شعار قسم مدونات

عائشة أم المؤمنين.. فقيهة ومحدّثة معتبرة في كتب الشيعة!

blogs شيعة

في عالمنا الإسلامي السّنّي، يدافع البعض بقوة عن فكرة أنّ أهل السنة ليسوا سواءً بل هم أنواع مختلفة، فيهم الصوفي والسلفي والأشعري، والمالكي والحنبلي، والظاهري والمقاصدي، والداعشي والقاعدة وحزب النور. كما يقبل البعض كذلك أن اليسار أنواع، فيهم الانتهازي والاستئصالي والديموقراطي والاجتماعي.. ولكنه عند الحديث عن الشيعة، يتحوّل إلى متعصّبٍ لفكرة كونهم كتلةً واحدة صلبة، ويرى أنّ جميعهم يمارسون التقية، رغم انتفاء سبب التقية في حضور دولتهم في إيران والعراق، وشوكتهم السياسية في لبنان والبحرين واليمن، ويظن أنهم جميعا يسبون ويلعنون الصحابة ويطعنون في عرض عائشة أم المؤمنين.

وهؤلاء مثلهم مثل الذي يرى أن داعش والصوفية والسلفية والإخوان سواء. ومثلهم أيضا مثل من يضع الغرب "الكافر" و"الاستعماري" في سلة واحدة. بينما المنهج القرآني الداعي للدقة، يقول: "اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى". وقد وددت من زمن طويل لو قام بعض الباحثين العقلاء بعملية بحث سهلة الإنجاز، بفضل توفر عدد كبير من الكتب الشيعية على شبكة الإنترنت، عن كلمة "عائشة" في جميع الكتب الشيعية التراثية الموجودة، وذكر لنا ما هي السياقات التي ورد فيها اسم أم المؤمنين (رضي الله عنها)، هل هو سياق ذم أو سياق مدح.. وذلك حتى لا يبقى البعض أسيرا لبعض المقولات الخاطئة أو النقول المحرّفة أو التضليلية، تجاه موقف الشيعة من مثل هذا الموضوع.
 
undefined

أقول: دوننا جميع هذه الكتب وغيرها مما هو متوفر إلكترونيا، وليعمد بعض الباحثين للنظر للسياقات التي ورد فيها، ولنقطع الشك اليقين.. أما الاكتفاء بعبارة أو اثنين يعمم على أساسها الاتهام، فهذا يخالف قواعد البحث العلمي والشرعي. توجد مثلا مكتبة "يعسوب الدين" الإلكترونية الشيعية، وهي تحتوي على عشرات الكتب التراثية والمعاصرة للشيعة، ويمكن البحث فيها بالنص والعبارة. وقد قمت منذ فترة، بعملية بحث بسيطة التقنية، طويلة النفس، عن ورود ذكر السيدة عائشة أم المؤمنين في كتب الشيعة، فوجدت ذِكْرا لها في 120 من الكتاب المتوفرة في كتب الحديث والفقه والتفسير والأصول، وفي مواطن كثيرة جدا من كل كتاب من هذه الكتب.. وخلاصة ما وجدته هو التالي:

1- جلّ المؤلفين الشيعة استشهدوا بمروياتها الحديثية في معرض قبول روايتها، ما عدا واحدا فقط هو مرتضى العسكري.
2- جلّ فقهاء الشيعة يعدّونها من فقهاء الصحابة.
3- لم أجد أيّ أثر لاتهامها في عِرضِها بما برّأهها القرآنُ منه، في أيّ من الكتب الـ121 التي اطلعت عليها.
4- لم أجد لعنا ولا سبّا في حقّها، وإنما دراسةً نقدية متأوِّلةً، أو ظالمةً، أو محتكمةً لأدواتٍ مختلفة عن أدوات تصحيح الحديث السنّي لمروياتها.
5- وجدت أيضا إدانةً تامّة وقاسية لموقفها السياسي بعد وفاة الرسول (ص).

