"وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ".. شكرا لكل من كان له فضل علينا

التعليم يا لها من مهنة عظيمة، فأنا أقول وكاد المعلم أن يصبح أبا، لأنه يأثر على شخصيه تلاميذه بشكل رهيب، فإما أن يجعلها شخصية طموحة وواثقة، وإما أن يحطمها ويكسرها، إنها مهنة الرسائل العميقة، التي تليق على أصحاب القلوب النقية، والنفوس الخالية من القبح والتسلط، إنها مهنة زرع أسس الحياة، هم رجال ونساء قرروا احتضان الأجيال وتعبئتهم بالعلم والمبادئ الصحيحة، ربما لو يضع الأستاذ مكانه مكان التلميذ وينظر إلى نفسه من ذلك المقعد الصغير والبارد، سيرى نفسه بوضوح، فإما أن يكرهها، وإما سيحب تلك الهيبة وذلك الصوت وكل تلك التفاصيل التي تؤثر بكل الأشكال على روح التلميذ.

 

فعندما يتمكن من زرع الحماس والاجتهاد، سيحصد بالتالي محبة كبيرة بحجم السماء، سيحصد حكايات جميلة تحكى عنه في ظهر غيبه، هذا هو أجر الأستاذ الحقيقي، أن لا تنسى الأجيال فضله عليهم، وحبه الكبير للرسالة التي اختار أن يفني شبابه فيها، رسالة تأخذ من حريته ومن راحته ووقته، فعندما يتخيل كل أستاذ الأثر الذي سيتركه في نفوس تلك الوجوه المختلفة والميولات المختلفة، سيحب وظيفته لأنه سيرى تعبه على المدى البعيد، عندما يجعل أحدهم يحب القراءة بصوت عالي فيصبح مذيعا أو مقدم أخبار، سيفتخر بنفسه عندما تعشق إحداهن العلوم فتقرر أن تكون عالمة أو طبيبة، و أن إحداهن ستتعلق باللغة العربية من فصاحة لسانه وتعبيره العميق وتفننه في اختيار المصطلحات، فتصير تهوى الغوص في بحر الكتابة والتدوين.

 

هذا هو الفضل الذي سيعيش بداخل كل هؤلاء، أحيانا ستصيبهم نوبة من الذكريات والمواقف، تربك نبضات قلبهم وتشتت انتباههم، لشدة الأثر الذي تركه أستاذ في حياتهم، ربما سيزرع الله بداخلهم شعور مفاجئ من الامتنان ليذكرهم أن فضله سيرافقهم إلى الأبد، إنها أرواحهم التي ستظل وفية لموقفه وهيبته وحبه لذلك القسم ولتلك الدفاتر والسبورة، وتحمله لذلك الضجيج الذي يسمعه قبل دخوله القسم، وفجأة يتحول لصمت مريب عندما يلقي عليهم تحية الصباح.

"وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ" عندما قرأت هذه العبارة تذكرته إنه من تتلمذت على يده وأحببت اللغة العربية من فصاحته، وخطه الجميل على السبورة، كان يقف ليشرح الدرس وكأنه يحكي قصة مشوقة، كنت آنذاك طفلة همها الوحيد الدراسة، لا يشغل بالها سوى تلك الدفاتر والكتب الثقيلة التي كنت أحملها على ضهري، أحمل فيها كل الحب والشغف، كانت أكبر مخاوفي أن أفشل في تشكيل نص على السبورة، أو إعراب جملة ما فيغضب مني، كنت أعشق الاستيقاظ باكرا لأرى وقفته الشامخة أمامنا، ونبرة صوته الخشن، وشيب لحيته الوقور، كنت أنتظر الامتحانات والفروض المنزلية بفارغ الصبر، وانجزها بسرعة البرق، لحاجة مني في إخباره بأنني أحب الدراسة، وأحب التمارين والفروض، وأحب تلك اللحظة التي لا أفهم شيئا من الدرس، لأرفع يدي بكل فخر راجية منه إعادة الشرح وكان لا يبخل بذلك.

