفين وعلى الأخص حول كشمير ابتداء من حرب ١٩٤٨ وحرب ١٩٦٥.

كانت الهند تسعى من خلال إعلان الحرب على باكستان في تحقيق أهدافها الاستراتيجية وهي:

– إقامة دولة علمانية صديقة تضم الغالبية العظمى من مسلمي باكستان، الأمر الذي من شأنه أن يضعف دولة باكستان الكبرى.

– كذلك كانت هنالك مخاوف لدى الأوساط الهندية من امتداد تأثيرات الأحداث في باكستان الشرقية ذات الأغلبية البنغالية إلى البنغال الهندية التي تتركز فيها المعارضة اليسارية ذات التوجه الماركسي الصيني والمناهضة لحكم انديرا غاندي.

– لعبت الروابط القومية التي تجمع بين شطري البنغال الشرقي والغربي دوره في ذلك الصراع، فضلا عن روابط القرب الجغرافي والتجاور بين الطرفين إذ كان لهذا القرب أثره في توجه واستقبال الهند لملايين اللاجئين من باكستان الشرقية.

– كما دوافع اقتصادية تتعلق بكون الهند المستورد الوحيد للجوت المنتج في باكستان الشرقية وهي المنفذ المائي الوحيد لهذا الجزء على مياه المحيط الهندي.

– وجدت الهند أنه في حالة عدم استطاعتها إعادة باكستان إلى المحيط الهندي فمن الأفضل لها تقسيمها وإقامة دولة في باكستان الشرقية ضعيفة وتابعة لها.

 

نتائج الحرب:

أسفرت الحرب عن هزيمة قاسية لدولة باكستان تمثلت بخسارة شطرها الشرقي والتمهيد لإعلان دولة بنغلادش المستقلة، بعد دخول القوات الهندية إلى دكا في 14 ديسمبر/ كانون الثاني عام 1971 واضطرت القوات الباكستانية إلى توقيع وثيقة الاستسلام في 16 ديسمبر/ كانون الثاني بعد أن وقع نحو 90 ألف عسكري باكستاني أسرى لدى القوات الهندية. سارعت الهند للاعتراف بالدولة الجديدة وجسدت تحالفها رسميا من خلال عقد معاهدة السلام والصداقة والتعاون بين البلدين في التاسع عشر من مارس/ آذار عام 1972 والتي نصت على تشاور الطرفين بشكل فوري في حالة وقوع أي تهديد او هجوم على أي منهما لاتخاذ ما يلزم من التدابير.

أما انعكاسات الحرب على الداخل الباكستاني فقد شكل التدخل العسكري في باكستان الشرقية بداية النهاية لحكم يحيى خان الذي حكم البلاد خلال المدة 1969-1971، بعد الإطاحة بالفكرة التي برر يحيى خان إجراءات حكمه العسكري بموجبها وهي الوحدة الوطنية للبلاد التي انتهت بهذه الحرب، وقامت في المدن الباكستانية مظاهرات عنيفة تطالب باستقالته وذلك على الرغم من اجرائه تعديلا وزاريا يقضي بنقل السلطة الى حكومة مدنية جديدة تعمل في ظل دستور جديد. وقد تسلم حزب الشعب الباكستاني بقيادة ذو الفقار علي بوتو الفائز في الانتخابات العامة في باكستان الغربية السلطة وأصبح بوتو رئيسا للجمهورية في 20 يناير/كانون الاول 1971.

 

الموقف الدولي
لم يتغير موقف الولايات الأمريكية المتحدة من الصراعات الهندية الباكستانية كثيرا خلال هذه الحرب حيث اتخذت موقفا متوازنا تجاه الهند وباكستان وهذا من خلال رفضها المساعدات والمعونة العسكرية إلى كل من الهند وباكستان

على الصعيد الدولي كادت "حرب الأسبوعين" أن تؤدي إلى جر القوى العظمى إلى نزاع عالمي ثالث يهدد الأمن العالمي، حيث انقسمت مواقف الدول الكبرى آنذاك من هذه الحرب كلا حسب مصالحها الدولية.

– الموقف الصيني

لم يتضح الموقف الصيني في بداية الحرب الهندية -الباكستانية بشكله الحقيقي، لكن مع مرور الوقت اخذ موقفها يظهر يتشكل، خاصة مع انضمام باكستان مع المعسكر الغربي حلف جنوب شرق آسيا يقابله التحالف السوفياتي-الصيني الذي وصل لدرجة المواجهة سنة 196 م، من هنا بدأت العلاقات الصينية الباكستانية في ارتباط قوي. التوافق الصيني الباكستاني كان ناتجا عن المواجهة المشتركة للنفوذ السياسي في منطقة من جهة، وعن الاهتمام المباشر للصين بقضية كشمير من خلال منطقة شكاي شيس بكشمير المحاذية للحدود الصينية تأكد الدعم الصيني لباكستان في حربها. وظهر دعم وتأييد الصين خلال حرب 1971 الى باكستان بشكل واضح من خلال ارسالها 600 طائرة مقاتلة و100 دبابة، ومنحها قروض بنحو 110 مليون دولار بهدف تقوية باكستان واضعاف الهند من جهة أخرى، تعتبر الصين من الدول القلائل التي أعلنت دعمها لباكستان في حربها ضد الهند وبشكل علني ورسمي منذ بدأ الصراع سنة 1947 إلى غاية 1971م.