أوّلا: ما مردّ كلّ الاتهامات الموجّهة للشيعة في هذا الموضوع؟

أعتقد أن السبب هو ثلاثية "الانتقائية، والاختزال، والتعميم" التي يعتمدها البعض بحسن نية أو بسوء نية، من خلال الاستشهاد فقط بكتب الروايات في التراث الشيعي، وما ورد فيها من أكاذيب وكفريات إلخ… وقد قرأت عددا كبيرا من هذه الكفريات والأكاذيب والمسائل البعيدة حتى عن المنطق البشري السليم، لو تركنا النقل ومسألة الأسانيد جانبا.. وقد خضت حواراتٍ طويلةً حولها مع عدد من الأصدقاء الشيعة في تونس وكندا، بهدف فهم تعاملِ الشيعة معها. وفهمت أن هناك فرقا كبيرا بين كتب "المرويات" وبين كتب الفقه أو الحديث أو التفسير أو أصول الفقه. وكتبُ المرويّات هي المليئة بالخزعبلات والكفريات والأحاديث الضعيفة والموضوعة.. مثل مئات الكتب التراثية السنية، التي تحتوي على مئات الأحاديث الموضوعة المضحكة في كتب تراثنا السني.

وأتساءل: هل من المنطقي أن نُلزم الشيعة بجميع محتويات كتب التراث الشيعي؟ وماذا لو وجد أحدهم في بعض كتب التراث السنّي، وفي الحجاز بالتحديد مثلا، كلامًا كفريًّا أو مخالفا لبعض المسائل الدينية الواضحة، فهل يمكن أن نقبل بتوجيه الاتهام لجميع أهل السنّة بتبنّي هذا الكلام؟ وماذا عن الأحاديث الضعيفة التي تملأ عددا من الكتب التراثية السنية؟

يدرك الجميعُ أنّ من غير المنطقي اتهامَنا، كأهل السنّة، باعتماد الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، رغم بقائها في تراثنا المحفوظ والمنشور، حتّى لو دافع عنها بعض عامّة أهل السنّة، وحتى لو دافع عنها بعض علماء السنّة. ولذلك، تجدنا نردّ كثيرا على كتب المستشرقين والعلمانيين والملحدين، الذين ينقّبون في كتب التراث لتشويه التاريخ الإسلامي والتشكيك في بعض الجوانب من تاريخ الإسلام، وفي السيرة النبوية، وفي مصدر القرآن الكريم، إلخ. فلماذا يفعل أهل السنّة تمامًا ما يرفضون أن يمارسه الآخرون تجاههم؟

undefined

ثانيا: مكمن الخلاف الحقيقي بين الشيعة والسنة حول عائشة أم المؤمنين

إذن، فموضوع طهارة السيدة عائشة وعفّتها لا يشكّل في حقيقة الأمر موضع الخلاف الأساسي حول شخصيتها بين الشيعة والسنة، حتى وإن كان قولَ بعض متطرّفي الشيعة. وأعتقد أن الخلاف الحقيقي يكمن في ثلاث مستويات فقط:

1- في تقييم موقفها السياسي في عهد علي بن أبي طالب، ومجمل الأحداث التي شاركت فيها في هذا الصدد.
2- وفي مآلها الأخروي بناءً على ذلك.
3- وفي ثقافة السب واللعن الرائجة بشكل لا يطاق في كتب الشيعة، وفي المحاضرات والمناسبات والمنتديات، والتي تمس الصحابة ومنهم عائشة أم المؤمنين.

وأذكر هنا، كشهادة للتاريخ، أنني راسلت المرجع الشيعي الراحل محمد حسين فضل الله سنة 2005، لأسأله عن بعض المسائل المتعلقة بعلم الحديث عند الشيعة، وعمّا إذا كان مراجع الشيعة متفقين في اعتماد الأحاديث الواردة في كتبهم الرئيسية. فذكر لي (مما حفظته ذاكرتي لأهميته، وضاع نصه للأسف الشديد منذ فترة غير بعيدة) أن جميع مراجع الشيعة المعاصرين، تقريبا، لا يعتقدون بصحة جميع الأحاديث الواردة في أي كتاب من كتب الحديث الشيعية، وأن كتابي "بحار الأنوار" للمجلسي و"الكافي" الكليني أهم كتابين من كتب المرويات عند الشيعة فيهما الصحيح والضعيف والموضوع، بشهادة فقهاء الشيعة.

 

وذكر أن الكتاب الوحيد الذي لا خلاف على حفظه وعدم تحريفه هو القرآن الكريم، بجميع صفاته ومحتوياته التي يؤمن بها أهل السنة، وأن الكلام عن وجود مصحف خاص بالسيدة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) إنما هو في حقيقة الأمر مصحف يبدو أنه يحتوي على تفسير لبعض الألفاظ، وليس قرآنا مختلفا، وإن وجد من بين عامة الشيعة من يعتقد بوجوده، فإنما ذلك من قبيل المعتقدات الشعبية غير الرائجة والتي لم يقل بها أحد من مراجع الشيعة المعاصرين.

undefined

وذكر أن الشيعة لهما مدرستان: مدرسة إخبارية ومدرسة أصولية. ومعتقدات أتباع المدرستين ليست سواءً. فالمدرسة الإخبارية تعتمد على كتب الحديث والمرويات بشكل مطلق.. وبما انه ليس لديهم منهج علم واضح كامل لتصحيح الأحاديث والروايات، فهم يقبلونها بصحيحها وضعفها وموضوعها، وكثير من أئمة مساجدهم ودعاتهم يستعملون كل الروايات بدون غربلة.. وفي هذه الكتب كثير من الكذب والكفر الصريح بلا شك. أما المدرسة الأصولية، فهي مدرسة علماء فقهاء لديهم قواعد في التحقيق والتثبت ويدرّسون علم المنطق والفلسفة وأصول الفقه وغيرها.

 

وهؤلاء يردّون جزءا كبيرا من مروياتهم ولا يعتمدونها، ولديهم كثير من الجهد الذي تسعى للقيام به في اتجاه غربلة كتب المرويات وتراجم الرجال، وأنه شخصيا لديه نقد مكتوب ومعروف لعدد من هذه الأحاديث.. وذكر أيضا كلاما عن عدم تطور منهجية تصحيح الأحاديث عند الشيعة مقارنةً بما حصل عند السنة. هذا الكلام الذي ذكره المرجع الراحل، يدل على وجود وعي في الساحة العلمية الشيعية بالحاجة الماسة لمجهود ضخم من قبل الشيعة في سبيل تنقية تراث مروياتهم، وأن الأمر يحتاج لشجاعة أدبية، ومنهجية علمية دقيقة (ليس من الصعب وضعها)، واستعداد للتحرر مما هو خاطئ من المسلّمات، ومما لم يتأكد وثاقة نقله من النصوص التي أضفي عليها طابعُ التقديس.

ثالثا: إحصاء ذكر "عائشة" في كتب الشيعة (فقه، أصول، حديث، تفسير):

فيما يلي نتائج البحث الذي قمتُ به عن كلمة "عائشة" في الكتب المرجعية للشيعة، والمنشورة في مكتبة "يعسوب الدين" الإلكترونية. وقد وجدت فيها 120 كتابا تنتمي لأربعة أصناف: كتب الفقه الشيعي، كتب الحديث الشيعي، كتب التفسير الشيعي، كتب الأصول الشيعية. وقمت ببحث في نصوصها فوجدت جميعا تذكر عائشة كصحابية ذات رأي فقهي معتبر، ووكراوية للحديث مقبولة الرواية. والملاحظ أن "الكافي" للكليني، أهم كتاب في مرويات الشعية، اعتمدها كراوية للحديث في السند المقبول في مرويات الإمام جعفر الصادق.