 

مهما تقدم العصر، ومهما تطورت ظروف ممارسة الأستاذ لمهنته، ما يزال الأستاذ يسهر الليل يصحح الدفاتر وأوراق الامتحانات، يفرح لجواب ما، ويستزفه خط أحدهم

كنت دائما أطلب من أمي أن تذهب إليه وتسأل عني وعن مجهوداتي داخل القسم والنقط التي أحصل عليها، كنت أراها واقفة معه بجانب باب القسم، لا أتمكن من سماع الحديث الذي يدور بينهم، كان قلبي كل مرة ينبض بنفس السرعة والخوف، حتى أرى تلك الابتسامة الخفيفة والرضى على وجه أمي، فارتاح وأفتخر بنفسي أمام بقية التلاميذ، كنت أحب ذلك الأستاذ وكفى.

كبرت وظل يتابعني من بعيد ويسأل عني وعن أموري فأنا ابنته التي لم ينجبها، رأيت في عينه حب الأب وفي تصرفاته اهتمام الأب ومراقبة الأب لابنته رغم أنني لست بذلك، كنت عندما أراه صدفة تغمرني سعادة كبيرة وفخر كبير عندما يسألني عن دراستي في الجامعة وأجيبه كل الأمور على ما يرام، كيف لا ولقد أحببت الدراسة والتحصيل من حبه لمهنته وعطاءه الكبير، لم يكن مجرد أستاذ يؤدي مهنته فقط، بل كان صديق العائلة وتلك البوصلة التي تعديني كل مرة إلى الطريق الصحيح عندما أتوه.

عندما قررت الزواج، قرر هو أن يهديني توقيعه على عقد قراني، نعم إنه توقيع ثقيل وفخم، من شخص وضعته من اللحظة الأولى في مكانه المناسب، فوثق هو ذلك بهذا التوقيع المليء بالوفاء والأبوة المعنوية، ليثبت لي فعلا أنه يستحق المكانة التي وضعته فيها منذ أول تاريخ خطه بالطباشير على تلك السبورة الكبيرة، لم أتردد لدقيقة احدة في أن يشهد أعظم أستاذ على زواجي، لقد شد على يدي بقوة وأخبرني أنه فخور بهذه اللحظة وأنه يتمنى لي حياة سعيدة، يتمنى لي أن أبقى مجتهدة كما عرفني، لقد رأيت السعادة في عينيه ربما هذا هو الإحساس الذي يحس به الأب عندما تتزوج ابنته، ربما من يدري! فأنا لم أرى هذا البريق من السعادة إلا في عينه، فزاد احترامي له، كنت أظن أن كلمة شكرا شيء قليل في حقه، لكنه لم ينتظرها مني، أتذكر أنه قال لي "الأب لا ينتظر كلمة شكرا من ابنته وانت ابنتي".

مهما تقدم العصر، ومهما تطورت ظروف ممارسة الأستاذ لمهنته، وبالرغم من أننا نعيش داخل هذا الكم الهائل من العصرنة والهواتف والتلفاز والاختراعات التي سهلت الحياة، ما يزال الأستاذ يسهر الليل يصحح الدفاتر وأوراق الامتحانات، يفرح لجواب ما، ويستزفه خط أحدهم، يعصر مخه لتحضير درس الغد وتقسيمه، إنها تفاصيل وأحاسيس يعيشها الأستاذ يوميا وبشكل متكرر، فمنهم من يجعل هذا التعب سلطة وعنف على تلاميذه فيغدو قبيحا وسلبيا، وهناك من يحولها إلى طاقة إيجابية وحماس وتنافس جميل، أكاد أجزم أن لهذه المهنة أثر خرافي على جميع الأصعدة، نحن نعرف أن الأم هي التي تنجب وتربي والأستاذ يكمل ما بدأته الأم وهي أيضا تكمل ما وقف عنده، لكن الأثر الأكبر في التربية والتعليم يعود له، فهنيئا لكل معلم أو أستاذ اختار أن يحب مهنته لكي لا تنسى الناس فظله عليهم، فيعيش طويلا في قلوبهم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال الباحث البريطاني ماثيو هيدجز المعتقل السابق في الإمارات إن المحققين الإماراتيين هددوه بالتعذيب وإرساله إلى قاعدة عسكرية خارج الدولة وسجنه مدى الحياة إذا لم يعترف بالتجسس لصالح المخابرات البريطانية.

الأكثر قراءة