– موقف الاتحاد السوفيتي السابق

تطورت العلاقات السوفياتية-الهندية مع تزايد الخلاف السوفيتي الصيني، فالاتحاد السوفياتي لم يقف بجانب الصين في حربها مع الهند رغم ان الصين دولة شيوعية، ولكن وقف مع الهند بسب أن السوفيات ينظرون الى الصين على أنها منافس قوي في المنطقة ودولة منحرفة عن المبادئ الشيوعية التي يسعى الاتحاد السوفياتي إلى تطبيقها في تلك المرحلة، بينما ترى الصين أن السوفيت هم المنحرفون عن تلك المبادئ وظهر ذلك الخلاف واضحا في الحرب الهندية الباكستانية، اذ استغل الاتحاد السوفيتي السابق هذا الصراع في اضعاف الموقف الصيني بجانب باكستان إذ عملوا على فرض نفوذهم منذ بداية الأزمة البنغالية لإيجاد مخرج سياسي لتلك المشكلة وذلك بسبب إدراكهم أن القومية البنغالية لا يمكن القضاء عليها بقوة السلاح، بالإضافة إلى خشيتهم من أن استمرار هذا الصراع سوف لا يؤدي إلى تدمير غرب باكستان فقط بل هو فرصة لتدخل الصين في هذا الصراع.

ومع تصاعد حدة الأزمة في باكستان الشرقية ازدادت الزيارات المتبادلة بين القيادتين الهندية والسوفيتية والتي اثمرت عن عقد "معاهدة الصداقة والسلام والتعاون الهندية السوفييتية في آب 1971، ولم تقتصر العلاقات على تلك المعاهدة اذ لعب السوفيت دور بارز في عرقلة تمرير أي قرار في مجلس الامن الدولي يدين الهند أو يسعى إلى وقف الحرب قبل أن تحقق الهند هدفها وهو إلحاق الهزيمة بالجيش الباكستاني وتوقيعه على وثيقة الاستسلام وضمان انفصال باكستان الشرقية واعلان دولة بنغلاديش.

– موقف الولايات المتحدة الأمريكية

لم يتغير موقف الولايات الأمريكية المتحدة من الصراعات الهندية الباكستانية كثيرا خلال هذه الحرب حيث اتخذت موقفا متوازنا تجاه الهند وباكستان وهذا من خلال رفضها المساعدات والمعونة العسكرية إلى كل من الهند وباكستان، كما اتبعت الولايات المتحدة الامريكية جهودها لتوجيه الهند وباكستان لعلاقات اقتصادية وتجارية وتوظيفها التنمية بين الطرفين لكي تبنى سدا منيعا أمام رغبة الصين في التوسع صوب المحيط الهندي، والحد من المد الشيوعي الصيني وتم إيضاح الموقف الأمريكي المتوازن بين البلدين.

لكن هذا الموقف بدأ يتغير تدريجيا نحو الحزم تجاه الهند لإجبارها على وقف الحرب, والتي عملت بعدها الولايات المتحدة على دفع طرفي الصراع للتفاوض حول إقليم كشمير تحت منظور الشرعية الدولية، وتحت اشراف الامم المتحدة فهدف أمريكا من سياسة "مسك العصى من الوسط" لكسب الطرفين في مواجهة الصين والاتحاد السوفياتي في آن واحد.

 ———————————————————————————————————————————-

 المصادر والمراجع: 

1- شيخ مجيب الرحمن، مذكرات لم تكتمل، دار الرؤيا للنشر والتوزيع، رام الله- فلسطين، ترجمة محمد دباجة، 2016.

2- محمد ايوب خانـ أصدقاء لا سادة، سيرته السياسية بقلمه، نقله ال العربية، الدكتور عمر فروخ، مكتبة بيروت، بيروت، 1968.

3- خولة طالب لفتة، دور الهند في انفصال باكستان الشرقية عام 1971 وموقف الاتحاد السوفيتي منه، مجلة كلية الآداب، جامعة البصرة، العدد 19، حزيران 2015.

4- فاروق حسان محمود الخزرجي، التطورات السياسية الداخلية في باكستان 1947ـ1971، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية  التربية – ابن رشد – جامعة بغداد، 2005.



حول هذه القصة

أخطأت الهند تجهاد كشمير بمحاصرتها وتطويقها بقوى الأمن التي لا رحمة فيهم، بينما أخطأت باكستان في ترويج بضاعاتها والتجنيد لها عصابات مسلحة، وبقي الكشميريون يتأرجحون في كفتي الهند وباكستان.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة